فى الثلاثين من شهر يناير الفارط 2026غادرنا من دار الفناء الى دار البقاء المطرب الفنّان الكبير الصّديق عبد الهادي بلخياط بعد مرضٍ عضال ألمّ به مؤخراً ، تغمّد الله الفقيد العزيز بواسع رحمته الذي كان وسيظلّ يسكن ويقطن قلوبَ الملايين من مُحبّيه ومُعجبيه فى بلاده المغرب وفى سائر البلدان العربية والمهجر . بعد هذا الفقد المفاجئ الذي آلمنا وفاجأنا ، وأقضّ مضاجعَنا ،ورمى بنا فى متاهات حزنٍ عميق،وأسىً بالغ نظراً للصّداقة التي كانت تجمعنا مع هذا الانسان النبيل، والفنّان العصاميّ الصّبور الذي شقّ طريقه نحو النجاح الكبير، والذيوع والانتشار الواسعين فى عالم الطرب والغناء ثمّ فى فنّ السّماع، والأمداح الدينية، والتصوّف فى آخر عمره . ناضل فى ظروف صعبة منذ سنٍّ مبكّرةٍ بعصاميّة نادرة الى أن أصبح يتربّع على عرش الأغنية المغربية المعاصرة بدون منازع. فى قاهرة المعزّ لدين الله أواسط الستّينيات من القرن الفارط حيث كنتُ أتابع دراستي العليا فى كلية الآداب بجامعة عين شمس، كنت إبّانئذٍ أقطن فى شارع المعالي وراء نادي هيليوليدو الشّهير، و غير بعيدٍ عن مقهى وحديقة "ميري لاند" الرّائعة وعن سينما "روكسي" بمصر الجديدة. وفى يومٍ من أيّام الله الخوالي سمعنا عن وصول مجموعة من الفنّانين المغاربة الى القاهرة الذين كانوا يشقّون طريقهم نحو الشّهرة والعمل على تطوير الموسيقى والفنّ الغنائي فى المغرب، هؤلاء الفنانون هم بالتوالي الموسيقار الملحّن عبد السلام عامر، والمطرب الواعد آنذاك عبد الهادي بلخياط ، والمطرب الرّقيق عبد الحيّ الصقليّ، والملحن الناشئ عبد الرحيم أمين . كان هؤلاء الفنانون المغاربة يقطنون فى حيّ الزمالك وهو من أرقى أحياء القاهرة فى فى ذلك الوقت ، فى عمارة غيرِ بعيدةٍ عن مقرّ سفارة المغرب فى ذلك الإبّان، ذهبنا أنا وثلاثة من الطلبة المغاربة الأصدقاء الذين كانوا يتابعون دراساتهم فى القاهرة، ذهبنا لنتعرّف عليهم ونرحّب بهم فى مصر كنانة الله فى إرضه . كان لقاؤنا بهم لقاءً أخوياً حارّاً دافئاً ، مُفعماً باالصّفاء والمحبّة، ومُترعاً بالمودّة واللطف، وكان واضحاً بيننا آنذاك فحوىَ وصدق المثل العربي القائل : " والغريبُ للغريبِ قريبُ ". ! خلال زيارتنا الوديّة لهم كان يوجد معهم الشاعر المصري الغنائي الرّاحل الذي سيملأ الدنيا آنذاك ويستمتع الناس بكلمات قصائده الجميلة التي تلقّفها كبار المُلحّنين ،ومشاهير المطربين والمطربات فى مصر والعالم العربي، وهذا الشاب الأنيق كان هو محمد حمزة ، واحتسينا أكؤس الشّاي المغربيّ الأخضر المُنعنع ، وتقاسمنا صحون وقصعات الكسكس ، وكلّ ما طاب واستطاب من الحلويات التي استقدمها معهم فنّانونا المحبوبون من المغرب، ولاحظنا انّ بعض هذه الحلويات التقليدية (من قبيل كعب الغزال، والملوّزة، والغريبيّة،والفقّاص وسواها) كانت مكسورة ومفتّتة، فأخبرونا أنّ رجال الجمارك عند نزولهم فى ميناء الاسكندرية عاينوها بلطف وفحصوا محتواها فى عملٍ روتيني عادي متواتر . كنّا نزورهم بين الفينة والاخرى، وفى مناسباتٍ أخرى أقمنا لهم