مع قضية إبستين، والحرب في أوكرانيا، والقصف الأعمى على غزة، والتوترات المتكررة والدامية في الشرق الأوسط، والحرب الاقتصادية المُعولمة التي تهدد بالتحول إلى حرب فعلية، وعودة اليمين المتطرف الذي يعيد تحميل الأقليات العرقية أو الدينية مسؤولية الأزمات في ازدراء صارخ لحقوق الإنسان، إلى جانب ظواهر أخرى لا تقل خطورة، يتصدر الغرب اليوم المشهد الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي. هذه الأحداث المتلاحقة تعيد إلى الأذهان، بشكل مثير للقلق، الرؤية النقدية للحداثة الغربية التي صاغها محمد أسد بين الحربين العالميتين. وُلد محمد أسد سنة 1900 في أسرة يهودية نمساوية-هنغارية تحت اسم ليوبولد فايس (Leopold Weiss)، واعتنق الإسلام في السادسة والعشرين من عمره. عاش حتى مماته سنة 1992 رحّالةً بلا كلل، وصحفياً، وعالماً، ودبلوماسياً، تاركاً بصمته في القرن العشرين من خلال نقده الحاد للمادية الغربية، وبفضل قدرته الاستثنائية كصحفي على المقارنة الواعية بين الشرق والغرب، ناقلًا ومترجمًا للأفكار والتجارب والرؤى من ثقافة إلى أخرى. ويُعدّ كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" من أعمق المحاولات في قراءة الحداثة الغربية قراءةً من وجهة نظر روحانية. نُشر أول مرة في دلهي ولاهور سنة 1934، ثم أُعيد نشره عن دار الأندلس سنة 1982 مع إضافة كتبها المؤلف لاحقًا. والكتاب في جوهره نداءٌ موجّه إلى عموم المسلمين، يحثهم فيه على تجنب تقليد الأشكال والقيم الاجتماعية الغربية تقليدًا أعمى، والسعي بدلًا من ذلك إلى الحفاظ على قيم تراثهم الإسلامي، الذي كان يومًا ما – ولفترة طويلة – منبع الظاهرة التاريخية الغنية والمتعددة الأوجه التي يُطلق عليها وبحق "الحضارة الإسلامية". وقد أهدى أسد هذا الكتاب إلى شباب المسلمين في كل زمان، على أمل أن يكون مفيدًا لهم. وقد عرض فيه جملةً من آرائه المتشائمة تجاه حداثة الغرب، الذي كان يعرفه معرفةً وثيقة منذ بدايات القرن العشرين. وقد سنحت له مناسبة التعبير عن ذلك في الثلاثينيات بالمسجد النبوي الشريف، بحضور الشيخ ابن بليهد، سأله أحد البدو سؤالًا بسيطًا في صياغته، بالغ العمق في دلالته: لماذا يبدو الفرنجة – وهو مصطلح عربي موروث من زمن الحروب الصليبية للدلالة على الأوروبيين – وكأنهم غير مبالين بوجود الله؟ فلم تكن إجابة أسد مجرد تعليق عابر، بل رأى أن الحداثة الغربية لا يمكن فهمها إلا في ضوء نبوءة ظهور المسيح الدجال الذي أنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم. فالدجال، الموصوف في الروايات المتواترة بأنه أعور ويمتلك قدرات خارقة، كان يرمز عند أسد إلى نموذج حضاري يجمع بين كل من الإبهار والخداع. فهو يسمع ما يُقال في أقاصي الأرض، ويرى أحداثًا تقع على مسافات لا حدود لها، ويجوب العالم في أيام معدودة، ويُخرج خيرات الأرض كيف يشاء، ويتحكم في المطر والنبات، ويُطيل الأعمار، وبالمقدار نفسه ينشر الحروب والدمار. وأمام هذه الخوارق، يفتتن ضعاف الإيمان فيظنونه ربًّا على كل شيء قدير، بينما يدرك أصحاب