بالصور و الفيديو: أعمال شغب في بروكسل بعد خسارة بلجيكا أمام المغرب    احتفالات وأهازيج للجماهير المغربية بالرباط بعد انتصار "أسود الأطلس" على "الشياطين الحمر"-فيديو    الركراكي يكشف أسباب غياب بونو عن مواجهة بلجيكا    حمد الله والنصيري يشكران الجمهور المغربي    بونو ل "المنتخب": لا تقلقوا أنا بخير    تسجيل101 إصابة جديدة بفيروس "كورونا" مقابل تعافي 124 شخصا وذلك خلال ال24 ساعة الماضية    زياش: كنستاهلو الرباح وكنهديه لمغاربة اللي تورخوها بتشجيعاتهم لنا فالتيران    لماذا سجد لاعبو المنتخب المغربي بعد تسجيل الهدف؟    أنباء عن تراجع كبير لأسعار النفط بعد قرار أمريكي مفاجئ.    ‪"أساتذة التعاقد" يجتازون مباريات التوظيف.. وأكاديميات التعليم تنفي "المقاطعة‬    الناظوري المحمدي يتألق و يعادل رقم بادو الزاكي التاريخي    تفاصيل خنق شاب وإحراق جثته بأكادير‬    تلفزيون الصين يحذف لقطات من المونديال تُظهر مشجّعين دون كمامات    المغرب يسجل 101 إصابة جديدة ب"كورونا" دون وفيات    دعوات لحماية الناشئة المغربية من مخططات التطبيع وجعل النوادي التربوية فضاء لدعم فلسطين    عاجل.. فوز تاريخي للمنتخب المغربي على بلجيكا بكأس العالم    شوارع الرباط شبه فارغة وأجواء حماسية بالمقاهي قبيل انطلاق مباراة المغرب وبلجيكا    مهرجان الشعر بالمضيق يحتفي بمحمد بنطلحة    الفريق الاشتراكي يسائل وزير التربية الوطنية حول تأهيل الموارد البشرية لتدريس اللغة الأمازيغية    في المؤتمر ال 26 للأممية الاشتراكية بإسبانيا.. اشتراكيو العالم يكرمون الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر    موقع محمد زيان.. يكذب على المحامين ويحتال على ملفهم المطلبي    فن اللغا والسجية .. مشى اغزالي/ الفنون جنون/ مكانسة الزيتون (فيديو)    لفتيت يكشف خطة الداخلية لمحاربة ظاهرة الكلاب الضالة    خبير تركي يتهم أمريكا بتخريب أنابيب الغاز بين روسيا وأوروبا    تفاصيل لقاءات بين الطالبي مع وفود برلمانية آسيوية لي نوهات بتدبير الملك لأزمة كوفيد (تصاور)    التهجير الى الخارج مقابل 60 ألف درهم.. تفكيك شبكة للنصب تنشط بالناظور    رسالة من الملك محمد السادس إلى رئيس جمهورية النيجر    هذه القائمة الجديدة للأدوية المعفاة من الضريبة على القيمة المضافة    أنظار المجتمع الدولي المهتم بالتراث الحي تتجه إلى العاصمة الرباط    كلية الناظور... الطالبة الباحثة نعمة بوتخريط تنال شهادة الدكتوراه في القانون    تأهب أمني كبير فبلجيكا على قبل ماتش الأسود ضد الشياطين الحمر فالمونديال.. احتياطات مشددة ونشرة للمحلات تفاديا لتكرار سيناريو 2017    مكتب الفوسفاط يطلق أول مشروع لزراعة الكربون في البرازيل    شركة "يوروبا" للنفط والغاز تتخلى عن رخصة إنزكان البحرية بعد فشلها في إيجاد شريك لحفر بئر استشكافية    البرلمان العربي يبحث بالقاهرة تطورات الأوضاع فى عدد من الدول العربية    "أطاك" تنتقد الأوضاع المزرية في المغرب بسبب هيمنة الأقلية وتدعو للمشاركة في المسيرة الاحتجاجية بالرباط    الصينيون يحتجون على إجراءات الإغلاق الصارمة    الفلاح الصغير يشتكي قلة البذور    الدرك الملكي يضرب بقوة و يحجز أطنانا من الماحيا ضواحي أكادير في منزل مهجور .    