ولائم مغربية فى منزلنا المتواضع بمصر الجديدة، ودُعينا ذات مرّة من طرفهم لحضور حفل غنائيّ أقامه فنان مطرب مغربي كان يتابع دراسته بالمعهد العالي للموسيقى ( الكونسيرفاتوار) الذي أسّسه المؤلف الموسيقيّ أبو بكر خيرت عام 1959، والذي كان يوجد فى شارع رمسيس . كان هذا المطرب الشاب الذي يدعى " عابد" قد حضر الى القاهرة هو الآخر لنفس الغاية. كان شخصاً لطيفاً خجولاً ،دائم الابتسام ، ولقد غنّى خلال هذا الحفل عازفاً على عوده الجميل أغنية "علاش يا غزالي" الشّهيرة للمطرب المغربي الرّاحل المعطي بلقاسم رحمه الله، ويبدو ان الاغنية لم تحقق النجاح المتوخىّ منها اذ كانت القاعة شبه خالية من الحاضرين .والتصفيقات الحارة التي حظي بها مطربنا الشاب جاءت على وجه الخصوص من الطلبة المغاربة الذين حضروا هذا الحفل الغنائي ، وكذا من وفد الفنانين المغاربة الحديث الوصول الى القاهرة وهما صاحبا رائعة "القمر الاحمر" عبد السلام عامر وعبد الهادي بلخياط ، وصاحب رائعة "ما أحلىَ إفران وما أحلى جمالو" المطرب عبد الحيّ الصقليّ من ألحان الفنّان ابراهيم العلمي تغمدهم الله بواسع رحمته، والملحن الصديق عبد الرحيم أمين الذي لحن إحدى قصائدي التي غنّاها المطرب الراحل عماد عبد الكبير والتي كانت تحت عنوان " أحلام الحبّ" و كان قد أخرجها للتلفزيون المغربي آنذاك المخرج الصديق محمد الغرملي . وعلمنا فيما بعد انّ الموسيقار الكبير محمد عبد الوهّاب قد استقبل فى منزله الملحن المغربي النابغة عبد السلام عامر( الذي كان ضريراً) والمطرب الصّاعد آنذاك الموهوب عبد الهادي بلخياط واستمع الى أغنية "القمر الأحمر" التي كتب كلماتها الجميلة الشاعر المغربي المعروف عبد الرّفيع الجواهري وهو فى سنّ العشرين من عمره، وهي من تلحين عبد السلام عامر عام 1963وأداء عبد الهادي بلخيّاط ، وكانت هذه الاغنية قد حقّقت نجاحا ًواسعاً منقطع النظير فى المغرب وفى العديد من البلدان العربية ، وأعجب الموسيقار محمد عبد الوهاب إعجاباً كبيراً بهذه الاغنية التي عشقها المغاربة قاطبةً . وذات يوم زرتُ أصدقائي الفنانين المغاربة فى منزلهم بالزّمالك، و بينما كنّا نتجاذب أطراف الحديث من كلّ نوع حدثت مشادّة مفاجئة بين عبد السلام عامر والشاعر الغنائي المصري محمد حمزة ، لم نعرف كنهها ولا سببها ودخلا فى نقاش حادّ بينهما ، وصار عبد الهادي بلخياط ينظر اليهما دون ان ينبس ببنت شفة ولم يرقه ما كان يحدث بين الرجليْن فأومأ لي بأن ننصرف ، وكان الأمر كذلك ،خرجنا نحن الاثنين فى هدوء إلى خارج المنزل ، وكان السيّ عبد الهادي قد اشترى سيارة صغيرة كان يتنقل بها بين الاذاعة المصرية التي كان يسجّل بها بعض أغانيه وبين أصدقائه وبين صديقة له مصرية كانت تعمل فى أجزخانة (صيدلية) كبرى فى القاهرة. وخلال الطريق من حيّ الزمالك الى وسط البلد وعلى وجه الدقّة الى شارع 26 يوليو وهو من أهمّ شوارع القاهرة آنذاك بجوار دار القضاء العالي لنحتسي فنجان قهوة فى مقهى شهير يسمّى "جرُوبّي" كنا نؤمّه بين الفينة والأخرى، وكنت ألتقي فى هذا المقهى الأنيق