قال الباحث الجامعي عبد الإله فروات إن "كل تحسين وتوسيع للطبقة الوسطى يضمن الأمن وينعش الاقتصاد ويحصن التماسك الاجتماعي، خصوصا في ظل التحديات التي ما فتئت تفرضها الثورة التكنولوجية الرقمية والمنافسة الاقتصادية المعلومة والهجرة القارية وهجرة الأدمغة". وأوضح فروات، في مقال له بعنوان "تدهور الطبقة الوسطى بالمغرب وأثره على الاستقرار الاجتماعي"، أنه "أضحى لتراجع وتقلص الطبقة الوسطى بالمغرب تمظهرات وتبعات لا تخطئها العين في شتى الميادين، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وقد تجلى ذلك في انكماش مبادراتها الاقتصادية وتقوقعها في حالة سيكولوجية جماعية تنطوي على الترقب والانتظارية، وأعرض أفراد هذه الطبقة عن المشاركة في تطوير وإغناء الحقل السياسي، وركزوا اهتمامهم على البحث عن تأمين ما يمكن تأمينه في سبيل العيش لذواتهم ولذويهم وأسرهم". وأشار الباحث الجامعي إلى أن "هذه الوضعية المأزومة بقدر ما ستعيق الطبقة الوسطى في القيام بأدوارها الاجتماعية وغيرها من الأدوار للإسهام في تنمية وتطوير البلاد، بقدر ما تفرض الانتباه واليقظة لما قد يترتب عن مثل هذه الأوضاع من زعزعة للتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي"، مضيفا أنه "أمام تواتر وتفاقم الإكراهات الخارجية والضغوطات الداخلية، بدأنا نلاحظ أن السياسات العمومية أصبحت تنحو نحو التفكير في مخرجات ذات الصلة بالاهتمام بالطبقة الوسطى". وأكّد فروات أن "الأجيال الشابة من الطبقة الوسطى أضحت تشكل القاعدة العريضة في الهرم الديمغرافي المغربي"، مشيرا إلى أن "هذه الأجيال باتت تمتلك قدرات هائلة على توظيف تفوقها التكنولوجي في مجال التواصل والتعبئة، الأمر الذي يجعل أنماط التحكم والتوجيه وأساليب الضبط التقليدية متجاوزة وعاجزة عن التنبؤ واحتواء أشكال الاحتجاجات المستقبلية". وهذا نص المقال كاملا: تحتل الطبقة الوسطى مكانة محورية وأساسية في جميع المجتمعات. وهذا المعطى مؤكد ومتعارف عليه دوليا، على اعتبار أن هذه الطبقة تمثل قوة محركة للإنتاج والابتكار وعامل تماسك واستقرار للمجتمع. وإجمالا، تلعب الطبقة الوسطى أدوارا رئيسية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في كافة بلدان المعمور، فهي غالبا ما تمثل القاعدة الاجتماعية لمختلف الهياكل الحزبية والنقابية، وللعديد من التنظيمات المهنية والمدنية والثقافية. ومقابل هذه الأهمية يتم الإقرار كذلك بصعوبة إيجاد تعريف علمي محدد ودقيق لمفهوم الطبقة سالفة الذكر، فضلا عن أنه لا وجود لمؤشرات ومواصفات موحدة لقياس حجم هذه الطبقة ودرجة تأثيرها على التطور والتنمية، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا راجع أساسا إلى تشابك وعدم تجانس الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للفئات والأشخاص المنتمين إلى هذه الطبقة، الشيء الذي دفع بالعديد من المحللين والخبراء إلى الاستعاضة عن عبارة الطبقة الوسطى بتعبير الفئات الوسطى كتسمية للشرائح الاجتماعية المتباينة والمتشعبة المنتمية إلى هذه الفئات. وانطلاقا من هذه التجليات، يمكن أن نستنبط أن الطبقة الوسطى هي تعبير عن تجميع عدد من الهويات والثقافات والميولات الإيديولوجية والسياسية والمراكز الوظيفية والمهنية والحقول الاقتصادية، بما فيها التضامنية، فهي بمثابة الجسر الذي يربط بين الفئات الاجتماعية المختلفة ويضمن التوازن بينها. ومن تحصيل الحاصل القول بأن كل تحسين