يعتبر التلازم بين القرآن الكريم كخطاب الله، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من بديهيات الأمور وواضحات الفقه الإسلامي، لاعتبار السنة النبوية، في عقيدة "أهل السنة والجماعة"، "مقيدة لمطلق القرآن، مفصلة للمقيد منه، وناسخة لبعض آياته" (1). هذا الاعتقاد تدعمه نصوص كثيرة من الذكر الحكيم والأحاديث النبوية (2)، ويكفي بالتالي أن نورد، كتأصيل لحجية السنة النبوية، قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (سورة النساء: 59) (3). إقران الله تعالى طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطاعته، يحسم كل التجاذب حول مكانة السنة في التشريع الإسلامي ودورها في تبيان الأحكام الشرعية، وبالتالي إنكار ذلك هو ضرب من العبث والجدال العقيم. لكن للإنصاف ينبغي الإقرار بأن أولئك المسمين "قرآنيين"، لهم حججهم في استبعاد الموروث الحديثي في فهمهم للدين، وذلك راجع لاعتبارات، أهمها كون هذا الموروث الحديثي غير مجمع عليه من طرف كل المسلمين، مع العلم أن السنة النبوية لم تدون إلا بعد مضى قرن من الزمن على ارتقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحيث أن "التاريخ يكتبه المنتصر" كما يقال، فإن فترة الحروب الأهلية (الفتنة) التي دارت رحاها بين الصحابة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رافقتها اغتيالات طالت المناوئين (4)، وحركة واسعة لحرق للكتب وتشفير كثير من الروايات (5)، إضافة للوضع واختراق منظومة الحديث بالإسرائيليات. أما وقد "ثبتنا العرش" كما في علم الكلام، فإننا نمضي بعدئذ "للنقش" وتفصيل الحديث، بخصوص موجبات الاستبعاد المرحلي للمسماة "سنة"، خصوصا وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لقد كثرت علي الكذابة" (6). كثير هم الذين يوردون أمثلة تبيان السنة للعبادات، كعدد ركعات الصلوات وشعائر الحج..، دون حب الانتباه إلى وجود عبادات وأحكام أخرى، لا يتبع فيها للأسف هؤلاء الأفاضل صريح القرآن الحكيم ومحكمه، كالوضوء، إتمام الصيام إلى الليل، أوقات الصلوات والإشهاد في الطلاق.. (7). إن "السنة" قد شابها كثير من الأيدلوجة، كما في مثال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم حرمت علي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله" (8)، في حين يقول القرآن الكريم: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها" (سورة الكهف: 29). ثم إذا كان لوم استبعاد "السنة" واقعا على المتأخرين من المسلمين (القرآنيين)، فلما لا يقع، من باب أولى، على الأولين منهم، أولئك الذين صاحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا غداة ارتقائه إلى الباري: "حسبنا كتاب الله" (9)؟ أليس من حقنا كمسلمين متأخرين، أن نطالب بفك شفرات التراث الحديثي، وبالتالي الكشف عما تخفيه رموز (كذا وكذا؛ فلان؛ كان ما كان؛ قال لها قولا؛ رجل ..)؟ كيف يكثر صحابي التحديث بالروايات، وقد عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط ستة أشهر، بينما تكاد روايات كل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجتمعين بضعة عشرات؟ لماذا تحوير النقاش من الشك في صحة المرويات، إلى حجية السنة ذاتها؟ أسئلة وغيرها كثير، تنتظر جوابا رصينا، ولو بعد حين، مهما التبس الحق الواحد بالباطل المتعدد، سيدمغه الحق فهو زاهق. هامش (1) يقول ابن القيم الجوزية: كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان بل كانوا عاملين بقوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" سورة الأحزاب 36، إعلام الموقعين، الجزء 4، الصفحة 244. (2) الأحكام والشرائع الواردة مجملة في القرآن الكريم؛ تولت السنة تفصيلها، ووضحت دلالاتها ومقصدها، كالصلاة والزكاة والصوم والحج، إذ قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" سورة النحل 44، وقال: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما" سورة النساء 105، وقال: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" سورة النحل 64، وقال: "قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به" سورة الأنعام 145. أما في الحديث؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"، يعني بذلك السنة، الإحكام في أصول الأحكام، الجزء 1، الصفحة 14. (3) حسب أحمد الريسوني، "طاعة أولي الأمر بين المقاصد والمفاسد"، الموقع الرسمي للأستاذ أحمد الريسوني، 31 يوليو 2021؛ "..طاعة أولي الأمر (علماء وأمراء)؛ تم استغلالها عبر التاريخ". (4) من بينهم الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، لما دخل دمشق في آخر حياته، وجد كثيرا من أهلها منحرفين عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فحدث فيهم بفضائله، وما كان إلا أن تعصب عليه بعض الدمشقيين، فضربوه ضربا مبرحا، وكان ذلك سببا في موته رحمه الله. "البداية والنهاية" (14/ 793). (5) جاء في الحديث رقم 4595 من صحيح البخاري "حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش وحدثنا عاصم عن زر قال سألت أبي بن كعب قلت يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا فقال أبي سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي قيل لي فقلت قال فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" كما أخرج كل من البخاري حديثا تحت رقم 2655 ومسلم تحت رقم 788، عن عائشة "سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يقرأ في المسجد، فقال: رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية، أسقطتهن من سورة كذا وكذا". كما قال البخاري في صحيحه الجزء الرابع، صفحة 151 و152، رقم الحديث 5358، "حدثنا سعيد بن عفي، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه، فانطلقت حتى دخلت على مالك بن أوس فسألته، فقال مالك: انطلقت حتى أدخل على عمر، إذ أتاه حاجبه يرفا، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم، قال: فدخلوا وسلموا فجلسوا، ... حينئذ وأقبل على علي وعباس تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا، والله يعلم أنه فيها صادق بار راشد تابع للحق.. (6) حديث "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار" رواه سعيد بن زيد في صحيح الجامع، الصفحة، 2142. أخرجه كذلك الشاشي في (مسنده (216) واللفظ له، وأخرجه البزار (1276)، وأبو يعلى (966) باختلاف يسير. (7) أنظر مقالنا على جريدة هسبريس، "المرافعة الكبرى لفائدة الحق ضد الباطل"، الخميس 21 مارس 2024. (8) إسناده صحيح ورجاله ثقات، رواه أبو هريرة في صحيح ابن خزيمة، الصفحة 2248. (9) رزية الخميس هي حادثة وقعت قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ سماها ابن عباس، وقد وردت في العديد من المصادر التاريخية عند الشيعة وأهل السنة. قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه، فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه، أهجر استفهموه؟ فذهبوا يردون عليه، فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها. أما في صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب: قول المريض قوموا عني، الجزء 7، رقم الصفحة 9: 5345 حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن معمر، وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت؛ فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: قوموا، قال عبيد الله: فكان ابن عباس، يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. في نفس السياق، ورد في تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي، جاء فيه: ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه. الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: البخاري المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4431 خلاصة حكم المحدث: [صحيح].