كذلك بالصّديق الشاعر الزجّال المغربي المميّز حسن المفتي خلال وجوده فى القاهرة ، وهو شقيق الراحل الاديب محمد المفتي الذي كان سفيرًا للمغرب فى البيرو رحمهما الله . عندما غادرنا المنزل وانطلقت السيارة تجوب شوارع الزمالك الفسيحة قال لي السيّ عبد الهادي: سأسمعك رائعة عبد الحليم حافظ ، ومحمدعبد الوهاب من كلمات الشاعر كامل الشناوي أغنية "حبيبها"، التي تروقني كثيراً ، فصار يغني سهواً أو عن قصد مقطعاً من أغنية "لا تكذبي" لنفس الشاعر بحماس منقطع النظير ، وعندما وصل الى الفقرة التي يقول فيها الشاعر : ( ويشبّ فى قلبي حريق ..ويضيع من قدمي الطريق) كان يغلق عينيْه قليلاً ، فقلتُ له مازحاً : أسيدي عبد لهادي راك انت كدسوق فى القاهرة افتح عينيْك .!.عندئذٍ قاطعته قائلاً له : هذا المقطع هو من أغنية "لا تكذبي" وليس من أغنية "حبيبها"، ابتسم قليلاً ثم عاد يصدح على الفور مغنياً من جديد ويقول بصوته الجهوري الرّخيم الذي يميّزه : "وعانقتني وألقتْ برأسها فوق كتفِي …تباعدتْ وتدانتْ كأصبعيْن فى كفِّ.." وهو يحرّك أصبعيْ السّبابة والوسطىَ من أنامله ، فقلت له : الله الله.. تبارك الله عليك أسيدي عبد الهادي. وبعد قليل وصلنا الى شارع 26 يوليو ، وركن السيارة بجوار الأجزخانة إيّاها ،وجلسنا فى مقهانا الأثير، واحتسينا فنجانيْن من القهوة المصرية المركّزة إحداها سادة، والثانية التي كانت لي بسكّر زيادة ! ثمّ ودّعته بعناقٍ حار، وتمنّيت له كلّ النجاح فى مشاريعه الغنائية المستقبلية، وإقامة طيبة فى مصرالمحروسة . كنّا نلتقى بين الفينة والأخرى مع زملائه الذين رافقوه فى رحلة التحصيل الفني والتكوين الموسيقيّ فى بلدِ كانت وما تزال تُعتبر أهمّ وجهةٍ للفنّ الرفيع، والموسيقى الرّاقية فى العالم العربي برمّته . وفعلاً عاد المطرب بلخياط بعد سنوات الى مصر الفيحاء ، ولحّن له عبقريّ الموسيقىَ العربية المرحوم بليغ حمدي أغنية جميلة بعنوان : " نرتاح فى العمر ليلة" من كلمات الشّاعر المصري عبد الرحيم منصور، وكان المطرب بلخياط قد أحيا بهذه الأغنية حفلاً موسيقياً كبيراً فى القاهرة بعنوان "رحلة حبّ "عام 1975حيث تسنّى للجمهور المصري الذوّاق للفنّ الرفيع أن يتعرّف عليه عن قرب. مرّت عجلة السّنين تجري مهرولةً بلا رحمة ، وبعد ذلك قرّرت الجماعة العودة الى أرض الوطن الغالي ، وبدوري عدتُ الى المغرب بعد تخرّجي من الجامعة عام 1970 ، واثر عودتي التحقت للعمل خبيرًاً فى مكتب تنسيق التعريب فى العالم العربي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( الألكسو) التابعة بدورها الى جامعة الدول العربية والذي كان يوجد مقرّه الدائم فى الرباط ، وكان وقت الدوام للعمل فى هذا المكتب من السّاعة التاسعة صباحاً إلى الثانية بعد الظّهر. ولما كان لي متّسع فسيح من الوقت فى فترة الظهيرة المسائية خطر لي أن أستأذن مدير المكتب العلاّمة الجهبذ، واللغوي الضلّيع المشمول برحمة الله الرباطي عبد العزيز بنعبد الله ، إستأذنته للعمل فى بعض المرافق والقطاعات الثقافية والاعلامية والتعليمية