بالارقام .. انخفاض الرواج المينائي بالمغرب خلال أكتوبر الماضي    المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة تنظم منتدى "المدرسة-مقاولات"    قنوات مفتوحة تنقل مباراة المغرب و بلجيكا    وفاة جندي مغربي بإفريقيا الوسطى    بعد واقعة تسريب أرقام مستخدمي واتساب.. تعرف على كيفية استعادة حسابك المسروق    توقعات أحوال الطقس يوم الأحد : الأجواء باردة نسبيا    شاب عشريني يضع حدا لحياته في ظروف غامضة بطنجة    السلطات البلجيكية تتحزم لمباراة الأسود والشياطين الحمر    في المُونْديال ينْقَطِعُ الإرْسال !    تكريم طالبين من جامعة مولاي إسماعيل بحفل لهاكاثون بالهند    كلاش بالمعاني.. الوزيرة بنعلي: المغرب باغي يكون الأخ الأخضر الكبير لجيرانو    سلا : إطلاق الرصاص لتوقيف ثلاثيني عرض المواطنين للخطر باستعمال السلاح الأبيض    فيديو.. طبيبة أطفال تفجر فضيحة "الشذوذ الجنسي" بأحد الأسواق الكبرى    أردوغان يقطر الشمع على أوروبا    انهيار أرضي بسبب الأمطار في جزيرة إيشيا الإيطالية يجرف المنازل والسيارات    العلماء يحددون الكمية المثالية لشرب الماء للرجال والنساء    د.الودغيري يكتب عن "المونديال وحقوق الإنسان"    الأمثال العامية بتطوان... (286)    الأمين العام الجديد للحركة الشعبية يدعو الحكومة لتلقي الجرعة الرابعة لتقوية مناعتها السياسية    إيسيسكو: الرباط.. معرض ومتحف السيرة النبوية والحضارة الإسلامية يفتح أبوابه للزوار ابتداء من الاثنين المقبل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بلكبير يقترح هدم "مساكن الملاح" وتعويضها بعمارات عصرية
نشر في هسبريس يوم 25 - 01 - 2017

دعا المفكر المغربي عبد الصمد بلكبير إلى مشروع جهوي أو وطني يروم الهدم التدريجي وإعادة بناء "أحياء الملاح" في المغرب، على شكل عمارات عصرية وإنسانية توفر لكل أسرة من قاطني "الملاح" مسكنا خاصا يوثق ملكياتهم ويحترم قيمهم وحقوقهم الإنسانية.
واعتبر بلكبير، في مقال توصلت به هسبريس، أن مفهوم "الحقوق الثقافية" بهتان "أممي" وفساد فكري استعماري، يتقصد حيثما وقع تنزيله نشر الفوضى والفتنة والحروب الأهلية، داعيا الدولة إلى التصرف في "الملاحات" خارج منطق "الحقوق الثقافية" الذي ليس هو سوى قناع لخدمة أهداف أخرى "تجارية".
إليكم نص المقال، كما توصلت به هسبريس:
الملاح ...
تعتبر الصهيونية التأويل والتوظيف الإيديولوجي والسياسي الحديث لليهودية؛ وهي لذلك نوع من "الإصلاح" الديني للانحراف اليهودي، على شاكلة الإصلاح الديني البروتستانتي للمسيحية المحرفة (=الكنسية). بل إن التأويل الصهيوني لليهودية انطلق أولا في الأوساط المسيحية الأوربية (نابيلون مثلا)؛ وذلك قبل أن يتسرب إلى، أو بالأحرى يقتحم بالعنف، الأوساط اليهودية الأوربية أولا ثم العربية-الإسلامية لاحقا.
