شهد مقر بنك المغرب بالدار البيضاء إطلاق الإستراتيجية الوطنية لتمويل سلاسل التوريد، في خطوة وُصفت بأنها "محطة جديدة لتعزيز ولوج المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، إلى التمويل وتحسين تدبير السيولة داخل سلاسل القيمة". ويأتي هذا المشروع ثمرة تعاون بين وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب والمؤسسة المالية الدولية، في سياق يتسم بتزايد الحاجة إلى حلول تمويل مبتكرة تدعم دينامية الاقتصاد الوطني. وأكد عبد الرحيم بوعزة، المدير العام لبنك المغرب، أن هذه الإستراتيجية تمثل لبنة إضافية في مسار تحديث النسيج الإنتاجي الوطني وتعزيز قدرته التنافسية، مبرزًا أن تمويل سلاسل التوريد يتيح آليات مبتكرة لتحسين إدارة العلاقات التجارية وتقييم المخاطر وتقليص آجال الأداء، وموضحًا أن هذه المنصة الرقمية ستربط بين الموردين والزبائن والبنوك، ما سيساهم في تحسين تدبير السيولة ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة بحلول أكثر مرونة تتلاءم مع احتياجاتها. وأشار بوعزة إلى أن هذه المبادرة تأتي في سياق الإصلاحات المالية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، ومنها تطوير الفاتورة الإلكترونية والدفع الرقمي والسجل الوطني للضمانات المنقولة، معتبرًا أن نشر تمويل سلاسل التوريد سيتم بشكل تدريجي عبر نموذج تشغيلي واضح ومنصة مخصصة، إلى جانب برامج لتقوية قدرات مختلف المتدخلين. حل لمشكل آجال الأداء من جهته شدد بشير محمد طارق، مدير الخزينة والمالية الخارجية بوزارة الاقتصاد والمالية، على أن تمويل سلاسل التوريد يشكل رافعة إستراتيجية لتعزيز صمود المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وليس مجرد آلية تقنية، مبرزًا أن هذه الفئة من المقاولات تحتاج إلى حلول تمكنها من التحكم في رأس المال العامل وتجاوز إشكالية تأخر الأداء، التي مازالت تمثل عائقًا هيكليًا يؤثر على قدرتها على الاستثمار والنمو. وأضاف المسؤول ذاته أن الإستراتيجية ترتكز على ثلاث دعائم أساسية، تشمل توسيع العرض الحالي لتمويل سلاسل التوريد، وتطوير حلول رقمية مبتكرة ملائمة للسوق المغربية، إضافة إلى إدماج المعاملات الدولية والتمويل التشاركي لبناء منظومة شاملة مرتبطة بالديناميكيات التجارية الإقليمية والعالمية، وأكد أن نجاح هذه المبادرة سيعتمد على جودة التنسيق بين مختلف المتدخلين وقوة الحكامة والالتزام الجماعي بتنفيذها. سوق محتملة ب80 مليارًا بدوره أبرز نوار رياض، مسؤول خدمات الاستشارة لمجموعة المؤسسات المالية شمال وغرب ووسط إفريقيا لدى الشركة المالية الدولية IFC، أن المقاولات الصغرى والمتوسطة تمثل أكثر من 99 في المائة من النسيج المقاولاتي بالمغرب وتوفر 72 في المائة من فرص العمل الرسمية، لكنها تواجه قيودًا مرتبطة بولوج التمويل وضغوط السيولة، موردا أن تمويل سلاسل التوريد يتيح تعبئة سريعة للسيولة وتمويل المخزون والطلبيات، ما يحسن التدفقات المالية على طول سلاسل القيمة ويعزز القدرة التنافسية. وأشار رياض إلى أن إمكانات هذا النوع من التمويل في المغرب تظل كبيرة، حيث يتجاوز حجم سوقه المحتمل 80 مليار درهم، بينما مازالت الاستفادة الفعلية محدودة مقارنة بالممارسات الدولية، واعتبر أن الإستراتيجية الجديدة ستسهم في إطلاق تحول هيكلي يمكن المقاولات من مواجهة التقلبات الجيوسياسية والاضطرابات اللوجستية، ويعزز مرونة الاقتصاد الوطني في بيئة عالمية متغيرة. ويُرتقب أن يشكل هذا الإطلاق نقطة انطلاق نحو منظومة مالية أكثر شمولًا، قادرة على دعم سلاسل القيمة الوطنية، وتحرير إمكانات التمويل لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بما يعزز النمو الاقتصادي ويقوي تنافسية المغرب على الصعيدين الإقليمي والدولي. تمويل رأس