أُتيحت لي، في التاسع والعشرين من يناير الجاري 2026، فرصة تقديم كتاب Intelligence للمفكر الإيطالي Mario Caligiuri، وذلك خلال لقاء فكري احتضنته مدينة باري الإيطالية. لم تكن المناسبة شكلية ولا بروتوكولية، بل كانت بالنسبة لي شرفًا حقيقيًا ومسؤولية معرفية في الآن نفسه، لأن تقديم كتاب من هذا النوع يفرض على من يقدّمه أن يقرأه بتمعّن، لا مجاملةً ولا استعجالًا، بل فهمًا وتحليلًا. وهو ما قمت به بالفعل. الكتاب، رغم صغر حجمه — 113 صفحة فقط — يحمل مضامين كثيفة، فتحت أمامي آفاقًا واسعة للتفكير، خاصة في هذه اللحظة الدقيقة التي يمر بها العالم. لحظة تحولات كبرى، تراجع يقينيات، تصاعد صراعات غير تقليدية، وانزلاق متزايد من الحروب الميدانية إلى حروب من نوع آخر، أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا. في هذا السياق، المغرب ليس استثناءً، بل هو حالة نموذجية، خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار صراعه الإقليمي المعروف، وما يفرضه من ضغوط دائمة على صورته، خياراته ومساراته الاستراتيجية. Caligiuri لا يقدّم الاستخبارات بوصفها أجهزة سرية أو عمليات خفية فقط، بل كمنهج للقراءة. طريقة لفهم الواقع لا من خلال الأحداث الظاهرة، بل عبر ما يسميه الإشارات الضعيفة: ما يتكرر دون ضجيج، ما يبدو عاديًا لكنه يحمل دلالة وما يُقال أكثر مما ينبغي في توقيت غير بريء. هذا المنهج، حين نُسقطه على الحالة المغربية اليوم، يسمح لنا بفهم ما يجري خارج التفسيرات السطحية. ما يجري لا يمكن ربطه فقط بزمن كأس إفريقيا للأمم، لا قبلها ولا خلالها ولا بعدها. نحن أمام حملة انطلقت منذ ما يقارب سنتين، وتواصلت عبر مراحل مختلفة، واتخذت من كأس إفريقيا مجرد محطة من محطاتها، لا سببًا لها. وفق منطق الحروب الإدراكية كما يشرحه Mario Caligiuri، هذا النوع من الحملات لا يُبنى على حدث عابر، بل على مسار طويل النفس، يهدف إلى إنهاك الرموز تدريجيًا، وتحويل حضورها من مصدر قوة إلى عبء دائم. في هذا السياق، يتجلى الاستهداف المركز لشخص فوزي لقجع، ليس لأنه فوق النقد، ولا لأن المغرب يعيش حالة إجماع مصطنع، بل لأن الرجل تحوّل، بحكم موقعه ومساره، إلى رمز لمسار صاعد. وحين يصبح المسار صلبًا، كما يؤكد Caligiuri، لا يُواجَه مباشرة، بل يُستنزَف عبر ضرب رموزه على المدى الطويل. المعطى الذي غالبًا ما يتم تجاهله في خضم هذا الجدل هو أن فوزي لقجع لم يفرض حضوره داخل هياكل الكرة الإفريقية عبر الظرفية أو المناورة، بل عبر شرعية انتخابية واضحة. ففي آخر انتخابات داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، حصل على 49 صوتًا من أصل 52 خلال انتخابه ممثلًا لإفريقيا في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، وهو رقم يعكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل القارة. كما تم انتخابه لاحقًا نائبًا أول لرئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ما يؤكد أن نفوذه لم يكن لحظة عابرة مرتبطة باستحقاق معين، بل نتيجة مسار تراكمي. في منطق الحرب الإدراكية، هذا النوع من الشرعية الواسعة لا يُواجَه بالمنافسة السياسية أو التقنية، بل يُستهدَف رمزيًا، عبر محاولات متكررة لتقويض الصورة بدل منازعة الواقع. كرة القدم، في التجربة المغربية، لم تكن يومًا هدفًا في حد ذاتها. كانت أداة ضمن رؤية أوسع: بناء بنية تحتية حديثة، تكوين كفاءات وطنية، خلق خبرة تنظيمية مغربية خالصة، وتقديم صورة بلد قادر على الإنجاز في محيط إقليمي يعاني من اختلالات بنيوية مزمنة. اليوم، يعترف أغلب المراقبين بأن المغرب أنجز ما يقارب 80 في المئة من متطلبات تنظيم كأس العالم، وهو معطى كافٍ لفهم سبب هذا الاستهداف. ما يلفت الانتباه، وفق منهج Caligiuri، ليس كثرة الانتقادات، بل نمطها: نفس السرديات، نفس المفردات، نفس الحسابات، ونفس التوقيت الحساس. هذه ليست دينامية رأي عام طبيعي، بل هندسة إدراكية تهدف إلى إنهاك الثقة لا إلى تصحيح الأخطاء. والفرق جوهري بين النقد، الذي يغني النقاش العام، وبين التشويش، الذي يفرغه من معناه. كأس إفريقيا ليست جوهر الصراع. الفوز أو الخسارة جزء من منطق الرياضة. ما هو على المحك أعمق من ذلك: صورة بلد، مسار صاعد، وتجربة إفريقية نادرة تحاول أن تشق طريقها خارج منطق الفشل المزمن. ضرب رمز يعني محاولة إرباك مشروع، وتحويل النقاش من المستقبل إلى الدفاع المستمر عن الشرعية. ولهذا، فإن الحرب الحقيقية اليوم لم تعد تتجه نحو المعارك الميدانية، بل نحو العقول. من يربح معركة الإدراك، يفرض تفسيره للواقع، ومن يخسرها، يجد نفسه دائمًا في موقع التبرير. وكما يذكّرنا Caligiuri، أخطر ما في هذا النوع من الحروب ليس الهجوم في حد ذاته، بل نجاحه في جعلنا نرى العالم كما يُراد لنا أن نراه، لا كما هو عليه فعلاً. والفاهم يفهم!!