رئيس مكتب الإتصال الإسرائيلي يغادر المغرب لهذا السبب    حكومة العثماني تستعد للإعلان عن تخفيف للإجراءات الاحترازية    ذكرى تأسيس الأمن الوطني: 65 سنة من التضحية في سبيل الحفاظ على استقرار الوطن وأمن المواطنين    ممثلة مجلس الصيادلة: هناك "لوبيات" تستغل الأنترنت لبيع الأدوية المزيفة    صاروخ من قطاع غزة يقتل إسرائيليا قرب تل أبيب    تزامنا مع استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين .. ممثل إسرائيل بالرباط يكشف سبب مغادرته المغرب    الرئيس الأمريكي بايدن يقدم هدية "ثمينة" للفلسطينيين    بذريعة "معاداة السامية"..فرنسا تمنع مظاهرات مؤيدة للشعب الفلسطيني    إدارة الوداد تطالب بفتح تحقيق احتجاجا على "ظلم تحكيم "مباراة مولودية الجزائر    رسالة العمراني إلى الرجاء قبل مواجهة مضيفه أورلاندو بايرتس الجنوب أفريقي    زياش ينتظر صيحة لقب الكأس    نادي نهضة بركان يغرم اللاعب محسن ياجور 30 مليون سنتيم بسبب تصريحاته الأخيرة    هاته توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    وفاة صاحب عمارة سكنية بتطوان بعد سقوطه من الطابق الرابع    حركة "حماس" تحمل إسرائيل مسؤولية إخفاق المساعي الدولية لإقرار الهدنة    "التوحيد والإصلاح" تدعو لتنظيم مسيرة وطنية شعبية داعمة للفلسطينيين ورافضة للتطبيع    الزعيم والماط.. فرصة العساكر لتشديد الخناق على الرجاء    بن شرقي ينفرد بصدارة هدافي الدوري المصري    تذكير.. العودة إلى توقيت "غرنيتش+1" بالمغرب بإضافة 60 دقيقة ليلة الأحد    التحويلات المالية للجالية المغربية تخالف التوقعات بالارتفاع خلال سنة 2020    فرنسيون يستغلون مئات الأطفال القاصرين من المغرب ودول أخرى في أفلام إباحية    الفنانة خديجة أسد تتحدث عن أول عمل جمعها بزوجها الفنان الراحل سعد الله عزيز ...في "رشيد شو"    في غياب الفنانين المغاربة.. لحظة إخراج جثمان الفنان حمادي عمور من مصحة بالبيضاء -فيديو-    عدد المستفيدين من الحقنة الأولى ضد "كورونا" يتجاوز عتبة 6 ملايين بالمملكة    رأينا l على المغرب الرسمي أن يختار موقفه بوضوح ما بين الضحية والجلاد    خبير إسباني يجر زعيم البوليساريو إلى القضاء    إسبانيا تعلن عن تنظيم رحلة بحرية جديدة من ميناء طنجة إلى الجزيرة الخضراء وطرفاية    مقاول ينهي حياته بالارتماء من شرفة منزل بتطوان    إحباط محاولة إقتحام مهاجرين لسياج مليلية المحتلة    الحوض المائي لسبو..نسبة ملء السدود تبلغ 74 في المائة    حمد الله وأمرابط يتنازعان على تنفيذ ضربة جزاء في الدوري السعودي (فيديو)    بعد معاناة مع المرض.. رحيل الفنان حمادي عمور    أسواق الحبوب العالمية تواجه أزمة محتملة    درك بني شيكار يحجز سيارة بها اطنان من الحشيش بمنطقة رأس ورك    تعديلات اتفاقية "التبادل الحر" بين المغرب وتركيا تدخل حيز التنفيذ    الوداد يحتج رسميا على تيسيما ويراسل الكاف    إشكالية "إشراك القضاة" في انتخابات ممثلي موظفي وزارة العدل    الفن المغربي خسر واحد من الأسماء الكبيرة فعالم التلفزيون والسينما.. الممثل حمادي عمور مات البارح بعد معاناة طويلة مع المرض    مقتل خريج جامعة مغربية على يد القوات الاسرائيلية    الصين تؤكد نجاعة لقاحاتها في مواجهة "السلالات المتحورة"    الصحة العالمية تتوقع ارتفاعا لوفيات "كورونا" خلال هذا العام!    