مقدمة لم يكن قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 م.د، الصادر بناء على إحالة من 96 عضوا بمجلس النواب، مجرد ممارسة روتينية للرقابة القبلية على دستورية القوانين. بل مثّل لحظة مفصلية كشفت عن ديناميات الربط داخل البنية التشريعية المغربية. فمن خلال فحص منطق القرار عبر منظور نظرية الفاعل-الشبكة (Actor-Network Theory)، يتضح أننا لسنا أمام نص قانوني جامد، بل أمام "نقطة ارتكاز" تعيد صياغة العلاقة بين فاعلين متباينين: قضاة، برلمانيين، صحفيين، وفاعلين غير بشريين كالفصول الدستورية والتدابير الرقمية. حين يتحول القاضي الدستوري إلى مهندس شبكات إن تحليل هذا القرار عبر منظور نظرية الفاعل-الشبكة (ANT) يسمح لنا بفهمه ليس كنص قانوني جامد، بل ك" عقدة" داخل شبكة معقدة من الفاعلين البشريين وغير البشريين. تكمن أهمية القرار في تجاوزه القراءة السطحية للمواد الملغاة، ليغوص في فعل "الصيانة" الذي مارسته المحكمة. فبينما حاولت الحكومة تصميم عقدة مركزية تمنح الهيمنة لفئة الناشرين الكبار، تدخلت المحكمة لإعادة توزيع القوى. لقد قدمت ما يمكن تسميته ب" الرتوشات الدستورية" التي أنقذت المجلس الوطني للصحافة من انهيار محقق، محوّلة الصراع من مواجهة سياسية مباشرة إلى مخرج قانوني أنيق يحافظ على استقرار البنية الكلية للنظام. لقد ساهم في الشبكة فاعلين بشريين يضم نوابا حركوا الإحالة، وقضاة وقعوا القرار، وصحفيون وناشرون واكبوا المشروع. بالإضافة إلى فاعلين غير بشريين يشمل نصوصا دستورية (الفصول 6، 28، 70، 132...) عملت كوسطاء يحددون الشرعية، وتدابير رقمية (عدد المستخدمين، حصص التمثيل) التي فرزت القوى داخل المجلس. لم تكن المحكمة مجرد مؤسسة قضائية، بل هي مهندس للشبكة، تعيد توزيع القوى بين الفاعلين. تدخلها لم يكن فقط لإلغاء مواد مخالفة للدستور، بل لإعادة صياغة قواعد اللعبة بما يحافظ على استقرار النظام دون المساس بجوهر توازناته. هذا التدخل يمكن وصفه ب" فعل الصيانة"، أي إعادة تزييت المفاصل حتى تستمر الشبكة في العمل دون انهيار. بين التعددية والاحتواء رفضت المحكمة ربط القوة الاقتصادية للناشر بعدد المقاعد، معتبرة أن ذلك يكسر التعددية، كما أسقطت مواد مثل المادة 93 التي تشرك الخصم والحكم في نفس اللجنة، حفاظاً على مبدأ الحياد، واعتبرت أن ترجيح كفة الناشرين (9 أعضاء) على الصحفيين (7 أعضاء) خرق لقاعدة التوازن، بالإضافة إلى أنها رفضت المادة 49 التي تسمح لمنظمة واحدة بالاستحواذ على كل المقاعد، حمايةً للتعددية. دخل إلى المحكمة القانون رقم 026.25، وخرج منها قرار غير قابل للطعن. هذا القرار فكك صناديق سوداء أخرى مثل المادة 57 التي فرضت المناصفة تقنياً دون شروط إجرائية، معتبرة ذلك إخلالاً بانسجام الشبكة التشريعية، وحتى اللغة القانونية نفسها (مثل النقاش حول كلمة "الدعوى" بدل "الدعوة") لعبت دوراً في تشكيل الأمن القانوني. لم تكتف المحكمة بالمواد التي طعن فيها النواب، بل أثارت من تلقاء نفسها مخالفات دستورية أخرى، في ممارسة لما يمكن تسميته ب " الرقابة التلقائية". هذا يعكس رغبتها في ضمان الانسجام التشريعي ومنع تمرير نصوص متناقضة أو مستحيلة التطبيق. الخلاصة قرار المحكمة الدستورية كان بمثابة إعادة رص للشبكة، لضمان ألا يطغى فاعل واحد على بقية الفاعلين، وللحفاظ على استقلالية التنظيم الذاتي للصحافة كفضاء ديمقراطي. إنه تدخل يوازن بين حماية التعددية ومنع الهيمنة، لكنه يطرح سؤالاً مفتوحاً: هل نجحت المحكمة في تزييت مفاصل الشبكة الدستورية، أم اكتفت بترميز استمرارية الهيمنة؟ يبقى السؤال مطروحا: هل هو بالفعل فعل مقاومة أعاد الاعتبار للتعددية والديمقراطية داخل قطاع الصحافة؟