في الحالتين، فلقد كان "الإصلاح" إياه مبادرة إيديولوجية من قبل الطبقة الوسطى المنبثقة والناهضة في الغرب، على حساب النظام الإقطاعي-الكنيسي السائد قبلها وعلى حسابها، وتأويلاته الإيديولوجية للدينين.
الفرق في الحالتين هو:
1-أن هدف الصهيونية المسيحية كان هو التخلص، سلميا وإيديولوجيا، من منافسة التجار اليهود لصعودها، فلقد كانوا الأكثر خبرة وتأهيلا؛ وأيضا فهو جزء من برنامج التخلص من الفائض البشري الأوربي، وذلك عن طريق تهجيره خارج أوربا، وبالذات إلى مستعمراتها.
2-إن "الإصلاح" الصهيوني إياه جاء متأخرا جدا مقارنة مع المسيحي البروتستانتي، الذي جاء في مرحلة التوسع الرأسمالي الاستعماري، وليس قبله؛ ولذلك وظف (=الإصلاح) لخدمته أساسا.
إذن: تهجير + استعمار استيطاني لفلسطين + قاعدة عسكرية – سياسية بهدف منع التنمية والديمقراطية والوحدة العربية...، والتي بدونها لا نهوض ولا اتحاد ولا ديمقراطية... لغيرها من بقية الشعوب المستعمرة أو شبه المستعمرة في العالم.
سيقف على التنفيذ تحالف فئتين من يهود الغرب: تجار الدين من الأحبار + تجار الحرب والسلاح من اليهود؛ والأمر مازال كذلك حتى اليوم. أما ضحايا التحالف إياه فهم جموع الكادحين اليهود والمغفلين من بورجوازياتهم الصغيرة؛ وذلك باقتلاعهم سلما (بالإيديولوجيا إياها) أو قهرا من أوطانهم وشعوبهم الأصلية.. وقد وفروا لذلك الكثير من الذرائع الواقعية أو المصطنعة لتبرير الهجرة، أو التهجير بالأحرى، بما في ذلك "المحرقة" النازية، ومثيلاتها الأدنى في مختلف الأنظمة الرأسمالية السائدة أو التابعة.
* * *
سيشتغل الاستعماران الفرنسي والإسباني في المغرب لخدمة الإستراتيجية ذاتها، وأهم ذلك كان:
1-تكريس نمط التوظيف الإقطاعي لليهود ولليهودية كطائفة معزولة عن بقية الساكنة، وفي خدمة الإدارات الحاكمة مركزيا أو محليا من جهة، وكبار التجار والأحبار اليهود من جهة ثانية؛ ذلك في تحالف رجعي بينهما، على حساب بقية الساكنة يهودا ومسلمين معا وفي الوقت نفسه.
2-تخصيصهم بتعليم خاص و"عصري" (=فرنسي) متميز، وذلك لتعميق عزلهم عن بقية إخوانهم المغاربة المسلمين، وتوظيفهم لخدمة الإدارة الفرنسية ومخططاتها الاستخبارية والاستعمارية من جهة ثانية.
3-تيسير هجرة من يرغب منهم، سواء إلى أوربا أو إلى غزو فلسطين.
* * *
لقد ساهم اللوبي اليهودي أوربيا وأمريكيا في التعجيل ب"الاستقلال" المنقوص للمغرب، وربطه برجوع الملك (=مؤامرة إكس ليبان). ويبدو أن ذلك لم يكن لخدمة مخططات الاستعمار الأمريكي الجديد فقط؛ بل أيضا في مقابل جريمة تيسير هجرة وتهجير المغاربة اليهود، والذي شجع عليه أيضا هو الوعي البائس لمحدثي نعمة إدارة الاستقلال البورجوازية الطارئة.