المال العامل أكد كل من زكرياء ناشيد، رئيس مصلحة بمديرية الخزينة والمالية الخارجية لدى وزارة الاقتصاد والمالية، وهشام شمانتي هواري، مسؤول مشروع الإستراتيجية الوطنية لتمويل سلاسل التوريد لدى مديرية الرقابة البنكية ببنك المغرب، خلال استعراض تفاصيل الإستراتيجية المذكورة، أن إطلاقها يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتحسين سيولة سلاسل القيمة داخل الاقتصاد الوطني. وأوضح المسؤولان أن هذه المبادرة، التي أطلقت اليوم بالدار البيضاء، تندرج ضمن خارطة طريق طموحة تروم تطوير أدوات تمويل مبتكرة وتقليص آجال الأداء التي تثقل كاهل المقاولات. وأشار المتحدثان إلى أن تمويل سلاسل الإمداد يقوم على مجموعة من الحلول المالية المصممة لتحسين تدفق السيولة داخل سلاسل القيمة، من خلال أدوات متنوعة تشمل خصم الفواتير، والعقد العكسي، والعقد التقليدي، والتمويل الفوري، وتمويل الموزعين، إضافة إلى التمويل قبل الشحن والقروض على المخزون، وأبرزا أن هذه الآليات تمكن الموردين والمشترين من الولوج إلى التمويل اعتمادًا على العلاقات التجارية بدل الاقتصار على الضمانات التقليدية. وفي هذا السياق أوضح ناشيد وشمانتي هواري أن الإستراتيجية الجديدة تأتي في إطار دينامية إصلاح أوسع يشهدها القطاع المالي الوطني، تشمل تطوير الإطار القانوني للضمانات المنقولة، وتعزيز الإدماج المالي، وتحديث البنيات التحتية للأداء، ودعم الابتكار في التكنولوجيا المالية، فضلًا عن التوجه نحو تمويل المناخ وتطوير سوق الرساميل في أفق 2030، وأضافا أن هذه الإصلاحات المتكاملة توفر أرضية مناسبة لتسريع نشر حلول تمويل سلاسل التوريد. وأكد المسؤولان أن الإستراتيجية ترتكز على ثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل في تسهيل ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى تمويل رأس المال العامل بشروط تنافسية، والحد من تأثير تأخر الأداء على سيولة الموردين، وتعزيز رقمنة سلاسل القيمة، وأوضحا أن إعداد هذه الإستراتيجية تم وفق منهجية من مرحلتين، هما مرحلة تشخيص همت تحليل العرض الحالي وتحديد الإكراهات، ومرحلة صياغة الرؤية وتحديد ركائز التدخل والأولويات بشكل تشاركي مع مختلف الفاعلين. منصة تكنولوجية لدعم التمويل أشار ناشيد وشمانتي هواري إلى أن بنية الإستراتيجية تقوم على ثلاث ركائز زمنية تدريجية، تبدأ بتعزيز الحلول المتوفرة حاليًا في السوق، ثم توسيعها تدريجيًا لتشمل أدوات أكثر تنوعًا، مثل تمويل أوامر الشراء وتمويل المخزون، وصولًا إلى توسيع نطاقها نحو المعاملات الدولية والتمويل التشاركي على المدى الطويل. كما تتضمن الإستراتيجية خمسة روافد عرضية تشمل التحسيس وبناء القدرات، وتطوير البيئة التنظيمية، وتقاسم المخاطر، وتعزيز البنية التكنولوجية، وتعبئة الفاعلين العموميين. وفي ما يتعلق بالبنية التحتية الرقمية أبرز المسؤولان أن الإستراتيجية تدرس خمسة سيناريوهات لإحداث منصة تكنولوجية وطنية تدعم حلول تمويل سلاسل التوريد، تتراوح بين منصات مستقلة للمؤسسات المالية ومنصة وطنية موحدة، مع إمكانية اعتماد نماذج شراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يضمن اختيار الحل الأنسب لخصوصيات السوق المغربية. كما أوضح المتحدثان أن تنفيذ الإستراتيجية سيعتمد على إطار حكامة بثلاثة مستويات، يشمل لجنة قيادة مشتركة بين بنك المغرب ووزارة الاقتصاد والمالية، وخلية لتدبير البرنامج، ومجموعات عمل موضوعاتية تتكفل بالجوانب التقنية، وأضافا أن مرحلة التنفيذ ستنطلق فورًا، مع التركيز على إرساء آليات المتابعة وتقييم الأثر لضمان تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في تحسين ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل وتعزيز متانة سلاسل التوريد الوطنية.