جاء في بلاغ المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية – الاثنين 23 فبراير 2026 – مطلوب من القوى التقدمية ألا تخطئ الخصم، الطبقي والسياسي، لأن ذلك يحرم عموم الجماهير من محاسبة الذين يستحقون المحاسبة، ويخدم «لعبة الغميضة المؤسساتية» التي يراد لهذا الشعب أن يروح ضحيتها، كلما دقت ساعة المحاسبة، والتغاضي عن التغول المالي والسياسي الذي طبع المرحلة ويسهل خروج المسؤولين عن تعطيل الإقلاع الشامل والنوعي من الباب الخلفي للديموقراطية عبر تفويت اللحظة الديموقراطية التي تمثلها الانتخابات القادمة للمساءلة والنقاش الحر لحصيلة الحكومة وأغلبيتها. والاتحاد الذي يؤمن أشد الإيمان بالبديل المجتمعي الديموقراطي، ويظل منفتحا على كل الدعوات التي تسري في اتجاه المستقبل، يوجه دعوة صادقة لكافة الطيف اليساري في أفق الانتخابات التشريعية القادمة من أجل العمل يدا في يد، لمواجهة أخطار التغول السياسي والمالي، فإن بلادنا أمست في أمس الحاجة إلى إرساء تحالف سياسي، حزبي، جماهيري، حداثي، تقدمي، قادر على تجسير الفجوة المتفاقمة بين الطبقة السياسية، الحزبية المنكفئة، والقوى الشعبية المتحفزة، من جهة أولى، وعلى تأمين التجاوب الفعال مع الحاجات الأساسية والترقبات المشروعة للشعب من جهة ثانية، وعلى استشراف أفق جديد، وابتكار مقاربات مستجدة، ومناهج مستحدثة للتأطير السياسي للمجتمع، وتعبئة قواه الحية، لمواصلة مسيرة التغيير والتحديث والتنمية من جهة ثالثة. إن التحالف الوطني الديموقراطي بات يتشكل اليوم من كل القوى النابعة من المجتمع، والتي تحمل مشروعا ديموقراطيا، وتناضل بالوسائل الديموقراطية لبلوغه، ولأن الأشياء تعرف بضدها، فإن الجبهة المعاكسة – جبهة التغول – تتشكل من القوى التي تقاوم إقامة النظام الديموقراطي، أو أنها تستعمل لتحقيق أهدافها وسائل غير ديموقراطية. إننا نضع هذا التصنيف ونحن نفكر في طبيعة هذه المرحلة، باعتبار أن الأهداف الممكنة في مرحلة تاريخية معينة، هي البوصلة التي نحدد بها مواقع اصطفاف كل القوى السياسية والمجتمعية. والغاية المحددة لطبيعة المرحلة الراهنة، هي في رأينا، التمكن من تثبيت نظام مؤسساتي ديموقراطي، بكل الخصائص المتعارف عليها دوليا. إن هذه الغاية التي يتوقف عليها تقدمنا التاريخي في مجموعه، تتقاسمها مجموعة من القوى السياسية والاجتماعية التي تروم أن تصبح الدولة الاجتماعية ذات معنى. اليسار فكر كوني وتموقع سياسي له تاريخ ومفكرون، وقادة، ورموز، وتجارب، ومرجعيات. اليسار هو نسق متكامل من القيم، وتطور واضح ومنسجم لمشروع مجتمع. اليسار في جوهره فكر التقدم والحداثة، وهو أداة وقاطرة التطور المستمر. اليسار مساند دائم للإبداع، والخلق، والعلم والعقل. اليسار طبعا، لا يرى سبيلا لتحقيق مشروعه المجتمعي إلا بالديموقراطية، وهو في نفس الوقت المدافع الدائم، والدرع الواقي لهذه الديموقراطية. وأن تكون يساريا هو أن تنتمي لهذا التيار البشري التاريخي للفكر الإنساني. أن تكون يساريا هو أن تؤمن وتتبنى قيم العقل، والحرية، والعدالة والتضامن، والانفتاح على الآخر، والتسامح. أن تكون يساريا هو أن تدافع عن مساواة البشر دون تمييز باسم اللون أو الجنس، أو المعتقدات أو الوضع الاجتماعي، أو الجنسية. أن تكون يساريا هو أن ترفض وتحارب كل خطاب أو ممارسة تدعو إلى الحقد أو التعصب، أو أي شكل من أشكال الاضطهاد والشمولية. وإن التنسيق الجاد والممكن هو أن تدرك القوى السياسية التقدمية واليسارية وحدة مصيرها وأهدافها الكبرى، وألا تخطئ في تقديرها لخصومها وأعدائها، وألا تخدمهم ضدا على أسرتها التقدمية اليسارية، وأن تنصرف إلى تأطير المجتمع باسم القيم اليسارية. إن التنسيق بين القوى السياسية التقدمية واليسارية هو أن تكون موحدة وجازمة في القضايا الكبرى والمعارك المصيرية ضد كل ما هو مناف لقيم اليسار ومبادئه. تنسيق اليسار هو تآزر فكري سياسي، عملي دائم ومستمر، حول الجوهر، ولا يمنع بل يشترط استمرار الحوار والجدال والنقد داخل أسرة اليسار. الاتحاد الاشتراكي قاطرة اليسار المغربي، ومن الخطأ الاعتقاد أن إضعافه يخدم الديموقراطية والتحديث، وهذه إحدى الخلاصات التي لن تبرح فصائل اليسار أن تقر بها على اعتبار أن خيارات التحديث والديموقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون حزب يساري من وزنه. إن حصيلة تطور الحقل السياسي المغربي، من وجهة تشكل العائلات السياسية، واستحضار النضالات والتضحيات والمعارك المجتمعية، تؤكد هذه الخلاصة بجلاء، وتفضي إلى تأكيد حقيقة مفادها أن الاتحاد الاشتراكي هو ملك لكل اليسار وليس ملك نفسه، وهو بذلك معني، من وجهة نظر التاريخ، ليس بمصيره الخاص فقط، بل بمصير العائلة اليسارية كلها والعائلة التحديثية بشكل عام، وعلى هذا الأساس ينظر إليه كرقم أساسي في أجندة البلاد، وعلى هذا الأساس ناضل ويناضل وعلى هذا الأساس جاء نداء تأسيس جبهة تقدمية معارضة للتغول سؤال طرحناه مرارا وتكرارا، ولن نمل من طرحه، سؤال لا بد أن يجيب عنه بعض الذين غادرونا، أي قيمة إضافية في إعادة تشكيل الخريطة السياسية، جاءت بها إطاراتهم؟ وإلى أي حد ساهموا في إضعاف الاتحاد الاشتراكي دون أن ينجحوا في المقابل في إنشاء أحزاب بديلة ذات شأن أو تقوية اليسار السبعيني، والأرقام المسجلة دليل على ذلك ولا ضرورة للتذكير بها. إن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يوقف التعامل والتفاعل والتنسيق في القضايا المشتركة. إن التنسيق المشترك بين القوى السياسية اليسارية هو ألا تخطئ في تقديرها لخصومها وأعدائها، وألا تخدمهم ضدا على أسرتها التقدمية اليسارية، وأن تنصرف إلى تأطير المجتمع باسم القيم الكونية الإنسانية. مرت تحت الجسور سيول، وبقي الاتحاد الاشتراكي وفيا للفكرة اليسارية، ظل على الإيمان المبدئي الأول المبني على الانتماء للإنسان، العاشق للحرية والديموقراطية والحداثة، المتمثل لها فعلا لا قولا وشعارا فقط.