وحده محمد الغزاوي (المدير العام للأمن) عرقل المؤامرة، أما البقية فتواطأت، وذلك بمستويات، أدناها الصمت، بسبب عدم الوعي بخطورة المخطط (يراجع النقد الذاتي لكل من المهدي ثم بوعبيد وعمر) وأخطرها وأحقرها اقتلاعهم جماعات من القرى ليلا نحو ميناء الدارالبيضاء وسواحل الشمال، وذلك في مقابل "حفنة دولارات" عن كل "رأس"، وذلك لمصلحة النافذين والذين كان على رأسهم "أوفقير".
ساكنة المدن من المغاربة اليهود كانوا "محميين" (=معتقلين) في ملاحات، وأكثرهم كانوا حرفيين وتجارا ذوي ممتلكات موثقة. احتاج الأمر معهم إلى نفس صهيوني طويل نسبيا من الإغراء والضغط والاستفزاز والقضم والتهديد... بما في ذلك خاصة توظيف وتحريض الأطفال واليانعين والمراهقين المسلمين لمطاردة تجارهم وحرفييهم المتنقلين والتنكيل بهم وإفساد سلعهم، والأمر نفسه بالنسبة لفتياتهم بدعوى سفورهن. والأسوأ كان تناوب شباب الأحياء على الهجوم التخريبي جماعات على تجار وساكنة الملاحات... وثمة قرائن على أن ذلك لم يكن يتم بدافع وعي ديني إقطاعي عنصري موروث، بل أيضا بداعي طارئ بورجوازي عنصري متخلف لا وطني ولا قومي. (يراجع حوار كوهن في المساء)
[يحتاج المغاربة، مجتمعا وإدارة، من أجل ترميم ضميرهم الوطني ومن أجل المستقبل، إلى ممارسة نقد ذاتي عميق وشامل في موضوع مواقفهم من إخوانهم المغاربة اليهود. الخطوة نفسها مطلوبة من اليهود المغاربة المقيمين منهم أو المهاجرين. أما المساهمون منهم في احتلال فلسطين، فنقدهم الذاتي هو عودتهم إلى أوطانهم وإلى شعوبهم الأصلية. ومن المثير في هذا الصدد إلا مؤتمر وطنيا، حزبيا أو نقابيا أو ثقافيا... تطرق بالنقد في مقرراته لذلك الإرث العنصري المظلم].
* * *
لقد عمد الملاكون اليهود أولئك، في الملاحات، إلى التسويف والتأخير، وفي الوقت نفسه التمهيد المتستر لبيع سلعهم وعقاراتهم (السكنية أو التجارية) لجيرانهم أو معارفهم الأقربين من إخوانهم المسلمين؛ وذلك بتحريضهم على الادخار من أجل صفقة مربحة (لا يسمونها لهم أو يصفونها)، وبين الفينة والأخرى يراجعونهم حول المقدار الذي جمعوه، وذلك إلى حين تطابق المقدار المدخر مع موعد السفر، وعندئذ يكشف المهاجر لصديقه المسلم نيته، ومن ثم اضطراره واستعجاله لتفويت مسكنه أو متجره أو محترفه، بأقل سوم، ويسلمه المفاتيح ليلا، لكن دون وثائق الملكية يحتله المالك الجديد صباح الغد، دون سند قانوني. (فالطمع يعمي البصيرة).
إن وضعية ساكنة وتجار... ملاح مدينة مراكش تشبه نظائرها في جميع الأقطار العربية والإسلامية التي تعرضت لمخطط الهجرة والتهجير ذاته.
لا شيء يمنع شرعا أو قانونا الملاك السابقين أو أبناءهم أو أحفادهم من "حق" المطالبة باسترجاع تلك الممتلكات أو تعويضهم عنها. وإذا لم يسعفهم القضاء المغربي، غير "المستقل" في نظرهم (وهذا معنى المطالبة باستقلاله من قبل الغرب، بدل المطالبة باستقلال القضاة؟!)، فإنهم سيلتجئون إلى القضاء "الدولي". ولقد استجاب لذلك دستور 1911 الذي أقر بسمو القانون الدولي العولمي (=الرأسمالي-الاستعماري) على القوانين المحلية (اللاوطنية في أغلبها).