هام للرباطيين.. افتتاح نفق الهرهورة لتخفيف حركة السير    معهد التكوين في مهن صناعة السيارات بالقنيطرة: مباراة لولوج المعهد لتكوين تقنيين متخصصين في عدة تخصصات    وفاة الفنان المغربي الكبير حمادي عمور    ارتفاع التضخم في إسبانيا    وصفة تحضير طاجين اللحم بالشفلور...في "شهيوة مع شميشة"    الغربة والاغتراب والزمان والمكان    منظمات حقوقية: اعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان في الجزائر يشكل تصعيدا خطيرا    أطر تمريضية ل2M.ma ..نستغرب إقدام الوزارة على توجيه أوامر الإلتحاق بمراكز التلقيح ثاني أيام العيد    الفنان التشكيلي ابراهيم الحيسن يعرض جديد أعماله بالصويرة    كلميم… تتويج مواهب شابة في فن السماع والمديح    أول دولة تسجل "رقما قياسيا عالميا" وتعلن عن تلقيح جميع مواطنيها.    هل تبرأ الشيخ بوخبزة رحمه الله من حركة "حماس" ..؟!!    الشيخ عمر القزابري يكتب: المَسْجِدُ الأقْصَا بَوَّابُةُ مِعْرَاجِ الأُمَّة …    نسبة ملء سد عبد الكريم الخطابي بالحسيمة تصل الى 99 في المائة    مغاربة يتساءلون: لماذا تم السماح بإقامة صلاة الجمعة في المساجد ومنع أداء صلاة العيد؟    رسالة لإخواننا المستضعفين في فلسطين و سائر الأوطان    الجمعة أول أيام عيد الفطر في هذه الدول    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هكذا تضيئ بلاد الشمس المشرقة العالم بالتكنولوجيا والتقنيات المبهرة
نشر في هسبريس يوم 23 - 02 - 2021

يرى الدكتور محمد بن صديق أن التقدم المذهل الذي حققته اليابان جعل منها دولة ذات ثقل وازن في العالم، بالأخص اقتصاديا وماليا وتكنولوجيا، فقد تجاوز إنتاجها المحلي الإجمالي 5 تريليونات دولار، وصنفت تصنيفا عاليا جدا وفقا لمؤشر التنمية البشرية.
كما أن اليابان اليوم، وفق ما جاء في مقال جديد لبن صديق، "عضو مؤثر في مجموعة العشرين G20 التي تضم أغنى الدول في العالم، وفي مجموعة الدول السبع الصناعية G7، وفي منتدى آسيا والمحيط الهادي، وتربطها شراكات مهمة مع دول عدة حول العالم، كما تلعب دورا هاما في الأمم المتحدة خاصة على مستوى التمويل".
فما هي أسرار نهضة اليابان وقوتها في مختلف المجالات؟
سؤال يجيب عنه بنصديق بالتفصيل في المقال التالي:
تحظى القارة الآسيوية باهتمام متزايد على الصعيد الدولي، بالنظر إلى مستويات التقدم المذهلة التي حققتها بعض دول القارة، وعطفا على التجارب التنموية الناجحة التي ميزت تلك الدول وجعلت منها نموذجاً يحتذى به في تحقيق النهضة المنشودة. وتأتي اليابان في مقدمة الدول الآسيوية التي استطاعت الصعود إلى مصاف الدول الأكثر تقدماً في العالم، ومازالت تجربتها الإنمائية تثير إعجاب الدول ودهشة الباحثين في مجال التنمية، إذ كيف استطاعت دولة بلا وفرة في الموارد الطبيعية أن تتبوأ المرتبة الثانية في العالم اقتصادياً لسنوات طويلة (قبل أن تزيحها الصين إلى المرتبة الثالثة منذ سنوات قليلة)؟ والمثير للإعجاب أنها حققت التحديث والمعاصرة مع الحفاظ في الوقت ذاته على أصالتها وخصوصيتها الوطنية.
تعود إرهاصات النهضة اليابانية إلى القرن التاسع عشر مع التحولات الاجتماعية والسياسية السلمية التي عرفتها اليابان في تلك الفترة، والمعروفة بالحركة الإصلاحية أو ثورة "المايجي إيشين" Meiji Ishin، التي يقصد بها إعادة السيادة للإمبراطور، وذلك بعد نحو ثلاثة قرون من الحكم الإقطاعي والعزلة الوطنية؛ فقد شهدت البلاد منذ عام 1868 مرحلة تحول فاصلة في تاريخها، وبدأت منذ ذلك التاريخ في بناء دولة مستقلة حديثة ومنفتحة، ونجحت في تحويل البلاد من بلد إقطاعي زراعي إلى دولة صناعية عصرية.
