أمة الزليج والقفطان في عصر الفضاء والذكاء الاصطناعي وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، صادفت بثًا مباشرًا قد يخيل إليك، من شدة الصراخ وحدّة النقاش، أن المتحاورين بصدد تفكيك استراتيجيات الخروج من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تثقل كاهل البلاد. غير أنك، بعد لحظات قليلة، تُفاجأ بحقيقة أقل ما يُقال عنها إنها صادمة: موضوع النقاش لا يتجاوز الزليج والقفطان؛ هل هما من إبداع المغاربة أم الجزائريين؟ في مغرب اليوم، تتشكل واحدة من أغرب المعارك الحضارية في عصرنا: جدل محتدم حول ملكية الزليج، وأسبقية القفطان. ساعات طويلة من النقاشات، مقالات، مداخلات إعلامية، وحملات على منصات التواصل... كل ذلك لحسم سؤال يُقدَّم وكأنه مصيري: هل هذا البلاط المزخرف جزء خالص من تراثنا؟ وهل هذا اللباس التقليدي يُمثّل حصريًا هويتنا الوطنية؟ في الوقت نفسه، في بقية العالم، ثمة أسئلة أخرى تُطرح: من يصنع أفضل الصواريخ؟ من يطوّر أسرع الحواسيب الفائقة؟ من يهيمن على تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي؟ من يطور الأسلحة المتقدمة لحماية البلاد والعباد؟ من يبتكر أدوية جديدة وتقنيات ثورية في الطاقة والاتصالات؟ هناك، تدور منافسة على مستوى الفضاء والبيانات والتقنيات الدقيقة؛ وهنا، نتجادل حول نقوش السيراميك وطول ذيل القفطان. المفارقة أن الزليج الذي نرفعه إلى مرتبة رمز سيادي، أغلب ما يُستعمل منه اليوم في البيوت المغربية مستورد من الخارج، يُنتَج في مصانع لا علاقة لها لا بجامعاتنا ولا بحرفيينا إلا من خلال شاحنات النقل والوضع على الجدران او أرضية الغرف والصالونات. والقفطان الذي نتعامل معه كخط دفاع أخير عن الهوية، تُصنَع أقمشته الحريرية والفاخرة في مصانع آسيوية وأوروبية، ثم يعود إلينا في شكل منتج نهائي نُضيف إليه لمسات خياطة تقليدية، ونقدّمه للعالم بوصفه برهاننا الأخير على أننا ما زلنا شيئًا مّا في هذه القرية الكونية. نحن نناقش الزليج والقفطان... وغيرنا يناقش سرعة الصاروخ، ودقة الطائرة المسيرة، وخوارزمية الذكاء الاصطناعي التالية. وراء هذا المشهد جانب أكثر خطورة وأقل طرافة: جامعاتنا، في جزء كبير منها، تعيش حالة إنهاك مؤسسي وبيداغوجي، تعاني من ضعف التمويل، وهجرة الأدمغة، وغياب ربط حقيقي بينها وبين الاقتصاد الوطني. مراكز البحث والتطوير في المغرب لا تزال محدودة العدد والأثر، وغالبًا ما تشتغل بإمكانيات ضئيلة، ومشاريع ظرفية، ودون رؤية استراتيجية تجعلها رافعة حقيقية للتنمية. أما براءات الاختراع المغربية، فعددها متواضع مقارنة بحجم التحديات وحجم الطموحات التي نرفعها في خطابنا الرسمي، بينما تقاس قوة الدول اليوم بقدرتها على إنتاج المعرفة وترجمتها إلى براءات، وصناعات، وشركات، وأسواق. مع ذلك، نبدو أكثر حماسًا عندما يتعلق الأمر بالزليج والقفطان والطاجين. نتحلق حولهما كما لو أنهما آخر ما تبقّى لنا من دليل على أننا مررنا يومًا من هنا. نتصرف كمن فقد كل شيء، وبقي له مفتاح قديم، فراح يقنع العالم بأن المفتاح في حد ذاته حضارة مكتملة. هذا لا يعني أن الزليج والقفطان بلا قيمة؛ بالعكس، هما جزء جميل من ذاكرتنا الجماعية، ومن رصيدنا الجمالي والرمزي. لكن مشكلتنا تبدأ حين نرفعهما فوق ما ينبغي، ونستبدل بهما أسئلة من نوع: أين هي صناعتنا التكنولوجية؟ ما وضعنا في سباق الذكاء الاصطناعي؟ كم عدد براءات اختراعنا؟ وما موقع جامعاتنا في خرائط البحث العالمي؟ من السهل أن نعلن في بث مباشر: "الزليج مغربي 100%" و"القفطان ملك لنا لا ينازعنا فيه أحد". الأصعب أن نجيب على أسئلة أبسط وأقسى: هل نصنع نحن الآلات التي تُنتج هذا الزليج؟ هل نملك المصانع التي تطوّر الأقمشة والألياف والمواد المتقدمة؟ هل تتغذى هذه الصناعات على بحوث من جامعات مغربية، أم على تكنولوجيات مُستوردة نكتفي باستهلاكها وتزيينها؟ هناك شيء من السخرية السوداء في أن نرى العالم يخطط لمهمات جديدة إلى القمر والمريخ، ونحن منشغلون في معركة هاشتاغ حول أصالة القفطان. هم يختلفون حول سرعة الاتصال بالإنترنت الكمي، ونحن نختلف حول الزليج. هم يتنافسون على أسلحة الردع، ونحن نتنافس على ألوان البلاط. كل النساء المغربيات يلبسن القفطان و"التكشيطة"، وكل المغاربة يأكلون الطاجين ويزينون بيوتهم بالزليج، ولا أحد طلب أن نكفّ عن حبّ تراثنا أو الاعتزاز به؛ ولكن يجب أن نضعه في مكانه الطبيعي: جزء من الهوية، لا بديلًا عن المشروع. يجب أن ننتقل من الدفاع عن زليج الماضي إلى ابتكار تكنولوجيا المستقبل، من الهوس بأصالة القفطان إلى الهوس بجودة التعليم، وقوة الجامعات، وحيوية مراكز البحث، وعدد براءات الاختراع التي تخرج من مختبراتنا. في نهاية المطاف، قد ننجح فعلًا في إقناع أنفسنا والعالم بأن الزليج مغربي خالص، وأن القفطان لا ينازعنا فيه أحد. لكن العالم، المنهمك في السباق نحو التفوق التكنولوجي والعلمي، لن يتوقف طويلًا عند هذه التفاصيل. سيترك لنا جدرانًا جميلة نزيّنها كما نشاء، بينما يواصل هو كتابة فصول التاريخ الجديد في المختبرات، ومعاهد الذكاء الاصطناعي، وقاعات التحكم في الأقمار الصناعية. عندها، سيكون علينا أن نواجه السؤال الذي لا يجيب عنه أي نقاش حول النقوش والأثواب: ما جدوى زليجٍ جميلٍ على جدارٍ يطل على عالمٍ صنعه غيرنا؟ وما فائدة قفطانٍ أنيقٍ، إذا كنا نرتديه ونحن نتفرج على قطار المستقبل يمرّ من أمامنا... دون أن نكون على متنه؟ -أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة