من جزيرة حيّ بن يقضان إلى شبكة العالم كلما انجذب القلب إلى سؤال العلة، وانفتح العقل على أفق المعرفة، تعود الذاكرة إلى نصّ حي بن يقظان للفيلسوف والمفكر الأندلسي أحمد بن طفيل، باعتباره مختبرا سرديا استشكاليا للوجود، تتقاطع فيه التجربة الإنسانية مع أعمق أسئلة الإدراك. ففي عزلة جزيرة مهجورة نائية ينمو الكائن الإنساني خارج اللغة الموروثة، خارج الجماعة، ليختبر إمكانات العقل وحده، وقدرته على اقتحام حجب العالم. هذا النص الفانتاستيكي لم يكتف بإثارة سؤال: كيف نعرف؟ بل دفعه إلى تخومه القصوى: ما الذي يؤسس المعرفة في أصلها؟ أهي الحواس، أم العقل، أم حدس يتجاوزهما معا؟ وهل يظل الإنسان قادرا على بناء عالمه المعرفي انطلاقا من فطرته، أم أن المعرفة قدرٌ اجتماعي لا يكتمل إلا بالآخرين؟ في هذا الأفق، تتجاور مسارات فكرية كبرى، من ابن سينا إلى أبو بكر الرازي، ومن شهاب الدين السهروردي إلى ابن طفيل نفسه. جميعهم سعوا إلى استكشاف العلاقة بين العقل الإنساني والعقل الكلي، بين المحدود والمطلق، بين الأرضي والعلوي. في هذا المسار، يتدرج الوعي من المحسوس إلى المعقول، ومن المعقول إلى إشراقٍ يكاد يلامس ما يسميه المتصوفة "عين اليقين". يقول ابن سينا إن النفس "تعلم ذاتها بذاتها"، في إشارة إلى قدرة داخلية على إدراك الحقيقة دون وسيط خارجي. ويذهب شهاب الدين السهروردي إلى أن المعرفة نورٌ، وأن الإدراك ليس سوى انكشافٍ تدريجي لذلك النور في مراتب الوجود. أما أبو حامد الغزالي، فيجعل من التجربة الباطنية مسارا يتجاوز حدود البرهان، حين يكتب: "ليس الخبر كالمعاينة". وبين هذه الرؤى، يتشكل سؤال مركزي: هل المعرفة بناءٌ عقلي صرف، أم تجربة وجودية يعيشها الإنسان بكليته؟ إن ما يفتحه نص ابن طفيل لا ينتمي إلى زمنه وحده، بل يتسلل إلى راهننا بأسئلة أكثر إلحاحاً: كيف نفكر في عصر تُنتج فيه الخوارزميات معارف جاهزة؟ وهل ما نستهلكه من معلومات يقودنا إلى الحكمة، أم يراكم وهماً بالمعرفة؟ وهل ما يزال بإمكان الإنسان أن يخلو إلى ذاته ليعيد اكتشاف العالم، كما فعل "حي"، أم أن الضجيج الرقمي صار بديلاً عن التأمل؟ لقد نبه رينيه ديكارت إلى أن الشك هو بداية اليقين، غير أن زمننا يكاد يعكس المعادلة: يقين سريع بلا شك، ومعرفة فورية بلا مسار. بينما يذكّر مارتن هايدغر بأن "السؤال هو تقوى الفكر"، وكأن التفكير الحق يبدأ حين نتريث أمام المجهول، لا حين نغلقه بإجابات جاهزة. أما في الأفق الصوفي، فإن جلال الدين الرومي يرى أن "ما تبحث عنه يبحث عنك"، في إشارة إلى علاقة جدلية بين العارف والمعروف، حيث تتحول المعرفة إلى رحلة وجود، لا مجرد تحصيل. وفي ضوء ذلك، تغدو سردية "حي بن يقظان" مرآة مزدوجة، تعكس إمكانات الإنسان في بلوغ المعرفة، وتكشف في الآن نفسه هشاشة يقيناته. فهي تطرح من داخل سرديتها، سؤالا لم يفقد راهنيته، يتوجه بالاستفهام عن ماهية المعرفة هل هي طريقٌ إلى الحرية، أم عبءٌ يضاعف اغتراب الإنسان في عالم يتسارع بلا معنى؟ إن القراءة المتجددة لهذا النص تفتح أفقا للتفكير في علاقة الإنسان بزمنه: كيف يتغير الوعي حين تتغير وسائط الإدراك؟ وكيف يعاد تشكيل الحقيقة في عالم تتداخل فيه الحدود بين الواقع والتمثيل؟ يظل نص ابن طفيل مشتعلا في عمق الأسئلة، لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يوقظ فينا ذلك القلق المعرفي الخلاق، الذي يجعل من الإنسان كائناً يسأل... لأن السؤال في جوهره، هو أول أشكال الحرية.