وتوسيع لهذه الطبقة يضمن الأمن وينعش الاقتصاد ويحصن التماسك الاجتماعي، خصوصا في ظل التحديات التي ما فتئت تفرضها الثورة التكنولوجية الرقمية والمنافسة الاقتصادية المعلومة والهجرة القارية وهجرة الأدمغة. ويبدو أن الطموح نحو الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي والنزوع إلى الاستقرار السياسي الذي يسم هذه الطبقة، يجعلها الأكثر جاهزية للدفاع عن القيم الوطنية، وكذا الأكثر استعدادا للانخراط في مسلسل الإصلاح والتطور، وأيضا الأكثر استيعابا للتلاقح الثقافي والحضاري والتفاعل معه بمداخل الفكر والتجديد والابتكار، حيث يمكن اعتبارها الأكثر انفتاحا على الثقافات والحضارات المختلفة بفضل تكوينها المعرفي ومركزها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، الذي من المفروض أن يؤهلها للعب دور هام للنهوض بالوضع الثقافي الشمولي والارتقاء بالمستوى العلمي والمعرفي والذهنية الجمعية للفئات المختلفة. وتأسيسا على طبيعة هذه الطبقة، وفي محاولة لتحديد معالم صورتها وحجمها، يمكن الاعتماد على بعض المؤشرات والمعايير التي تحدد إجمالا في أربع نقاط أساسية: المعيار الذاتي أو الشخصي، أي الإحساس أو الشعور بالانتماء إلى الطبقة الوسطى من خلال المستوى المعيشي للفرد. المعيار الثقافي، أي مستوى التعليم والتكوين، والمشاركة السياسية والثقافية والجمعوية... المعيار الاقتصادي، أي دخل الفرد وثروته وراتبه وادخاره ونفقاته في مجال الترفيه والتطبيب والسكن وغير ذلك. المعيار الوظيفي أو المهني (طبيعة الوظيفة، أي حرفية وتقليدية أم تجارية، وحجم المقاولة وحتى البطالة، وغيرها). والتفسير الذي يستخرج من تعدد المعايير التي أتينا على ذكرها هو التباين في تقييم وقياس حجم الطبقة الوسطى، إلى درجة أننا لا نجانب الصواب إذا لاحظنا أنه بالاعتماد على نفس المعيار أو المؤشر نحصل أحيانا على نتائج مغايرة في هذا الشأن. وفي حالة المغرب تستوقفنا مقاربة اعتمدتها المندوبية السامية للتخطيط سنة 2009 لحصر خصائص الطبقة الوسطى، حيث ركزت على عامل الدخل، على خلفية مفاهيم مجموعة من البلدان المماثلة للمغرب، قصد تبيان سقف هذا العامل الذي يمنح الأفراد الانتساب إلى هذه الطبقة. وقد قسمت المندوبية السامية هذه الأخيرة حسب الدخل إلى ثلاث فئات: فئة متوسطة دنيا، وفئة متوسطة وسيطة، وفئة متوسطة عليا. كما استخلصت أن الطبقة الوسطى تشكل 53 بالمائة من إجمالي المغاربة. وقد أثارت هذه النسبة الكثير من التحفظ، بل الرفض من طرف العديد من المحللين والخبراء، الذين اعتبروا هذا الرقم عطبا في التقدير خلصت إليه المندوبية، وأنه لا يعكس الواقع المعيشي الذي يبقى بعيدا عن هذا التوصيف. وعطفا على ما تقدم، نستحضر التعريف الذي خص به البنك الدولي الطبقة الوسطى بالاستناد على معيار احتساب الحاجيات الرئيسية للأسر، من تغذية وتعليم وسكن ونقل وتطبيب وترفيه، مع مراعاة مؤشر دخل شهري يتحدد في ألف دولار. وهذه العملية أفضت إلى أن الطبقة الوسطى تتراوح بين 15 و25 بالمائة من إجمالي سكان المغرب. وغني عن البيان أن الدراسات التي أنجزت بهدف تحديد حجم ومميزات الطبقة الوسطى بالمغرب ظلت لحد الآن تفتقر إلى الدقة والتحكم في الجزئيات، نظرا للإكراهات المنهجية فيما يرتبط بتجانسية مكونات هذه الطبقة وعدم التوفر على قاعدة بيانات يتم تحيينها بنظام وانتظام واستمرار. وعموما وباستقراء للمعطيات الواردة أعلاه، نستطيع القول بأن الطبقة الوسطى