أربك قرار المحكمة الدستورية المتعلق بقانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة مسار دخوله حيز التنفيذ، بعدما قضت بإسقاط مواد وُصفت بالمحورية، لعدم انسجامها مع الضمانات الدستورية المؤطرة للحقوق والحريات. وأكدت المحكمة، في تعليلها، على ضرورة احترام مبادئ الشرعية والتناسب وحق الدفاع، مع التشديد على عدم المساس بالاختصاصات التشريعية المخولة للبرلمان. ويعكس هذا القرار توجه المحكمة الدستورية نحو تكريس التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة على أسس ديمقراطية وتعددية، بما يضمن استقلالية المجلس الوطني للصحافة وحياده، كما نبهت إلى أهمية انسجام وتوازن المقتضيات القانونية، بما يكفل قابليتها للتنزيل العملي ويحافظ على الثقة في المؤسسات المهنية، وذلك قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون ونشره في الجريدة الرسمية. وعلى مستوى الجوهر، حسمت المحكمة في مجموعة من المواد المثارة، وقضت بعدم دستورية خمس مقتضيات اعتبرتها مخلة بالمبادئ الدستورية المؤطرة لتنظيم قطاع الصحافة. ويتعلق الأمر بالبند "ب" من المادة الخامسة، بسبب اختلال التوازن في التمثيلية داخل المجلس الوطني للصحافة بين فئتي الصحافيين المهنيين والناشرين، حيث تم ترجيح كفة هذه الأخيرة عدديا دون سند موضوعي، بما يتعارض مع الأسس الديمقراطية المنصوص عليها في الفصل 28 من الدستور. كما صرحت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، لكونها حصرت الإشراف على إعداد التقرير السنوي للمجلس في "الناشرين الحكماء" دون إشراك ممثلي الصحافيين، معتبرة أن ذلك يمس بمبدأ المساواة والتوازن داخل الهيئة. وشمل الحكم بعدم الدستورية كذلك المادة 49، التي أقرت فوز منظمة مهنية واحدة بجميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين، وهو ما اعتبرته المحكمة مساسًا بمبدأ التعددية النقابية والمهنية المكرس دستوريا. وفي السياق ذاته، اعتبرت المحكمة أن الفقرة الأولى من المادة 57 غير دستورية، لفرضها شرط اختلاف الجنس بين رئيس المجلس ونائبه دون توفير آليات قانونية وتنظيمية تضمن إمكانية تحقيق هذا الشرط عمليا، مما أخل بمبدأ الانسجام والتناسق بين مقتضيات القانون. و قضت بعدم دستورية المادة 93، بسبب الجمع بين رئاسة لجنة الأخلاقيات وعضوية هيئة الاستئناف التأديبية، وهو ما يتعارض مع مبدأ الحياد وضمانات المحاكمة العادلة. في المقابل أكدت المحكمة أن باقي المواد المطعون فيها، ولا سيما المواد 9 و10 و13 و23 و44 و45 و55، لا تتضمن ما يخالف الدستور، معتبرة أن المشرّع مارس سلطته التقديرية في تنظيم المجلس الوطني للصحافة دون المساس بجوهر الحقوق والحريات الدستورية، مع احترام مبادئ الشرعية والتناسب والحق في الدفاع، وعدم التداخل مع الاختصاصات التشريعية للبرلمان. ويعكس هذا القرار حرص المحكمة الدستورية على تكريس التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة على أسس ديمقراطية وتعددية، وضمان استقلال المجلس الوطني للصحافة وحياده، مع التنبيه إلى ضرورة انسجام النصوص القانونية وتوازنها، بما يكفل قابلية تطبيقها ويحمي الثقة في المؤسسات المهنية، قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون ونشره في الجريدة الرسمية.