هل رمضان عندنا شهر الصيام فعلًا أم شهر "التشغيل المكثّف" لآلة الصُّراخ؟ ولماذا تتحوّل الشّاشة فجأة إلى سباق 30 حلقة كأننا نوزّع حصص تموين لا حلقات دراميّة؟ من قال للكتّاب إن الحبكة تُطبخ على نار الإعلانات، وإن الحوار يكفيه "رشّة لهجة" ليصير مفهومًا؟ هل نضحك لأن المشهد مضحك... أم لأن أحدهم تعثّر، أو أعاد نكتة الْتقطها من الأسواق الشّعبية؟ والأغرب: هل صار الإبداع يُقاس بعَدّاد "الديسيبل" لا بعدّاد الدّهشة؟ لماذا تصوم الدراما عن الإبداع؟ في كل عام، ما إن يهلّ شهر رمضان حتى تتحوّل شاشاتنا إلى موائد مستعجلة، لا للصائمين، وإنما للإعلانات. فجأة نغدو أمة لا تعجز عن شيء... سوى كتابة حوار مفهوم، أو بناء حبكة تحترم ذكاء المشاهد، أو ابتكار شخصية لا تُشبه جارتها في المسلسل المجاور. ثلاثون يومًا فقط، ليست حربًا أهلية ولا مشروعًا نَوَويًا، ومع ذلك نعجز عن إنتاج دراما أو فكاهة تصمد حتى أذان العشاء. كأن كاميراتنا تعمل ببطارية "رضا الجميع"، والسيناريو تتمّ كتابتهُ على ظهر فاتورة إعلانات، والمُمثل يجرّ المشهد جرًّا كأنه يفتّش عن أقرب مخرج طوارئ. نسأل: أين العقدة؟ فيجيبوننا بحلقة إضافية. أين الصراع؟ فيمنحوننا صراخًا. أين الشخصية؟ فيهدوننا قناعًا من كرتون. أما الكوميديا فحدّث ولا حرج: نضحك لأن أحدهم سقط، أو لأن آخر صرخ بلهجة مصطنعة، أو لأن ثالثًا أعاد النكتة نفسها التي سمعناها منذ أن كان التلفاز بالأبيض والأسود. يُخيّل إليكَ أن كتّابَ السيناريو عندنا اجتمعوا سِرًا ووقّعوا ميثاقًا شرفيًا بعدم إزعاج الفكرة، وأن المخرجين قرروا إنقاذ الأمة من خطر الجَمَال البَصري، وأن المنتجين اكتشفوا أخيرًا أن الرّداءة أقلّ كُلفة من المغامرة. نحن لا نفتقر إلى المواهب، نفتقر إلى الجرأة. لا نعاني من قلّة القصص، وإنما من خوف الحكاية. المجتمع يغلي بأسئلة الهوية والسلطة والعدالة والذاكرة، لكننا نفضّل أن نروي قصة الحماة في موسمها الرابع عشر، وكأن التاريخ توقف عند باب المطبخ. كل شيء قابل للسخرية إلا أنفسنا؛ وكل شيء مباح إلا مساءلة البديهيات. وحين يجرؤ عملٌ ما على الاقتراب من الواقع، يُتهم بأنه "يثير الجدل" لا لأنه عملٌ جيّد، وإنما لأنه تذكّر أن الفن ليس نشرة أحوال جوّية. ربما المشكلة أعمق: نحن ننتج برامج كما ننتج الخبز الصّناعي؛ بسرعة، بكثرة، وبطعْم واحد. نخلط الدراما بالوعظ، والكوميديا بالتهريج، والنقد بالإساءة، ثم نتعجَّب لماذا لا يبقى في الذاكرة سوى إعلان مسحوق الغسيل. ثلاثون يومًا يا سادة، ثلاثون فرصة لقوْل شيء يليق بنا، لكننا نصرّ على أن يكون الشهر موسماً للضجيج لا للإبداع، وللإسفاف لا للمخاطرة، ولتدوير الوجوه نفسها حتى تتآكل الملامح. ومع ذلك، في مكان ما بين نصٍّ مُهْمل وممثّلٍ موْهوب، تكمن الإمكانية التي تنتظر كاتبًا يؤمن بأن المُشاهِد ليس قاصرًا، ومخرجًا يعرف أن الصُّورة فكرة، ومُنتجًا يفهمُ أن الجودة استثمار لا صُدفة؛ إلى أن يحدث ذلك، سنبقى نطرح السؤال نفسه بسخرية مُرّة: كيف لأمّة تُتقن الصيام شهرًا كاملًا عن الطعام، أن تعجز عن صيام ثلاثين يومًا فقط... عن الرداءة؟ الدراما بالديسيبل لقياس الصّراخ بدَل الفنّ ثم لنسأل أنفسنا ببراءةٍ: لماذا تُستعمل الكاميرا في رمضان مثل عداد ديسيبل؟ كلما ارتفع منسوبُ الصراخ قالوا "تصاعُد درامي"، وكلما تكررت النكتة صفقوا كأن الضحكة وُلدت هذا المساء؛ كأن الإبداع عندنا يُقاس بالديسيبل لا بالدهشة، وبعدد الحلقات لا بعُمق الأثر. ثلاثون حلقة تُصنع كما تُصنع قنينات الماء المعدني: قالبٌ جاهز، ملصق لاَمع، ومُحتوى بلا طعم. لدينا عقدةُ الزمن، نتوهّم أنّ المُشاهد إن لم يُرافقنا كلَّ ليلةٍ نسيَ اسمَ القناة كما ينسى رقمًا قديمًا. لذلك نُطيل الحكاية حتى تفقد ملامحها، ثم نستغرب لماذا تبدو بلا روح. وفي منتصف الطريق تضيع الحبكة من بين أيدينا، وتنهك الشخصيات حتى تدخل في سباتٍ درامي، فنهرع إلى ترقيعها بمشاهد حشْو، ولقطات مكررة كأننا ندور في الممرّ نفسه، وموسيقى نرفعها لتسدَّ ما لا يسدّه النص. ثم نغفل أبسط حقيقة: قدْ تكفي حلقة واحدة إذا كتبناها بصدق، وقد يكون الصَّمت أبلغ من ثلاث صفحات حوار مُرتجل لا يفعل شيئًا سوى ملء الوَقت. ولديْنا عُقْدة النّجومية، نبحثُ عن "الاسم اللاّمع" قبلَ أن نبحث عن النّص اللامع. نبني الأعمال على وجوهٍ مألوفة لا على أفكارٍ جريئة؛ فنحبس الممثل في صورته حتى يصير سجين "شخصيته الدائمة"، ونحبس الجمهور في توقّعاته حتّى يشاهد وهو يعرف النهاية قبل البداية. ثم نعود كل عام إلى اللّعبة نفسها: نوزّع الأدوار ذاتها على الأشخاص أنفسهم، ونطلب منهم الانفعالات نفسها، حتى نحفظ تعابيرهم كما نحفظ أذكار المساء. أمّا الوجوه الجديدة فتقف عند الباب في صفٍّ طويل، تنتظر فرصة قد تصل مُتأخرة... بعد أن يشيب الحُلم ويملّ الانتظار. ثم هناك الخوف... ذلك الضيف الدائم في غرفة الكتابة. نخافُ من السّياسة، فنكتب عن الطقس. نخاف من المجتمع، فنكتب عن النكتة السّهلة. نخاف من النقد، فنقدّم عملاً لا يستحق النقد أصلاً. نختار السلامة بدل المغامرة، والسطح بدل العُمق، والتلميح بدل المواجهة. كأن الفن عندنا موظف عمومي، يخشى التوبيخ أكثر مما يطمح إلى الإنجاز. والأدهى أن الرَّداءة تتكاثر لأنها مُربحة. الإعلانات لا تسأل عن جودة السيناريو، وإنما تسأل عن نسب المشاهدة. والمنصات لا تسأل عن القيمة الجمالية، تسأل بدل ذلك عن عدد المشاركات الساخرة. وهكذا ندخل حلقة مفرغة: ننتج عملاً ضعيفًا، يسخر منه الناس، ترتفع نسب المشاهدة، فنُنْتج نُسخة أضعف في العام الموالي، ونصفّق لأن "النجاح الجماهيري" تحقَّق، دون أن نسأل: أيّ جمهور؟ وأيّ نجاح؟ كوميديا الإهانة: حين يُستبدل الذكاء بالتهريج لعلّ المشكلة الأعمق أننا لا نؤمن بالكتابة بوصفها صنعة. نُعامل السيناريو بوصفه ملحقًا تقنيًا يُرفق في آخر الملف، لا قلبًا نابضًا يقود العمل. لا نُقيم ورشاتٍ حقيقية، ولا نُنشئ مختبراتٍ للسرد، ولا نمنح الفكرة زمنًا لتتخمّر وتتطوّر. نكتب لأن الموعد دقّ الباب بعُنف، لا لأن الفكرة نضجت واسْتوَت. وحين تغيبُ الصَّنعة يعلُو الارتجال: يتضخم الحوار ليملأ الفراغ بدل أن يصنعه، وتتحول الكوميديا إلى "لياقة لغوية" تستعرض قوّتها في الكلام... بينما تضعف في الفكر. ومع ذلك، نفاجأ كل عام حين يهرع الجمهور إلى أعمالٍ أجنبية، أو يعود طوعًا إلى كلاسيكياتٍ قديمة كأنها الملاذ الأخير. ثم نرتدي قناع العتب ونلوم "الذوق العام"، وكأن الذوق كائنٌ نزل علينا من السماء مكتملًا لا علاقة لنا بتشكيله. ننسى أن الذوق يتربّى كما يتربّى الطفل: بالتدرّج، وبالتجربة، وبالقُدوة. والمُشاهد لا يعادي الفنّ الجيّد؛ هو فقط يدفع ثمن خياراتٍ ضيّقة تضعُ أمامه طبقًا واحدًا كل ليلة... ثم تستنكرُ عليه إنْ طلب مَذاقًا آخر. ربما آن الأوان أن نعترف: لسنا عاجزين عن إنتاج دراما أو فكاهة في رمضان، وإنما عاجزون عن احترام الفنّ في رمضان. وإذا كان الشهر مدرسةً للصبر، فلنجربْ أن نصبر على كتابةٍ جيدة، وعلى حذف ما لا يلزم، وعلى رفض ما يُسيء. ثلاثون يومًا تكفي لولادة عملٍ واحدٍ صادق... لو تخلّينا قليلًا عن وهْم الامتلاء، واعترفنا أن الفراغ الذي يملأ شاشاتنا ليس قدرًا، بقدر ما هو اختيارٌ مريح نُسمّيه "مَوْسمًا"، ونُسوّقُه "نجاحًا"، ثم نَغضب حين يطالبنا المشاهد بشيءٍ يُشبه الفَنّ. متى نوقّع هُدْنة مع الرَّداءة؟ فمتى سنحسمُ الأمر ونتوقّف عن التعامل مع "الجودة" بوصفها زينة موسمية نعلّقها قبل الأذان وننزعُها بعد العيد؟ لماذا نُدير السّيناريو بعقلية ملفّ إداري نوقّعه في آخر لحظة، بدل أن نمنحه مكانته بوصفه جوهر العمل ومُحرّكه الأساس؟ ولماذا نرتعب من الفكرة ونفرّ منها، ونطارد "السلامة" ونرفعها إلى مقام الإنجاز؟ أليس عجيبًا أن أمّة تصبر ثلاثين يومًا على الجوع، ثم تعجز عن الصبر ثلاثين يومًا على كتابة مُحترمة؟ وأليس أعجب أننا نعرف أن الرداءة تُضحك الناس أحيانًا... ثم نمنحها لقب "نجاح جماهيري" ونصفّق لها بضمير مُرتاح؟ فهلْ سنظل نحتفل بارتفاع الضجيج ونسمّيه درَاما، أم نجرب مرة واحدة، مرة واحدة فقط، أن نخفضَ الصّوت... ونرفعَ المُسْتوى؟ لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.