هي مجموعة من الفئات تمتلك مستوى معينا من الدخل المتوسط القار أو ملكية صغيرة ومتوسطة، وتتوفر على مستوى من التكوين المتوسط أو العالي، وتعتمد في غالب الأحيان في عيشها على جهدها الذاتي البدني والذهني، وهي موزعة، ولو بنسب متفاوتة، على كافة التراب المغربي. وللاستزادة في الإحاطة بموضوع الطبقة الوسطى بالمغرب لا بأس أن نعرج على تطور مسارها، وفي هذا الصدد نتلمس الإرهاصات الأولى للتوسع التدريجي لهذه الطبقة إبان فجر الاستقلال بحكم تزايد عدد أفرادها وشرائحها على إثر فتح باب التوظيف لتأسيس الإدارة الوطنية وتعويض الأجانب، علاوة على ولوج فئات واسعة من المغاربة، خاصة بالحواضر، للتعليم العمومي في كافة أسلاكه، ومع ذلك وعلى الرغم من تضافر كل هذه العوامل، بقي حجم الطبقة الوسطى محدودا، حيث لم يتجاوز المنتمون إليها سنة 1971 ما بين 14,8 و16,1 بالمائة من الساكنة النشيطة في المدن. ومع مطلع ثمانينيات القرن الفائت، شهد الوضع الاقتصادي والاجتماعي للطبقة الوسطى تدهورا ملحوظا نتيجة سياسة التقويم الهيكلي، حيث تأزمت أوضاعها بسبب ارتفاع تكاليف العيش، وعدم مواكبة الأجور لهذا الارتفاع، وكذا جراء عدم مسايرة الإنفاق العمومي لتزايد الطلب على الخدمات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والسكن في ظروف مريحة، وغلاء أسعار هذه الخدمات المفروضة من قبل الخواص، ناهيك عن تجمد فرص التوظيف بمرافق الدولة، واستفحال بطالة الخريجين من الجامعات والمدارس والمعاهد العليا. لقد أضحى لتراجع وتقلص الطبقة الوسطى بالمغرب تمظهرات وتبعات لا تخطئها العين في شتى الميادين، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وقد تجلى ذلك في انكماش مبادراتها الاقتصادية وتقوقعها في حالة سيكولوجية جماعية تنطوي على الترقب والانتظارية، وأعرض أفراد هذه الطبقة عن المشاركة في تطوير وإغناء الحقل السياسي، وركزوا اهتمامهم على البحث عن تأمين ما يمكن تأمينه في سبيل العيش لذواتهم ولذويهم وأسرهم. وبالطبع فإن هذه الوضعية المأزومة بقدر ما ستعيق الطبقة الوسطى في القيام بأدوارها الاجتماعية وغيرها من الأدوار للإسهام في تنمية وتطوير البلاد، بقدر ما تفرض الانتباه واليقظة لما قد يترتب عن مثل هذه الأوضاع من زعزعة للتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي. ويبدو أنه أمام تواتر وتفاقم الإكراهات الخارجية والضغوطات الداخلية، بدأنا نلاحظ أن السياسات العمومية أصبحت تنحو نحو التفكير في مخرجات ذات الصلة بالاهتمام بالطبقة الوسطى، حيث عملت الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2008 على الإعلان عن تأسيس لجنة عهد إليها بوضع خطة تستهدف النهوض بأحوال هاته الطبقة عن طريق تسطير تدابير وإجراءات تحفيزية لتحسين ظروف الحياة وتقوية القدرة الشرائية وتوسيع هذه الطبقة وتأهيلها للنهوض بمهام أكثر جدوى وأدوار أكثر فعالية في تحقيق التنمية المنشودة. لكن النتائج المحصل عليها جاءت ضعيفة حتى لا نقول مخيبة للآمال؛ فالتدابير التي تم وضعها تعطل تنفيذها على أرض الواقع، وتكرست التفاوتات الاجتماعية وتلك المرتبطة بتوزيع الدخل، وظهر توسع ملحوظ لدائرة الفقر على حساب الشرائح المتوسطة، مع تزايد ثروة الأغنياء الذين يمثلون أقلية معدودة في المغرب. وبالموازاة مع ذلك يلاحظ بروز ما يمكن تسميته ب"ظاهرة الانتهازيين" في شتى المجالات، وهؤلاء يشكلون شريحة اجتماعية طفيلية تقتات من الريع (أي