لقد "طهرت" الصهيونية العالمية بتواطؤ الرجعية المحلية أحياء "الملاح" من ساكنتها التي كانت معزولة قسرا، بل ومعتقلة، في شروط غاية في البؤس والاكتظاظ اللاإنساني (انظر العدد الخاص بملاح مراكش من حولية هسبريستامودا)؛ وذلك بدعوى "تحريرهم".. والحال أنها أعادت حشرهم في ملاح عولمي كبير (إسرائيل) وتوظيفهم بذلك "مرتزقة" في مشروع رأسمالي استعماري جديد وعولمي، انطلق أوربيا وانتهى أمريكيا، وهو وضع أسوأ وأخطر عليهم من سابقه في ملاحات وغيتوهات العالم الرأسمالي. [=توفير شروط أخطر لمحرقة لاحقة من قبل العنصرية الكنسية الغربية].
إذن، فإنه باختيار منهم، أو مرغمين، تخلى سكان الملاح وتجاره، لا عن أسماء دروبه فقط، بل عن أملاكهم نفسها، وهجروا أو هجروا إلى حيث هم أبناؤهم اليوم. وفي المقابل، سكن الحي وتاجر فيه مواطنون آخرون أغلبيتهم الساحقة من هوامش المدينة ومطرودي القرى والبوادي المحيطة.. وما كان لهم
أو عليهم أن يستمروا في استعمال أسماء تخلى عنها أصحابها أنفسهم، وهي بالنسبة إليهم غاية في الغرابة، فهي جميعها طائفية، محلية لا وطنية ومجهولة. وتلقائيا، وكما وقع ويقع في تاريخ الأسماء الجغرافية دائما، فلقد أطلقوا عليها أسماء أخرى، أتت معهم أو ابتكروها، ثم زكاها بالإجماع مجلس بلديتهم المنتخب، وخضعت لمسطرة المصادقة القانونية من قبل الإدارة (الوزارة الوصية) (1977).. فأين هو المشكل(؟!).
بسلوكهم العفوي، والذي كان عليه أصلا أن يكون مدبرا وواعيا، شوشوا على احتمال الارتداد عليهم بعقود ملكيات لا يحوزونها، غير أنها (العقود) أضحت معيبة عند "أصحابها"؛ ذلك لأنها أضحت تحمل أسماء دروب لا وجود لها في الخريطة السكانية للمدينة، بما في ذلك اسم الحي نفسه(؟!)
ترى ألا يحق لنا التشكيك في المقاصد الحقيقية للمطالبين بالعودة إلى الأسماء القديمة، وليس فقط إلى أسماء يهودية مطلقا؟.. لو كان الباعث "ثقافيا" لا غشا "تجاريا" لسمح بتسمية الدروب بأسماء يهود آخرين ذوي شهرة عالمية، كابن ميمون مثلا أو وطنية: كوهن أو السرفاتي...إلخ.
إن حقيقة الثقافة ووظيفتها الأساس أنها توحد ولا تفرق، وهي ذات طابع إنساني أو وطني. أما مفهوم "الحقوق الثقافية" فهو مثل نظيره "الشعوب الأصلية"... بهتان "أممي" وفساد فكري استعماري، يتقصد حيثما وقع تنزيله نشر الفوضى والفتنة والحروب الأهلية: الدينية منها أو المذهبية أو الطائفية أو القبلية أو الجهوية أو اللغوية... إلخ من "الهويات" الفرعية القاتلة؛ فهو مفهوم أو شعار إيديولوجي-سياسي لا يستحق الاعتبار، بقدر ما يستحق المقاومة والمحاربة.
* * *
ثمة مفارقة أخرى بالمناسبة، إذ ما بال هؤلاء الذين كلفوا أنفسهم مهمة "إنقاذ" المدينة العتيقة وأسواقها بالتزيين وبعض الترميم.. لم يهتموا بوضع جدول لأشغالهم، يراعي في الأسبقية، لاعتبارات موضوعية، لا يجوز أن يكون أقلها اعتبارا: النضالية والتضحية في شروط المعركة الوطنية ضدا على الاستعمار القديم.
