ينبغي أن ننوه بالخطوة التي أقدم عليها وزير الداخلية حين قدم لنواب الأمة معطيات مفصلة عن حجم التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش)، فتوفير هذه المعطيات التي وفرتها المصالح الاستخباراتية المغربية عن عدد المغاربة الذين يقاتلون إلى جانب هذا التنظيم، ومستوياتهم القيادية، ونسبة الذين لقوا حتفهم منهم، والذين تم اعتقالهم، والتعبيرات التهديدية الموثقة الصادرة عنهم، وقدراتهم على تنفيذ تهديداتهم ضد المغرب، وضد الشخصيات العمومية المغربية والمؤسسات التي وضعوها في خانة الاستهدافات. لاشك أن هذه المعطيات التفصيلية تساعد على تعبئة الداخل المغربي بجميع مكوناته، وتطمئن المجتمع وتبعث الثقة في يقظة المصالح الأمنية التي تقوم بواجبها في حماية الأمن الوطني وتحصين البلاد من أي خطر يتهدد شخصياته ومؤسساته، كما تعطي صورة عن تقدم الديمقراطية المغربية التي خطت فيها الأجهزة الأمنية خطوة جد متقدمة في التواصل مع نواب الأمة ومع الشعب من خلالهم، لتنبيههم إلى واجبهم في حماية البلاد. لكن، هذه الجهود المقدرة لا ينبغي أن ترسخ القناعة بأن مواجهة التهديد الإرهابي يتم فقط من خلال المقاربة الأمنية، فالجهود الأمنية والمجهود الاستباقي الذي تقوم به الأجهزة الأمنية لا يمكن أن يغطي على بقية الأدوار الأخرى الواجبة والتي من شأنها أن تكمل المقاربة الأمنية وتعززها، إذ لا بديل عن زيادة منسوب التأطير الديني، وتشجيع الفكر الوسطي المعتدل، وتعزيز النموذج الديمقراطي والتقدم خطوات أخرى في المسار الحقوقي. لا ندري بالضبط إن كان جمع وزير الداخلية السيد محمد حصاد بين تقديم هذه المعطيات المهمة وبين انتقاد بعض الجمعيات الحقوقية موفقا، فانتقاد هذه الجمعيات – حتى ولو كان لوزارة الداخلية ما يبرره من مستندات- إلا أن السياق الذي أدرج فيه يخلق قدرا كبيرا من التشويش على نوع المقاربة التي سيتم اعتمادها لمواجهة هذا الخطر، وما إذا كان ذلك سيتم في إطار القانون وباحترام لحقوق الإنسان لاسيما وأن الطريقة التي دبر بها المغرب أحداث 16 ماي كان فيها كثير من الانتهاكات الحقوقية التي أقرت الدولة رسميا بوقوعها. ينبغي أن نفصل تماما بين الملفين حتى نتجنب أي تشويش يضر بمصالح المغرب وصورته في الخارج، فمواجهة الإرهاب مهما كان حجم التهديد الذي يمثله في حق مؤسسات الدولة وشخصياتها العمومية، ينبغي أن يتم في إطار القانون وباحترام تام لحقوق الإنسان، والخطأ وارد هنا، والأجهزة الأمنية ليست معصومة منه تماما كما يقع الخطأ في كل ابلدان بما في ذلك الديمقراطية منها، ووجود الجسم الحقوقي مهم، لأنه يساعد الدولة على الوفاء بالشرعية القانونية وباحترام التزاماتها الحقوقية، أما قضية الانفلاتات التي تقع داخل بعض المكونات فذلك ملف آخر مختلف، إذ تعالج هذه الانفلاتات في حالة ثبوتها في إطار القانون، ولا أحد يملك سلطة تجعله فوق القانون والمساءلة، بما في ذلك الجمعيات الحقوقية. لقد راكم المغرب تجربة مهمة في مكافحة الإرهاب، واكتسب خبرة كبيرة في الموضوع، سواء من جهة الكفاءة الأمنية أو إدماج التأطير الديني ونشر الفكر الوسطي المعتدل كمعامل في المقاربة، أو الإصرار على تبني الخيار الديمقراطي وتعزيز المكتسبات الديمقراطية، وفي نفس الوقت ارتكب أخطاء لا زال إلى اليوم يدفع فاتورتها من مصالحه الحيوية وصورته الحقوقية في الخارج، فالمطلوب اليوم، أن يدعم المغرب نقاط قوته ويعززها، ويتجنب السقوط في الخطأ القاتل المتمثل في الإخلال بتوازن معادلة حماية الأمن والحفاظ على حقوق الإنسان. نحتاج أن نرفع من مستوى اليقظة والتعبئة الداخلية، وأن نحفز الجاهزية المجتمعية لتكون في مستوى التكامل مع عمل الأجهزة الأمنية، ونحتاج ايضا أن نحرك دينامية كل المعاملات الإيجابية التي اشتغلت في الاستراتيجية المندمجة لمكافحة الإرهاب، لكن في المقابل، لا نريد أن نكرر أعطاب مقاربة 16 ماي، ولا نريد أن يزداد رهان خصوم المغرب على الورقة الحقوقية.