في كتاب "نهضة اليابان.. ثورة المايجي إيشين" الصادر عن مركز بحوث التجربة الإنمائية في بيروت وجامعة الأمم المتحدة في طوكيو، الذي تضمن دراساتٍ وأبحاثاً لمجموعة من الباحثين حول التجربة الإنمائية اليابانية والجذور التاريخية والإيديولوجية والحضارية لهذه النهضة، يرى الباحثون أن من الصعب تفسير التجربة اليابانية، وأن هناك عدة أسباب أدت إلى نجاحها، من بينها: الموقع الجغرافي النائي للبلاد، الذي حماها من الغزو الأجنبي، وتجانس المجتمع، والوحدة الوطنية، والسلام والاستقرار الذي امتد لمدة قرنين ونصف قبل ثورة المايجي، والقدرة على التكيف والتحول الاجتماعي من الزراعة إلى الصناعة، وقيام عملية التحديث بمبادرة ذاتية واستقلال تام عن أي قوة خارجية، والتربية والتعليم (إذ كانت نسبة المتعلمين في المجتمع الياباني عالية في ذلك الوقت وبلغت أكثر من 40% للرجال و15% للنساء).
من هنا يمكن القول إن السر في النجاح المذهل الذي حققته اليابان يرجع إلى جملة أمور، لعل من أبرزها الاستثمار في الرأسمال البشري، وبطبيعة الحال كانت نقطة البداية هي إصلاح وتطوير منظومة التربية والتعليم والبحث العلمي. لقد أقر قانون التعليم الصادر عام 1872 إلزامية التعليم في اليابان، وتم التركيز على التعليم الأساسي، وعلى المعرفة العلمية النظرية والتطبيقية معاً، بل تم إيلاء أهمية واضحة للتعليم التطبيقي، وذلك من خلال إنشاء كليات للعلوم التطبيقية مثل الهندسة والطب والزراعة إلى جانب الفروع الأخرى في الجامعات (تعد الجامعة الإمبراطورية في طوكيو أول جامعة في اليابان وتأسست عام 1866).
وهناك عوامل جعلت من التربية والتعليم محورا أساسيا في نهضة اليابان الكبيرة، من بينها: التركيز على المناهج العملية في التعليم وإدخال العلوم والتكنولوجيا في تلك المناهج؛ والاستفادة من الحضارة الغربية من خلال تفعيل الترجمة، ما ساعد على انتشار العلوم وتعميم الأفكار التقدمية، وكذلك عبر إيفاد بعثات طلابية إلى الخارج. وقد أعطت هذه البعثات بعد عودتها إلى البلاد قيمة مضافة مهمة جدا للتنمية الصناعية والتقدم العلمي.
ولعل من أسباب تميز النظام التعليمي الياباني أنه جعل من الإنسان محور وهدف المنظومة التعليمية من خلال ربط هذه المنظومة بواقع الحياة اليومية، وتهدف إلى تكوين وبناء طلاب يستكشفون المشكلات ويبحثون عن حلول لها، وتغرس في نفوسهم روح العمل الجماعي والاجتهاد، وسلوك الالتزام والانضباط، ومهارات القيادة وتحمل المسؤولية، مع التركيز على التعليم الجماعي وعلى التخصصات العملية التي تعود بالنفع على الأمة والمجتمع. "أرينوري موري"، الذي كان أول وزير للتربية في اليابان وأصدر كتاباً عام 1873 بعنوان "التربية في اليابان"، أكد أن استقلال اليابان يفرض أن يكون تحقيق ثورة صناعية هدف التربية الأول، وهو الذي قال: "التعليم في اليابان ليس الهدف منه تكوين أناس يتقنون تقنيات العلوم والآداب، والفنون، وإنما هو تصنيع الأشخاص المطلوبين للدولة"؛ عبارات تعبر من دون شك عن الدور الذي أنيط منذ البداية بالنظام التعليمي كأساس لنهضة اليابان الحديثة.
