في زمن تتعالى فيه أصوات التعصب، وتتصاعد التوترات الدينية، وتشتد الاستقطابات، يبرز المغرب كنموذج للاعتدال، وقِبلة للوسطية، ومركز للإشعاع الروحي والديني. فهذا الاستقرار الروحي الذي تنعم به المملكة ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة رؤية ملكية سامية وإرث صوفي عميق تشكّل عبر قرون من التاريخ المجيد وترسخ تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، أمير المؤمنين وحامي الملة والدين، حيث نجح المغرب في تحويل تراثه الديني إلى نموذج عالمي يُحتذى به، نموذج يجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الروحانية العميقة والتدبير المؤسسي الرشيد. فتدبير الشأن الديني في المملكة المغربية يستمد شرعيته من عقد البيعة الذي ينص على أن أمير المؤمنين يحمي الملة والدين، وتتجسد عنايته المولوية في حماية ثوابت الأمة الراسخة، التي عرفها المغاربة منذ الدولة الإدريسية واستقروا عليها عبر العصور: المذهب المالكي في الفقه، والعقيدة الأشعرية في التوحيد، والتصوف السني في التزكية. فقد وحد المذهب المالكي كلمتهم وجمع صفّهم، وميز المغاربة بوحدة العقيدة والمذهب والسلوك، كما عبّر عن ذلك الإمام عبد الواحد بن عاشر في منظومته: "في عقد الأشعري وفقه مالك **** وفي طريقة الجنيد السالك". وهذه الثوابت لم تأتِ بمحض الصدفة، بل هي نتاج بنية متكاملة تجمع بين الاعتدال في الفتوى، والعقلانية في العقيدة، والروحانية في السلوك؛ منظومة أثبتت عبر التاريخ قدرتها على تحقيق التوازن بين النص والروح، بين العقل والقلب. ويتميّز النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني بكونه شأناً جامعاً للأمة، يُدار خارج منطق التجاذبات والاصطفافات، حيث تصدر النصوص القانونية المنظمة للمجال الديني في شكل ظهائر شريفة عن أمير المؤمنين مباشرة، تأكيداً لكون الدين في التصور المغربي ثابتٌ دائم يجمع ولا يفرق ،يوحد ولا يشتت .كما تمثل الطرق الصوفية والزوايا العريقة ركيزةً أساسية في ترسيخ هذا النموذج الحضاري الفريد؛ فالزاوية الناصرية، والبودشيشية، والتيجانية، والدرقاوية، وعشرات الطرق الصوفية الأخرى المنتشرة في ربوع المملكة، شكّلت عبر العصور النسيج الروحي والاجتماعي الذي نسج ثقافة التسامح والاعتدال في المجتمع المغربي. لقد علّمت الصوفية المغربية الأجيال أن جوهر الدين لا يختزل في المظاهر الخارجية وحدها، بل يتجلى أساساً في تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق وخدمة الخلق؛ فالشيخ الصوفي لا يعتمد خطاب التشدد أو الإدانة، بل يؤسس مساره على الذكر والمديح النبوي، بعيدًا عن منطق الإقصاء، ومُكرّسًا لقيم المحبة والرحمة. فافي حلقات الذكر، تذوب الفوارق الاجتماعية، ويجتمع الناس في حالة روحية واحدة تسمو بهم عن صغائر الدنيا إلى معاني الإخاء والمودة. كما أن هذا الإرث الصوفي العميق هو الذي حصّن المجتمع المغربي من موجات الغلو والتشدد، فالمغربي الذي تربّى على محبة الأولياء الصالحين ومحبّة النبي الكريم، يستعصي استقطابه إلى خطابات مغلقة، مهما تعددت شعاراتها وتلوّنت مسالكها. وبفضل الرؤية الملكية الاستشرافية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي حوّلت هذا التراث المغربي الروحي الغني الذي قلّ نظيره إلى نموذجٍ يُحتذى به في مواجهة تحديات العصر الراهن، انتقلت المملكة من مجرد الحفاظ على موروثها الديني إلى ترسيخ نموذجٍ عالمي في تدبير الشأن الديني. ومن هذا الفهم العميق انطلقت مبادرات استراتيجية جعلت من المغرب مرجعًا دوليًا في هذا المجال. وقد جاء تأسيس معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات سنة 2014 ترجمةً عملية لهذه الرؤية السامية؛ إذ يُعد هذا المعهد الرائد مؤسسة تكوينية متطورة تجمع بين العلوم الشرعية الأصيلة والمعارف الإنسانية الحديثة، بين الفقه واللغات، وبين القرآن الكريم وعلم النفس، في تكوين متكامل يهدف إلى إعداد إمام متشبّع بقيم الوسطية والاعتدال والحوار. ولا يقتصر خريج هذا الصرح العلمي