تمر الأيام وتتوالى الأعوام وتترك أثرا يتراوح بين الإيجاب والسلب، بين القبول والرفض، بين الارتياح والقلق، بين النجاح والفشل، بين التأييد والتنديد، ... لكن الخيط الناظم لهاته الثنائيات خيط رفيع هو الواقع الذي نعيشه واللحظات التاريخية التي نقتسمها جميعا. ولاشك أن اللحظات التاريخية التي عشناها السنة الماضية ميزتها أوضاع متقلبة، خاصة في الوطن العربي، فبالرغم من شبه الإجماع الذي عبرت عنه الشعوب العربية في القطع مع الماضي المرير الذي عاشته مع حكامها المستبدين، ورغبتها في طي صفحات الماضي وبداية عهد جديد تطبعه الحرية والكرامة والثقة بين الحاكم والمحكوم، إلا أن الملاحظ هو أن القطع مع هذا الماضي لازال لم يكتمل بشكل فيصلي؛ بحيث نجد القبضات الحديدية للسلطة المتنفذة لازالت لم تلِن بعدُ، وهذا حال معظم الدول العربية، بل ونجد هاته تستعمل "الفيتو" في وجه كل إصلاح من شأنه خدمة الوطن والأمة. وقد تميزت السنة الفارطة عموما بتوجهين اثنين طبعا حالة مابعد الربيع الديمقراطي الذي تعرفه المجتمعات العربية هما: التوجه الأول: توجه البحث عن التحرر والتمتع بالحرية والكرامة؛ وهذا يظهر بشكل جلي في رغبة الشعب السوري وكذا الشعب الفلسطيني في تحرر بلديهما والعيش في استقرار وكرامة، وهي رغبة مشتركة بين البلدين تجسدها أشكال المقاومة الشرسة التي يظهرها أبناء هذين البلدين في وجه العدو الذي لايتوانى في استعمال مختلف الطرق البشعة تجاه البريئات والأبرياء من أبناء هذين البلدين، ظنًّا منه أن باستعمال الرصاص والقنابل سيقضي على الحر المناضل، أو بقتل الأعلام والرموز حتما سيفوز، ولكن الواقع يؤكد أن السلاح بمختلف أشكاله وألوانه لم يعد في هاته الآونة أداة تأديبية كما كانت في السابق. التوجه الثاني: توجه في إطار بناء عهد جديد ينماز بالديمقراطية والتعددية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وقد بدا هذا التوجه بشكل جلي في كل من مصر وتونس والمغرب، بنوع من الاختلاف في الطريقة والمنهجية والخصوصية بين البلدان، على الرغم من أن القاسم المشترك بينها؛ صعود التيار الإسلامي للحكومة، عن طريق صناديق الاقتراع. الأمر الذي لم يستسغه أعداء الديمقراطية والإصلاح فأصبحنا نرى أشكالا مختلفة من العرقلة لهاته التجارب في في كل بلد، هدفها التربص بالأخطاء وافتعال المشاكل من هنا وهناك، يساندها في ذلك "الإعلام" النكوصي الذي لازال يحن إلى الماضي، ولايرى في المستقبل سوى العتمة وانسداد الأفق. الأمر الذي أخّر نوعا مَا مسيرة الإصلاح، أو على الأقل جعل سرعتها بطيئة. وإذا كان الأمر كذلك – وأحسبه كذلك- فإن ما ينفرد به المغرب هو ذلك التناقض والحربائية وعدم الإمساك بعصب الحياة الديمقراطية لمعرفة ومَعْيرة الوضع السياسي والاجتماعي في هذا الوطن الحبيب. بحيث نجد المثل المغربي الشعبي حاضرا بقوة في إصلاح الشأن الوطني، والذي يقول: "اطلَعْ تاكُل الكرموس..اهبَطْ شكون قالها ليك؟ "فبعد محاولة تدشين مسار إصلاحي جديد ساهمت فيه مختلف قوى المجتمع انطلاقا من 20 فبراير، ومرورا بالدستور الجديد، وانتخابات نونبر2011، ثم بروز حكومة جديدة بعد ذلك، وصولا إلى يومنا هذا؛ نجد بين كل مرحلة وأخرى، وبين الفينة والأخرى تجليات العهد السابق لازالت حية ترزق عن طريق الاعتقال والقمع، والضرب الذي يتعرض له أبناء الوطن أمام البرلمان، بل الأدهى والأمر أن الحزب الذي يتزعم الحكومة لم يسلم من هاته الخروقات الخطيرة من خلال منع شبيبته من إقامة مهرجان في ساحة عمومية بطنجة، وآخرها ما تعرض له النائب البرلماني عبد الصمد الإدريسي - من نفس الحزب- للتعنيف الجسدي والرمزي يوم الخميس الماضي. الأمر الذي يبين بالملموس ضبابية الوضع وعدم انتهاء البحث عن السكة الصحيحة التي تقطع مع المظلم من الماضي بكل أشكال الظلم والظلمة فيه. عموما، فيما يتعلق ببلدنا الحبيب، فإنه عاش من (1912) إلى حدود (1956) تحت نير الاستعمارالخارجي، وماصاحبها من مقاومة توجت بالحصول على الاستقلال (وإن كنت لا أتحدث عن استقلال الأرض)، ومنذ هاته السنة إلى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة؛ في محاولة للقطع مع الاستعمار الداخلي والعيش في استقلال تام، والآن نعيش تحت نَفَس الاستقلال الذي يقاومه بعض فلول الاستعمار الداخلي. من هنا يبدو أننا نحتاج إلى همزة وصل تربط بين هويتنا وثقافتنا وديننا ومؤهلات بلادنا، وأيضا نحتاج إلى همزة قطع، تقطع مع كل شريان من شأنه أن يعكِّر صفو الحياة الكريمة للشعب المغربي، على أساس تعاون ومشاركة الجميع في بناء مغرب الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. *طالب باحث