فى أوقات الفراغ ، فأذن لي مشكوراً بذلك، وطفقتُ أتعاون مع دار الإذاعة والتلفزيون المغربي بدار البريهي لإعداد عدّة برامج اذاعية وتلفزيونية ذات الطابع الثقافي على وجه الخصوص ، كما كنت أقوم بعملية الرّبط بين فقرات البرامج، وتقديم بعض نشرات الأخبار ،والبرامج الترفيهية ، والسّهرات الفنية والغنائية داخل دار مقر التلفزيون أو فى بعض المدن المغربية . وخلال هذه السنواتٍ سيهيّئ لي القدر اللقاء من جديد فى دار البريهي مع صديقي القديم فى القاهرة صاحب الحنجرة الذهبية عبد الهادي بلخياط بين الفينة والاخرى، وسررنا نحن االاثنين بهذه اللقاءات الجديدة وكثيراً ما كنا نلتقى من باب الصّدفة داخل دار الاذاعة والتلفزيون المغربي حيث كنت أعمل فى الفترة المسائية ،كما كنّا نرتاد مقاهى الرباط مثل مقهى "باليما" الشّهير الذي يوجد بشارع محمد الخامس قبالة البرلمان المغربي ،وكذا مقهى "السّفراء " الذي يوجد قبالة المبنى الرئيسي لبريد المغرب حيث كان يؤمّ هاذين المقههيْن غير قليل من المثقفين ،والكتّاب، والشّعراء، والفنانين المغاربة أمثال الصّديقان الغاليان الاديبان إبراهيم الخطيب ،ومحمد بوخزّار، بارك الله فى عمرهما، فضلاً عن الأديبين الكبيرين محمد العربي الخطابي،ومحمد الصبّاغ،والدبلوماسي محمد المفتي، والشاعر باللغة الفرنسية كمال الزبدي، والشاعر الغنائي الزجال علىّ الحداني رحمهم الله ، وسواهم وهم كُثُر. وإن نسيت، فلن أنسى قطّ ما حييت يوم هيّأ لنا القدر حظوة اللقاء فى عمل فنّي مشترك حيث كانت إدارة التلفزيون قد كلّفتني وعُهد لي بتقديم السّهرة الغنائية الخاصّة للفنان الكبيرعبد الهادي بلخياط بمدينة وزّان الفيحاء عام 1976 ،وخلال هذه السّهرة التي كانت قد عرفت نجاحاً كبيراً ما زلت أتذكّر أنني قلت عند تقديمه مخاطباً الجمهور الوزّاني الغفير الذي كان يملأ القاعة الكبرى التي جرى فيها الحفل ما مفاده : " يطيب لي، ويسرّني غاية السّرور أن أقدّم لكم فناناً فريداً ومطرباً من طراز رفيع الذي ترجع صداقتي به لسنواتٍ بعيدة خلت والتي أعتزّ بها إعتزازاً كبيراً ، فلنستمع ولنستمتع إذن على ضفاف و فى سفح جبل بوهلال الشّاهق بصاحب الحنجرة الذهبية فى بلادنا عبد الهادي بلخياط ". دنا منّي مطربنا الكبير، وسلّم عليّ بحرارة وشكرني على الكلمات التي فهت بها فى حقه، وسألني بصوتٍ خفيض : كيف عرفتِ إسم الجبل الكبير الذي يحيط بالمدين ؟ فقلت له سألت " باشا المدينة " قبل افتتاح الحفل . وانطلق صوته الصّادح يُمتِع ويشنّف أسماع الجمهور الوزاني المتعطش الى فنه الجميل فى تلك الليلة المقمرة الغرّاء . وبعد أن التحقت للعمل بعد سنوات فى السلك الدبلوملسي شاءت الأقدار مرّة أخرى أن نلتقي أوائل الثمانينات عند مدخل فندق " الدارالبيضاء" الكبيرالذي كنت أقيم فيه فى تلك الليلة رفقة زوجتي حيث كنّا سنتّجه فى الصّباح الباكر الى مطار النواصر لركوب الطائرة التي ستقلّنا الى العاصمة الليبية طرابلس ، حيث كنت قد عُيّنت فى منصب الشّخص الثاني فى سفارة المغرب بهذا البلد الشقيق الى جانب السفير المغربي