البصيرة أنه محض دجال. ورأى محمد أسد أن هذه الصورة الأخروية تنطبق بشكل لافت على الحضارة المادية الصرفة الحديثة، كما عاشها في موطنه الأصلي بالغرب. فهي حضارة مادية عوراء من العين اليمنى؛ لأنها عاجزة عن إدراك البعد الروحي للوجود، فلا تراه إلا بالعين اليُسرى، عين التقدم المادي الصرف. فقد مكّنت اختراعاته الإنسان من السمع والرؤية المتعدية لحدود حواسه الطبيعية، ومن اجتياز المعمورة بسرعات مذهلة، ومن إخضاع الطبيعة كليةً لاستخراج خيراتها، وحتى من إطالة العمر بفعل التقدم في الطب. غير أن هذه الإنجازات المبهرة نفسها تُسخّر في الوقت نفسه للتدمير عبر حروب تزداد – بنفس المقدار – تقنيةً وتخطيطًا وتنظيمًا. ومفتونون بهذه الإنجازات التي لا حد لها، ينتهي الأمر بكثيرين إلى عبادة ذلك التقدم عبادةً تُذكّر بعبادة العجل. وكان أسد يرى – حتى في بدايات العشرينيات من القرن الماضي – أن الغرب قد فقد منذ زمن بعيد براءته وانسجامه الطبيعي مع الكون. فصار الإنسان الحديث معزولاً ومتشككًا فيما تمليه عليه فطرته السليمة، فيسعى – بسبب ذلك الفراغ الروحي – إلى السيطرة على مختلف مناحي الحياة بوسائل مادية، فيُكثِر من اختراع الآلات كحلفاء مصطنعين بلا معنى ولا روح. كل اختراع يوسّع قدراته، لكنه في الوقت ذاته يخلق عنده حاجات ومخاوف وأخطارًا جديدة. وهكذا تتحول الآلة، التي كان يُفترض أن تحمي حياته وتغنيها، إلى إله فولاذي كاسح، وكأنه وحش مفترس. لم يكن أسد يرى في هذا التسارع الهائل للتقنية بلا معنى للوجود مجرد ازدياد في العلم والمعرفة، بل كان يستشعر في طياته مصدر بؤسٍ وفراغٍ روحي عميق. فالحضارة الغربية، لما حرمت نفسها من توجيه ديني أصيل، عجزت عن إعادة التوازن بين متطلبات الجسد وحاجات الروح. نبذت أخلاقها القديمة دون أن تنجح في إحلال منظومة أخلاقية متماسكة محلها. وأتقنت فن التنظيم، لكنها ظلت عاجزة عن السيطرة على القوى المادية التي أطلقتها بيديها، حتى غدت الإمكانات شبه اللامحدودة للعلم مقترنةً بفوضى عالمية شاملة. وكان يرى أن القرآن الكريم قد صوّر هذه الحالة صورة بليغة في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 17-18]. وهكذا، فإن الغرب – الذي كان قد حمل يومًا رسالة تبشير العالم باسم المسيحية – قد اعتنق تدريجيًا دينًا جديدًا: دين نمط الحياة المادية، الذي يُعلن أن مشكلات البشرية ستُحل في المصانع والمختبرات والخوارزميات ومكاتب الإحصاء. غير أن هذا التفاؤل، كما كان يؤكد أسد، يخفي حقيقةً أشد قتامةً؛ يخفي التأسيس التدريجي لحكم الدجال. ولو عاش محمد أسد حتى عصرنا هذا، أفلم يكن ليرى في مزالق الثورة الرقمية، وفي التكنولوجيا التي تلغي الزمان والمكان، وفي التلاعب بالعقول والتسليع الشامل للبشر، تأكيدًا صارخًا لحدسه في ثلاثينيات القرن الماضي؟ لعلّه كان سيقول إن الدجال قد ترسخ أكثر من أي وقت مضى: حضارة مادية صرفة، مبهرة وكما تبدو كليّة القدرة، لكنها عوراء – بل عمياء – روحيًا، فيخاطر فيها الإنسان بأن يعبد منجزاته التقنية بوصفها آلهة حديثة. وفي عالم أعمته قوته الذاتية، لكانت عمليات القصف على غزة – في نظر أسد – من أكثر العلامات فجاجةً على هذا الانحراف: انحرافٌ تجلى في قتل أطفال، وتدمير مساكن ومدارس ومستشفيات، وحرمان ساكنة بريئة من المأوى والماء والطعام، وكل ذلك في واضح النهار وعلى مسمع ومرأى من كل العالم. تقنية متطورة، ثمرة شديدة المرارة لتقدم علمي وتقني مبهر، مسخّرة لخدمة الموت بالجملة، وكاشفة إلى أي مدى يمكن للبشر أن يفقد روحه وإنسانيته، وهو يجري من وراء وهم التقدم المادي الصرف بلا معنى للوجود، تحت سيطرة وتحكم المسيح الدجال وهو لا يشعر. ومع ذلك، ففي قلب هذه الظلمات، لاحت بارقة أمل غير متوقعة: شعوب العالم، بما فيها شعوب الغرب نفسه، نهضت – ولا تزال – بالملايين، في وجه هذا الظلم الكاسح. وكأن في صخب هذه الضمائر المستيقظة دليلًا على أن الإنسانية، بفطرتها السليمة، ليست محكومة حتمًا بالاستسلام لأكاذيب الدجالين وتضليلهم، ولا بالانحدار إلى متاهات العمى الأخلاقي التي يُسوّقون لها. فنعم، وبالتأكيد، للتقدم في مختلف العلوم والاختراعات، إذ هو من تسخير الله لعباده، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا..﴾ من الآية 29 في سورة البقرة. غير أن هذا التقدم لا يُرجى منه خير ما لم يُقترن بالوعي بمعنى الوجود؛ ذلك الوعي الذي يروي عطش الروح بالسكينة والرحمة، حين يدرك الإنسان من أين جاء، ولماذا أوجده الله، وإلى أين المصير. وفي حق المفتونين بمتاع الدنيا الصرف، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]. ولعل هذا هو جوهر ما أراد محمد أسد – رحمه الله – التذكير به في كتابه، كرسالة للمسلمين كافة: صرخة تحذير لئلا يُفتنوا بالتقدم المادي المجرّد، فيفقدوا البوصلة التي جعلت من حضارتهم زمناً طويلاً منارةً فريدةً تمزج ببراعة بين فتوحات العلم وتقوى الروح. لقد أراد للمسلمين أن يظلوا – بذلك – كما أراد الله لهم: مرجعاً أخلاقياً يُحتذى به لخير البشرية لما تتيه في ظلمات المادة الصرفة، لا مجرد تابعين في مضمار مادي بلا غاية أخلاقية. وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا...﴾ الآية 143 من سورة البقرة. ولعلّ خير شاهدٍ على نفاذ بصيرة أسد هو ذلك الزخم غير المسبوق الذي يشهده الغرب اليوم من إقبالٍ لافت على قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف والسيرة النبوية العطرة واعتناق الإسلام، وسط تلك الظروف الحالكة. فما أبهر العقل الغربيّ المنقسم على نفسه لم يكن تفوقًا تقنيًّا إضافيًا، بل كان ذلك الصبر الأسطوري الذي تجلى في شعب غزة المسلم؛ صمودٌ جعل الإنسان الغربي يتساءل عن سر تلك الوجوه التي تحمد الله وسط الركام، ومتيقنةً بيقينٍ لا يتزعزع بما وعدها الله من خير ونعيم مقيم. صمودٌ كشف للعالم أجمع أن قوة الإيمان بالله وباليوم الآخر هي الحصن الحصين الذي لا تستطيع ترسانة الدجال المادية تحطيمه، وهي الضياء الحقيقي الذي يبدد عتمة المادية الصرفة، ويعيد للإنسان المادي توازنه المفقود بين جسده الفقير لما في الأرض وروحه الظمأى لما وعدها الله به في السماء.