الدخل غير الناتج عن عمل أو جهد أو تضحية)، ومن التجارة في المخدرات والنصب المقنع باسم الخدمات المالية والتجارية. وقد راكمت هذه الفئة ثروات مهمة، إلا أنه يتعذر إدراجها في خانة الطبقة الوسطى نظرا لطبيعتها الهجينة والمنفلتة من الانخراط في الأدوار الطلائعية التي من المفروض أن تنهض بها هذه الطبقة. وتجدر الإشارة إلى أن المجال السياسي بالمغرب لم يسلم من تداعيات الظاهرة سالفة الذكر، حيث يلاحظ أن الاستحقاقات الانتخابية غالبا ما كانت تنتج وجاهات سياسية غير مستحقة بمثابة ريع تستفيد منه للعبور إلى مربع صناعة القرار الوطني أو الترابي، غالبا عن طريق حجز مقاعد في المؤسسة البرلمانية أو هياكل تدبير الشأن الترابي في مستوياته المختلفة، واستحالت بالتالي الانتخابات وأساليب عمل الهيئات السياسية إلى عمليات استثمارية تدور في حلقة مفرغة تصرف فيها أقساط هامة من عائدات الريع. وخلال العشرية الأخيرة تعمقت أزمة الطبقة الوسطى بالمغرب نتيجة التضخم، وارتفاع أسعار الكثير من المواد الأساسية، وقساوة الضرائب، وكذلك بفعل رفع الدعم عن المحروقات دون تدابير مواكبة، وتآكل دور الدولة الاجتماعي، فضلا عن عولمة الأزمة الدولية، الشيء الذي نجم عنه انكماش اقتصادي ومشاكل اجتماعية متعددة تختلف باختلاف المناطق والجهات. هذه الاختلالات زادت من انخفاض نسب الادخار لدى هذه الطبقة، ومن رفع نسب الاستدانة المرتبطة بالقروض العقارية والاستهلاكية وقروض شراء السيارات واللوازم المنزلية وتمدرس الأبناء، علاوة على التراجع المسجل في اهتمام الطبقة الوسطى بالمجالات الثقافية والترفيهية. إن التراكمات المسجلة في قصور الطبقة الوسطى عن أداء مهامها بشكل سليم وطبيعي كانت لها انعكاسات جانبية على مستوى عقلية تدبير الشأن العام المجتمعي، فبدأنا نلاحظ انزلاقا تدريجيا لجزء هام من هذا التدبير من فضاء المؤسسات الدستورية إلى فضاء الشارع العام المفتوح على احتمالات المواجهة والاحتجاج، التي تسائل، بفصولها اليومية، مصداقية وجاهزية مؤسسات الدولة وتلك المنتخبة، ومدى الثقة في قدرتها على التعبير والاستجابة لطموحات وتطلعات الشرائح العريضة من الشعب. وستكتمل ملامح هذه الصورة إذا استحضرنا معطى أساسيا يتمثل في كون الأجيال الشابة من الطبقة الوسطى أضحت تشكل القاعدة العريضة في الهرم الديمغرافي المغربي، وباتت هذه الأجيال تمتلك قدرات هائلة على توظيف تفوقها التكنولوجي في مجال التواصل والتعبئة، الأمر الذي يجعل أنماط التحكم والتوجيه وأساليب الضبط التقليدية متجاوزة وعاجزة عن التنبؤ واحتواء أشكال الاحتجاجات المستقبلية. وعلى سبيل الختم، نقر بأن الاهتمام بالطبقة الوسطى يستدعي تبني استراتيجية إرادوية تنموية تتخذ أولوياتها ومحاورها انطلاقا من احتياجات كافة الفئات الاجتماعية، وعلى رأسها الطبقة الوسطى بصفتها قاطرة لهذه الفئات، مع إنضاج رؤى تستشرف المستقبل وتصب في تشجيع الإقلاع الاقتصادي والنمو المندمج والمستدام، مع التركيز على المراجعة الشاملة لآليات ومدخلات توزيع الثروة، بما في ذلك الآلية التمويلية والضريبية ومنظومة الأجور وإعادة النظر في المنظومة البنكية، بما يمكن من تخفيف ضغط الديون على الطبقة الوسطى، وتشجيعها على الاستثمار والادخار، وكذا تحفيزها، بشكل جدي وحقيقي، على المزيد من الانخراط والمشاركة في المجتمع المدني وفي الحياة السياسية، من أجل ضخ روح جديدة في هذه الطبقة لتمكن المغرب من صيانة سلمه وتماسكه الاجتماعيين.