المُحنّك المعطي جوريو رحمه الله الذي كان قد عيّن سفيراً للمغرب في ليبيا قادماً من مدريد بعد التصالح الذي حدث بين المغرب وليبيا فى مؤتمر نيروبي الثاني الشّهير بعد ان تعهّد قائد الثورة الليبية آنذاك الرّاحل معمّر القذافي بعدم تسليم الأسلحة للبوليزاريومن جديد من قبيل صواريخ سام 6 وما أشبه. وعند مقهى المدخل الرئيسي الفسيح للفندق جسلنا هنيهة لنحتسي كأس شاي مغربي منغنغ تقدّمه إدارة الفندق لنزلائه فقلت للسّي عبد الهادي : لعلك تزورنا فى ليبيا فى القريب لتحيي سهرة غنائية هناك ففي هذا البلد يوجد الكثير من عشاق أغانيك الجميلة -حسب علمي- ، فقال لي : أرجو فعلاً ان يتمّ ذلك فى مستقبل قريب، وتمنّى لي النجاح فى مهمتي الدبلوماسية الجديدة ، وحيّاني بلطف وانصرف لأنّ مرافقيه كانوا ينتظرونه عند مدخل الفندق . كانت العلاقات الثنائية المغربية الليبية قد عرفت ظاهرياً آنذاك نوعاً من التحسّن كما سبق القول، ولكن الرّياح سرعان ما جاءت بما لا تشتهيه السّفن بعد أن تطاول القذافي من جديد على بلادنا فى إحدى خطبه فى مناسبة ذكرى الثورة الليبية فى الفاتح من سبتمبرمن عام 1981 ، فاستُدعِي السفير المعطي جوريو للتشاور الى المغرب وبقيت أنا كقائم بأعمال السفارة لعدّة أشهر، ثم سرعان ما عدتُ أدراجي الى مدريد من حيث أتيت بطلبٍ هذه المرّة من السفير الدبلوماسي الشّجاع المناضل الشريف سيدي عبد الحفيظ القادري رحمه الله، ولم يتأتّ لي فى خضمّ هذه الظروف الصّعبة والعويصة التي أمست تعرفها العلاقات المغربية الليبية أن أعمل على تنظيم حفل غنائيّ للفنّان المحبوب عبد الهادي بلخياط فى ليبيا فى ذلك الوقت . و لكن لم تلبث أن تمرّ بضع سنوات حتّى قيّض الله لعبد الهادي بلخياط بالفعل أن يُحيي حفلاً موسيقياً رائعاً فى ليبيا وغنّى فيه أغنية جميلة بعنوان " غنّي لي الليلة" من كلمات الشّاعر الليبي علي فهمي خشيم، والحان الموسيقار الليبي علي ماهر.كما أحيا عبد الهادي بلخياط فى العديد من المناسبات غير قليل من الحفلات، وشارك فى العديد من المهرجانات الموسيقية والغنائية الكبرى فى مختلف العواصم العربية وحقق فيها نجاحاتٍ باهرة. هذه بعض لقاءاتي وذكرياتي مع هذا الفنان الكبير، مطرب الزّمن الجميل عبد الهادي بلخياط الذي ترك لنا خزانة حافلة بمجموعة من أغانيه الجميلة الخالدة التي ما زلنا نتغنّى بها، وما انفكّت تصدح فى المغرب والعالم العربي وبلاد المهجر أمثال : " القمر الأحمر" و" الشّاطئ"و"قطار الحياة "و"يا داك الانسان" و " ما تاقش فيّا" و"يا الغايب" وسواها من الأغاني التي تعتبر درراً ثمينة فى تاريخ الغناء المغربي المعاصر التي صدحت بها حنجرة هذا المبدع الفريد فى مختلف المناسبات، هذا المطرب الذي غنّى منذ نعومة أظفاره بالدارجة ( العاميّة) المغربية وباللغة العربية الفصحى بألمعيّةٍ فائقة، واحترافيةٍ عليا فشنّف أسماعنا ، وأسعد قلوبنا، وأنعش أرواحنا، رحمه الله وطيّب ثراه . كاتب وباحث ومترجم من المغرب ، عضو الاكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم بوغوطا كولومبيا.