على الإحاطة بأحكام الشريعة، بل يتكوّن كمرشدٍ روحي قادر على فهم إشكالات عصره والتفاعل معها بوعي وانفتاح، وهو ما جعل المعهد قبلةً لطلبة من عشرات الدول الإفريقية والأوروبية، في إطار استراتيجية روحية تهدف إلى إبراز نموذج الوسطية المغربي وترسيخه على الصعيد العالمي، حيث يعود الإمام المتخرج إلى بلده حاملًا معه منهجًا في فهم الإسلام قائمًا على التسامح والاحترام. وفي السياق نفسه، جاء تأسيس مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2015، كمشروع يهدف إلى توحيد جهود العلماء المسلمين بالمغرب وبقية الدول الإفريقية، بغية التعريف بقيم الإسلام السمحة ونشرها وترسيخها. كما تقوم المؤسسة، من خلال فروعها، بمبادرات إنسانية وعلمية لتعزيز العلاقات التاريخية وإحياء التراث الإفريقي المشترك. ومن بين أهدافها أيضًا إقامة علاقات تعاون مع الهيئات والجمعيات ذات الاهتمامات المشتركة، بهدف تبادل الخبرات وتعزيز الروابط الروحية والثقافية بين البلدان، تجسيدًا للرؤية الملكية السامية في تعزيز الأمن الروحي الإفريقي ومن بين المفاهيم التي قدّمها المغرب للعالم يبرز مفهوم الأمن الروحي. ففي عالمٍ يُقاس فيه الأمن غالبًا بمنطق القوة والهيمنة، اقترح المغرب بُعدًا جديدًا يرتبط بأمن الأرواح والعقول. ويعني الأمن الروحي أن يشعر المواطن بالطمأنينة في عقيدته، وأن يجد في دينه مصدرًا للسكينة لا للقلق، ولا للتطرف أو الفرقة. ويتحقق هذا النوع من الأمن من خلال تأطير الخطاب الديني، وتعزيز دور التصوف السني، وضمان تعليم ديني متوازن يجمع بين العلم الشرعي والقيم الإنسانية الكونية. وقد جعل هذا النجاح المغربي في ترسيخ الأمن الروحي من المملكة نموذجًا يُحتذى به إقليميًا ودوليًا. ففي إفريقيا، تتوافد بعثات دينية من دول مثل السنغال ومالي وتشاد وغينيا ونيجيريا وساحل العاج للاستفادة من برامج التكوين بالمعاهد والمؤسسات الدينية المغربية. أما في أوروبا، فتتعاون دول كفرنسا وبلجيكا وإسبانيا مع المغرب في مجال تكوين الأئمة، بهدف إعداد أطر قادرة على خدمة الجاليات المسلمة في السياق الأوروبي، تجمع بين الانتماء الديني والالتزام بقيم المواطنة، وتسهم في التوعية الدينية للمغاربة المقيمين بالخارج، خاصة خلال شهر رمضان الكريم. كما أن المشاركة المغربية في المحافل الدولية لحوار الأديان، واستضافة المؤتمرات العالمية المعنية بمكافحة التطرف، تعكسان التزام المملكة الراسخ بالمساهمة في بناء عالم أكثر تسامحًا وسلامًا. وما يجعل هذا النموذج الحضاري مستدامًا وقابلًا للتطور هو قدرته الفريدة على الجمع بين الثبات والتجديد؛ فالثوابت الدينية واضحة، ومحميّة بقوة القانون وبركة التاريخ، في حين تتطور الوسائل والآليات باستمرار لمواجهة التحديات المتجددة. ومن هنا يتبيّن أن النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني ليس مجرد مقاربة إدارية فحسب، بل هو نتاج حضاري متكامل يجمع بين الأبعاد الروحية والمؤسساتية والاجتماعية والثقافية. ويقوم في جوهره على فكرة راقية مفادها أن الدين الإسلامي الوسطي منبع للخير، يجب صونه وتوجيهه بحكمة، وأن التراث الصوفي العميق ليس عبئًا من الماضي، بل ثروة للحاضر والمستقبل، وأن الوسطية والاعتدال لا يمثلان ضعفًا، بل قوة حقيقية، وأن التعايش الديني ليس تنازلًا عن الهوية، بل تعبيرًا أصيلًا عن نضجها وعمقها. وفي هذا الإطار، يواصل المغرب، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، نصره الله وأيّده، تقديم نموذجه الفريد إلى العالم؛ نموذج يبرهن بما لا يدع مجالًا للشك أن الإسلام دين سلام ووسطية، وأن التصوف مدرسة عريقة للمحبة والتسامح، وأن مؤسسة إمارة المؤمنين قادرة على تدبير الشأن الديني بحكمة وتوازن. فا في عالم يبحث بإلحاح عن حلول لمعضلات التطرف والانقسام، يقف المغرب شامخًا كمنارة للاعتدال، مقدّمًا تجربته العريقة هديةً نفيسة للإنسانية، تجربةً ترسّخ حقيقة سامية مفادها أن الإيمان الصادق يوحّد ولا يفرّق، يبني ولا يهدم، وينشر المحبة والسلام.