"النظافة" كلمة نظيفة ظريفة.. تتسم بالصفاء والنقاء.. لسان نظيف.. عفيف.. بيئة نظيفة.. نقية.. قلب نظيف.. لطيف.. على النقيض بيئة متسخة حتما ستعكس مفارقات ومعضلات الإنسان الذي يعيش في هذه البيئة.. الإنسان ابن بيئته.. "بوزبال" انتشرت هذه الكلمة في ثقافتنا كالنار في الهشيم، وهي تنتصِب في الانفعالات والملاسنات.. وحظيت في مواقع التواصل الاجتماعي بالكثير من الإعجاب والجيمات.. أصبح "بوزبال" أيقونة لها روموزها وصورها الثابتة والمتحركة.. - لماذا؟؟؟ لأننا نعيش زمن الرداءة.. وأكبر رداءة أن نصنع من "بوزبال "بطلا" لا يشق له غبار، ولم نفكر في نفض الغبار عن مناضلات ومناضلين، كرسوا حياتهم من أجل نظافة المجتمع يُواصلون الليل بالنهار.. يُعرضون صحتهم وحياتهم للأخطار.. ويتقاضون رواتب تسحقها متطلبات الحياة ولهيب الأسعار.. إنهم عمال وعاملات النظافة.. الأبطال.. - فماهي تمثلاتنا لعمال النظافة؟ - هل نعي حقا أهمية دورهم في حياتنا؟ - ماهي ظروف عملهم وماهي المخاطر التي تهدد صحتهم وحياتهم؟ في اليابان من قلة الأدب والاحترام مناداة "نجوم النظافة" بعمال النظافة، فبالأحرى أن تنادي عليه كما هو الحال عندنا في المغرب "الزبال" "الزبالة جمع الزبال" "مول الزبل"، أما اليابانيون ونظرا لوعيهم العميق لوظيفة صناع النظافة في صحة وسلامة البيئة الحياتية يسمونهم "مهندسو الصحة والنظافة"، إضافة إلى امتلاكهم كل شروط الحياة الكريمة من راتب محترم و سكن محترم ونظرة اجتماعية جد محترمة، ناهيك أن اليابانيين يتعلمون في مدارسهم وهم صغار كيف ينظمون نفاياتهم ويفرزون موادها وتفريغها من السوائل قبل وضعها في الأكياس لكونها تسبب الرائحة الكريهة ويخصصون يوما معينا لنفايات معينة كالنفايات الورقية وخلاصة القول إن النظام أساس الحياة في اليابان. قد يقول قائل لامجال للمقارنة بين المغرب واليابان، وهذا كلام فارغ من المعنى وتكرار لمقولات العجز والإحباط، أما التفكير المؤسس على مقتضيات العقل فيدفعنا إلى استلهام واستيراد التجارب الكونية المشرقة، خصوصا أن المغرب يزخر بالكفاءات من الموارد البشرية فقط يجب استثمارها وتأهيلها وتحفيزها وتقديرها. إذا كان صناع النظافة في اليابان يحظون بكل شروط الحياة الكريمة، فإن نظراءهم في المغرب على النقيض من ذلك يعيشون ظروفا قاسية بدءا من طريقة الحصول على منصب في قطاع النظافة إما بالرشوة أو الزبونية زد على ذلك هزالة الراتب مما يجعل معظمهم يقصدون مؤسسات القروض التي تجهز على رواتبهم تباعا وما يترتب على هذا من أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية، وهو وضع سيستمر في إطار التدبير المفوض مع الشركات الأجنبية التي استبشر بها الكثير من عمال النظافة في البداية، ظنا منهم أنها ستعاملهم بمقاييس أوربية، لكن دار لقمان ظلت على حالها، وتفاقمت معاناة عمال النظافة، سيما وأن النفايات المغربية تكاثرت مع الانفجار الديمغرافي وما رافقه من غياب ثقافة تدبير المواطن لفضلاته والتخلص منها بطريقة عشوائية في أوقات غير مضبوطة ولا منظمة،نفايات شهيرة بروائحها الكريهة سوائلها العفنة وزجاجها المكسور، وهو ما يتسبب في جروح متفاوتة الخطورة والأمراض المعدية لأصحاب "مهنة المتاعب"، وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بجمع نفايات المستشفيات والمراكز الصحية ومخلفات المرضى من حقن وضمادات مستعملة وأدوية منتهية الصلاحية ومواد كيماوية، مع عدم التزويد المنتظم للعمال بالقفازات والملابس الواقية من الإصابة بالتلوث، وعدم توفر مقر العمل على رشاشات ومواد منظفة لاستحمام عمال النظافة بعد الانتهاء من العمل. أمام هذه الظروف المأساوية تخوض شغيلة النظافة إضرابات متتالية، وهو ما أغرق المدن المغربية في مدن أخرى من النفايات، بمشاهدها البشعة تسبقها روائحها النتنة، وهذا ما جعلنا نستيقظ من سباتنا العميق، لنعترف سرا وعلانية بأهمية "نجوم النظافة" الذين يستحقون منا كل شكر وثناء واحترام وتقدير، واهتمام الدولة بهم وبأسرهم، كيف لا وهم "يميطون أذانا" وقماماتنا، و"إماطة الأذى عن الطريق صدقة" كما أخبرنا الرسول الأكرم عليه السلام الذي قال"النظافة من الإيمان". يجب تكريم "نجوم النظافة" وانخراط الجميع في التعريف بأهمية أدوارهم من إعلام ومؤسسة تعليمية ومسجد وندوات، بل إنهم يستحقون أوسمة ملكية والتفاتة ، وهنا أستحضر "نماذج بعض نساء مدينة شفشاون" اللواتي قاربن الستين من العمر ومازالن ينظفن أحياء المدينة، والجميل أن نجد نساء مسنات مثلهن مازلن يعملن في خريف عمرهن بكل همة ونشاط حفاظا على نظافة المدينة في وقت يملأ الشباب المقاهي أو يتسكعون بلا وجهة. أتمنى أن يُخصص يوم وطنى للاحتفاء بنجوم النظافة المغاربة، واستضافتهم في وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، إجلالا لدورهم الاجتماعي والبيئي والحضاري، وإنصافهم ماديا ومعنويا.