من جهة أخرى عملت اليابان على نقل التكنولوجيات الحديثة من الغرب وتوطينها في البلاد، حيث كان المهندسون اليابانيون في البداية يتدربون على تلك التكنولوجيات ويحاولون إدخال تحديثات عليها، وهكذا تحقق لليابان رويداً رويداً استقلالها التكنولوجي المتميز الذي بلغته في القرن العشرين، إذ تحولت تدريجيا من بلد مستورد للتكنولوجيا إلى بلد مصدر لها وقادر على تطوير تكنولوجيات جديدة؛ بل إن المنتجات الصناعية اليابانية تتميز بجودة عالية وتحظى بشهرة عالمية.
غني عن البيان أن التقدم المذهل الذي حققته اليابان جعل منها دولة ذات ثقل وازن في العالم، بالأخص اقتصاديا وماليا وتكنولوجيا، فقد تجاوز إنتاجها المحلي الإجمالي 5 تريليونات دولار، وصنفت تصنيفا عاليا جدا وفقا لمؤشر التنمية البشرية، كما أنها اليوم عضو مؤثر في مجموعة العشرين G20 التي تضم أغنى الدول في العالم، وفي مجموعة الدول السبع الصناعية G7، وفي منتدى آسيا والمحيط الهادي، وتربطها شراكات مهمة مع دول عدة حول العالم، بما في ذلك دول رابطة "الأسيان"، والصين، والهند، وأمريكا، وأستراليا، وأوروبا، وإفريقيا، والشرق الأوسط الذي تستورد منه نحو 90% من احتياجاتها من النفط. كما تلعب اليابان دورا هاما في الأمم المتحدة، خاصة على مستوى التمويل.
وتعتمد الدبلوماسية اليابانية بشكل أساسي على عناصر القوة الناعمة، ومن بينها مفهوم الأمن الإنساني الذي يتجسد عمليا في مبادرات المساعدة الإنمائية التي تركز على المنح والمساعدات (اليابان تعتبر من أكبر الدول المانحة في العالم) وأيضا على بناء القدرات، والابتكار، وسيادة القانون، والدبلوماسية الثقافية، وبرامج التبادل العلمي (JET) وغير ذلك من أدوات القوة الناعمة التي تستثمر كوسيلة للترويج لقوة اليابان التجارية والاقتصادية على مستوى العالم.
التجربة اليابانية قد تواجه تحديات ترتبط بالمتغيرات الإقليمية والدولية، ومن بينها تلك المتعلقة بتحقيق التعافي الاقتصادي المستديم في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، لاسيما بعد الأزمة العالمية لعام 2008، التي أضيفت إليها اليوم تداعيات جائحة كورونا. وهناك تحدٍ هام آخر يتعلق بالصعود الصيني. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه رغم الدفء في العلاقات بين البلدين على المستوى الاقتصادي إلا أن هذه العلاقات تشهد فتورا على المستوى السياسي، على خلفية المشاكل العالقة بين البلدين، والمرتبطة بالتاريخ والجغرافيا، وكذلك على المستوى الإستراتيجي، إذ تنسق اليابان مع كل من الهند وأمريكا وأستراليا في إطار ما يعرف بالحوار الرباعي. وفي هذا السياق تشير بعض التقارير إلى أن اليابان رصدت نحو 50 مليار دولار للاستثمار في منطقة المحيطين الهندي والهادي. ومعلوم أن مبادرة الأندو-باسيفيك هي إستراتيجية مناوئة لمبادرة طريق الحرير الجديد الصينية.
وهكذا فإن بلاد الشمس المشرقة تعتبر قصة نجاح مذهلة بين الأمم، ومازالت تمد العالم بإضاءاتها العلمية وتقنياتها المبهرة، وستظل تجربتها التنموية تجربة فريدة وغنية بالدروس والعبر. ولعل من بين الدروس المستفادة ضرورة إيلاء الأولوية القصوى للتعليم بشكل عام وللتكوين التطبيقي بشكل خاص، وربطه بإستراتيجيات التنمية الصناعية على وجه التحديد، كشرط أساسي لأي إقلاع اقتصادي حقيقي، مع مواكبة التطور في مجال التكنولوجيات الحديثة من أجل المضي قدما في طريق النهضة المنشودة، هذا بالإضافة إلى مراعاة التوازن المطلوب للحفاظ على التقاليد والخصوصية الوطنية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.