اللهم لا حسد، بل هو الاغتباط وحسب ما جعلني أستحضر سوق "السمارين" وأحقيته أيضا، حتى لا أقول أولويته، فعندما شرع المستعمر بتواطؤ مع الرجعية الإقطاعية في مؤامرة إقالة الملك ونفيه (1953)، بدأ المخطط سياسيا بفصل وظيفتي الملك وإمارة المؤمنين.. قرروا أولا تنصيب محمد بنعرفة إماما في مدينة مراكش (14 غشت 1953). أعلن تجار سوق السمارين بالإجماع (إلا واحدا اغتيل لاحقا) شن إضراب شامل (صادف يوم "جمعة") وأصروا من ثم على المواظبة، كل جمعة، على الإضراب؛ وذلك للداعي السياسي الطارئ، وليس الديني الدائم. وفي المقابل أصر حاكم المقاطعة الفرنسي (كيدون) على كسر أبوابهم أسبوعيا، وتركها معرضة للنهب، غير أن ذلك لم يحصل قط طيلة عامين كاملين. كان سوق الملاح فيها يهتبل المناسبة لتجارة مضاعفة (؟!).
قضت خلية الفقيه الأحمدي بإعدام "كيدون" فاغتيل؛ ومن أجل ذلك عمد المجلس البلدي نفسه إلى إطلاق اسم "الأحمدي" على سويقة في السمارين تكريما له..فهل علينا أن ننتظر يوما يعمد فيه لاحقون في المخطط إلى تغيير الاسم، ربما بدعوى أن الإعدام إياه كان "إرهابيا" (؟!). ثمة سابقة في الدارالبيضاء، عندما استعيض عن "الحنصالي" تسمية لشارع باسم فرنكوفوني إفريقي (بوانيي)(؟!)
في اليوم التالي (15 غشت 53) اندلعت مظاهرة المشور، حيث قضت أول شهيدة مغربية (فاطمة الزهراء). وفي 16 غشت تظاهرت وجدة (سميت بها ساحة بوجدة).. لم يقع الأمر بالنسبة لمدينة مراكش حتى اليوم، هذا مع أن الملك المرحوم الحسن II أخبر (1978) بأن مظاهرة المشور كانت الحافز على صمود محمد 5، والقرينة على أن المغاربة لن يتخلوا عنهما، وعن رجوعهما منتصرين بعد النفي (20 غشت53). وكذلك كان فعلا، فأغلب رواد المقاومة انطلقوا من مدينة مراكش.
* * *
وبعد، لا شك أن المحافظة على الذاكرة وإنعاشها وترميمها في كل حين يعتبر شرطا للحفاظ على الاستقلال وعلى الكرامة... ولذلك فهي مستهدفة اليوم وأكثر من غيرها من قبل الاستعمار الجديد بالتشويش والتأويل والتحريف وحتى المحو.. ولذلك يجب اعتبارها واجهة للنضال الثقافي لا تقل أهمية عن بقية واجهات النضال والمقاومة.
غير أن حي الملاح (السلام اليوم) مسألة أخرى، لقد كان بالأحرى وصمة عار، سواء بعزله جزءا من المغاربة عن بقية إخوانهم، أو في توظيفه من قبل الإقطاع أولا ثم الاستعمار ثانيا لأهداف خسيسة، لا دينية ولا وطنية، وللشروط القاسية واللاإنسانية ل"الحياة" فيه، مثل تلك الذكريات المؤلمة، تحفظ في المتاحف والأدب والفن... للعظة وللاعتبار وللاعتذار... لا إعادة إنتاجها مضمونا، وتزيينها شكلا(؟!) وذلك من قبيل جبر الأضرار المعنوية...
