يعتبر موضوع الإفطار العلني، أو غير العلني، في رمضان، من القضايا التي أصبحت تستأثر ببعض الاهتمام، بمناسبة حلول شهر الصيام، وتتفاوت حدة الحديث، أو الجدل بالأحرى، بين الأطراف المتدخلة في هذا النقاش، الذي سرعان ما يتحول إلى خلاف اعتقادي، لا يخلو من تشنج وشدة. بصدد هذا النقاش الذي أصبح يتجدد كل عام، يمكن الإدلاء بالملاحظات التالية: أولا: مبدئيا يعتبر النقاش المجتمعي للقضايا أمرا حيويا، يعني وجود منسوب معين من الحياة الفكرية داخل المجتمع، على أن يتجه هذا النقاش إلى احتضان القضايا الرئيسة، التي تهم المصالح الحيوية للمواطنات والمواطنين، وتساهم في الرقي بمستوياتهم الفكرية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فما أكثر النقاشات، أو الصراعات بالأحرى، التي تبتعد عن هذا المنحى، وتغرق في هوامش وحواشٍ، لا تفيد إلا أصحابها المعنيين بما فيها، وما هي له. ثانيا: الصيام شعيرة تعبدية تهم المؤمنين بها، اقتناعا وإيمانا، إذ لا فائدة لصيام غير مؤسس على علم ويقين، ولا مصلحة للشرع في صوم الصائمين أو إفطار المفطرين، فهذا شأنهم الذي يهمهم وحدهم، ويفيدهم متى صح اعتقادهم. بهذا المعنى، لست أدري لماذا يصر بعض المفطرين في رمضان على الإعلان عن فطرهم ضدا على الصائمين، ولماذا، بالمقابل، يتضايق بعض الصائمين من إفطار المفطرين ويتعقبونهم أحيانا. يبدو الأمر أقرب إلى إثارة معارك غير ذات موضوع، فالطرفان معا يبتعدان عن آداب هذه الشعيرة، سلبا وإيجابا. ثالثا: إن ممارسة الشعائر التعبدية تتطلب حدا معقولا من العلم بموضوعها، وتتطلب مستوى مقدرا من الإيمان بها، وهذا دور العلماء والفقهاء الذي لا يقومون به على الوجه المطلوب، ويفضلون في كل عام تكرار نفس الكلام، بعيدا عن التحديات النظرية والفكرية التي يتم طرحها باستمرار. فإذا كان للصوم قيمته الشرعية بالنسبة للمؤمنين، فأين الصلاة، عمود الدين، التي لا يقيمها الكثير من الصائمين إلا في رمضان، وأين الزكاة التي تتعلق بحقوق الفقراء والمحتاجين، والتي تتم سرقتها منهم عيانا جهارا؟ إن الإسلام بداهة لا يقبل عبادة المقلدين، والذين لا يعرفون ما يفعلون، وإن الذي يصوم اعتقادا وعلما لا يهمه لو أفطر كل من في الأرض من الناس، لأنه يعرف طريقه جيدا، بالنسبة إليه على الأقل. من هنا يبدو أن (الفصل 222) من القانون الجنائي، والمتعلق بتجريم الإفطار العلني في رمضان، سيصبح متجاوزا مع تقدم بلادنا نحو الدمقرطة، بالمعنى الفعلي للكلمة، فالذي يصوم لأن الناس يصومون ويستفزه منظر المفطرين ليس بصائم حقيقة، كما الذي يفطر بغاية استفزاز الصائمين هو الآخر ليس بمفطر، كلاهما يفكر في أشياء أخرى غير علمية ولا اعتقادية، وكلاهما يدفع بالمجتمع إلى مغالق وهوامش لا تفيد، ويبتعد به عن قضاياه الرئيسة، التي ينتظر أن يتعاون بصددها كل المواطنات والمواطنين، بغض النظر عن ألوانهم واختياراتهم الفكرية والاعتقادية.