إن الجرائم هي أولا وأساسا بنيات، اقتصادية-اجتماعية... قبل أن تكون سلوكا وأحرى أفكارا (كالإرهاب مثلا).. وهي تبرز وتتجسد في بنيات معمارية وفي أمكنة. وملاح مراكش كغيره من أمثاله يحتفظ ويحتضن ويعيد إنتاج (=يفرخ) الاكتظاظ (أكثر من 50 فردا للمرحاض الواحد) في مساكن متعددة الأسر والبؤس والجرائم، بحيث يمتنع على الأمن دخوله ليلا. تلكم ذاكرة ذلك المكان المحتفظ بها، والحل قبل أن يأتي من الغير ولمصلحته يكمن في مشروع جهوي أو حتى وطني، لهدمه التدريجي، وإعادة بنائه في شكل عمارات عصرية وإنسانية توفر لكل أسرة من ساكنته مسكنا خاصا يوثق ملكياتهم ويحترم قيمهم وحقوقهم الإنسانية. وعندئذ لنسم كل عمارة باسم يهودي محترم (اينشتاين، شابلن... أو بأبينا المشترك (إبراهيم) أو الأنبياء العظام: سيدنا موسى وأخوه هارون وسليمان وداوود...إلخ، هذا إذا كان الأمر يتعلق حقا وصدقا بحقوق "ثقافية" لا تجارية بالأحرى...
لقد بدأ اليهود، خاصة في فلسطين المحتلة، يوثقون ويثمنون ويصوغون المذكرات القانونية للمطالبة بما اعتبروه انتزع منهم من ممتلكات، وذلك بادعاء أن هجرتهم من البلاد العربية والإسلامية كانت طردا لا طوعا.. ولقد سبق أن بادروا في المغرب (السبعينيات) وعوضتهم الدولة في المدينة بما يجزي ويفيض؛ ومع ذلك عادوا للمطالبة، ما دفع الملك المرحوم إلى الغضب في الرد عليهم قبل أن يسكتوا. يبدو أن ذلك الصمت كان مؤقتا، وها هم يتحركون من جديد في غير ما مدينة ودولة؛ فعلى ساكنة الحي وعلى مجلس المدينة والجهة، بل وعلى الدولة، أن تتحرك وتتصرف خارج منطق "الحقوق الثقافية" الذي ليس هو سوى قناع لخدمة أهداف أخرى "تجارية" في حقيقتها، وإلا ما علاقة اليهودية التلمودية أو "التجارية" بالثقافة بل وبالدين نفسه؟.
يقول ماركس إن المعبود الحقيقي للتاجر "اليهودي" هو المال ورأسمال، ولتحرير اليهود (بالتالي الإنسانية) يجب تحريرهم من "اليهودية" (كإديولوجيا لا كدين)؛ أي بالنسبة له من التجارة (=الربا – الاحتكار – المضاربة – الغش...إلخ).
هوامش:
1-إذا كانت الإدارة محرجة في الموضوع، وهو الغالب، فأين هي استقلالية ومقاومة "جمعيات" المجتمع المدني المدعاة، بما في ذلك مجلسا المدينة والجهة وساكنة وتجار الحي (؟!) ولماذا كل تلك السرعة في الاستجابة (؟!) دون استفسار، دون تأمل، دون تحفظ ودون تصرف في تنفيذ المقترح (؟!)أو بالأقل تأجيل ولو بدواع "طبية" (؟!)
2-يحق لجامعة القاضي عياض، وخاصة شعبة التاريخ والجغرافيا بها، وخلفها أربعة عقود من التاريخ، أن تستغرب، بل وأن تستنكر، ذلك التهميش من قبل المنظمين للزيارة الملكية، وتقديم مرشد لصاحب الجلالة من خارج أساتذتها ذوي الأهلية والصفة العلمية(؟!) ترى أين هو الفرع الجهوي لنقابة الأساتذة؟ أم تراه مازال على انحرافه، الناتج عن اختراقه (؟!)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.