الحرب بالنسبة لنا صارت موسماً أو فصلاً من مواسم وفصول الأيام… أرفع رأسي نحو السقف، كما فعل العقيد الليبي زمن سطوته ودكتاتوريته الخضراء… أقرأ في سقف غرفتي الصغيرة عناوين تشبه عناوين قنوات التلفزيون التي تبثها في أسفل الشاشة تحت عنوان "عاجل"… أقرأ الحروب التي رافقت سنوات عمري، وصولاً إلى الحرب الجارية الآن… وعندما وعيتُ وانتميتُ، واصطففتُ حيث قادني وعيي الطبقي وفهمي الإيديولوجي، كنتُ باستمرار أخرج مهزوماً، الفرح ضئيل في حروبي، وما يلبث أن ينقلب إلى النقيض. فعلاً.. دأبنا ألا نسمي الأمور والأشياء بأسمائها، الهزيمة هي "نكبة" أو "نكسة"، أو خسارة معركة وليست خسارة حرب، بل هي "نصر مبين" وعلينا أن نفتح أعيننا جيداً على ما تكبده العدو من خسائر، لعلها خسارات لا تبدو في لحظتها، لأنها خسائر نفسية ومعنوية… *** في غمرة هذا الانكسار، أستحضر كلمات أغنية "البيتلز" الخالدة: "أنا لست نصف الرجل الذي كنته.. هناك ظل يخيم فوقي.. أوه، لقد مر الأمس فجأة". تعبر هذه الكلمات بدقة عن ذاك الوعي الذي استيقظ ليجد نفسه غريباً عن ماضيه، مثقلاً بظلال الهزائم التي غيّرت ملامح الروح. العزاء أن "تلك الأيام نداولها بين الناس"، وأن المستقبل لنا.. لكن.. كيف لنا أن نحافظ على انتمائنا في عداد الناس وننتظر أخذ فرصتنا في الانتصار؟ هل ما زلنا نُعتبر في عداد بني البشر وليس الناس؟ *** أتجول بين الفضائيات، ما من فضائية إلا وحشدت مراسلين لها من عواصم مختلفة، العواصم التي لها صلة بالحرب وتداعياتها طبعاً، لكن باقي العواصم الأخرى ليست بعيدة، بل هي في قمقم اللهيب.. إضافة إلى المراسلين، جمعت واستدعت مَن يُطلق عليهم "الخبراء الاستراتيجيون" والمحللون السياسييون ومتقنو اللغة الكلمنجية.. فكم من خبير مستعد لأن يقدم الرأي ونقيضه حسب لون وتوجه القناة.. والأذكياء بينهم مَن يتكلمون من دون أن يقولوا شيئاً، هؤلاء هم الخبراء الذين يستحقون اسمهم ووظيفهم! *** اختار ترامب لهذه الحرب اسم "الملحمة الكبرى"، هو الذي يعتبر نفسه من بطلا ملحميا من أبطال التاريخ… أما نتنياهو فقد سماها في البداية باسمٍ من التراث اليهودي قبل أن يستدرك ويغيره إلى اسم "زئير الأسد". لا يستلهم نتنياهو من الأسد شجاعته وشهامته، لكنه يحب فيه لقب "ملك الغابة" وسيد الحيوانات، و"الغوييم" من غير قوم موسى هم في نظره حيوانات قرابين منذورة للافتراس… أتذكر هنا اسم منتخب المغرب في كرة القدم "أسود الأطلس"، ومعها أسود منتخبات كروية أخرى، وأتوقف عند لقب منتخب الكاميرون "الأسود غير المروضة".. أحبُّ أكثر هذا التمرد العصي على التدجين، فالأسد لن يكون أبداً أرنباً أو حملاً. *** بعد سقوط الشاه ضاقت به الدنيا ولم تقبل بلدان عديدة استقبال طائرته التائهة في السماء. لكن ملك المغرب الحسن الثاني استقبله واستضافه أياماً في قصر "الجنان الكبير" بمراكش، قبل أن يتجه مع زوجته الشاهبانو وأولاده إلى جزر الباهاماس… أتذكر جمهور نادي الرجاء البيضاوي، قبل زمن ألتراسات المشجعين، وهو يرفع في الملعب الشرفي بالدار البيضاء شعارات الاحتجاج المدوية ضد استضافة الدكتاتور الإيراني الهارب… وكان المغاربة مع ثورة الإمام الخميني… يقول لي رفيق: "ثورة الخميني ثاني ثورة عالمية حقيقية بعد ثورة أكتوبر 1917". لكن ما الذي يجمع بين الثوار البلاشفة وآيات الله في قم وطهران؟ ما الصلة بين لينين والخميني؟ هل لأنهما قادا الثورة من الخارج وعادا إلى البلاد بعد سقوط النظام.. غير أن صديقي بولس. ش. يردد بجدية أن الشيوعية هي أيضا دين… قبل أن يضحك قائلا: لن نبتعد كثيرا عن المعنى إذا قلنا آية الله الإمام لينين والرفيق الخميني… *** مع قيام دولة الملالي تم إحياء صراع ديني قديم مضت عليه قرون، صراع بين الشيعة والسنة، ورُسمت معالم ما سُمي ب "الهلال الشيعي"… استقوى آيات الله باستنبات أذرعٍ في منطقة الشرق الأوسط، وعلى مدى يدنو من خمسة عقود وقعت اغتيالات طالت كل من يختلفون مع تلك السياسة… أكتفي هنا بذكر اسم المفكر اللبناني حسين مروة والمثقف لقمان سليم… دون نسيان السنوات الثماني الطويلة التي استغرقتها حرب العراق وإيران… تلك الحرب التي حصدت أرواح الملايين، والتي وزع فيها الخميني مفاتيح بلاستيكية صُنعت في الصين، طُوق بها رقاب المحاربين على أساس أنها مفاتيح الجنة!.. ولما وضعت الحرب أوزارها، اعتبر الخميني قبول نهايتها بمثابة "تجرع السم". هي الحرب التي انتهت من دون غالب ولا مغلوب، وفق ما خطط له الغرب، لكن كل طرف فيها ادعى النصر، فوسمها صدام ب "أم المعارك" تارة، وب "قادسية صدام" تارة أخرى، بينما أطلق عليها الخميني اسم "الدفاع المقدس"… *** لقد ناصبَ الحسن الثاني الخمينيَّ العداء، وسعى جاهداً لاستصدار فتوى شرعية تخرجه من مِلة الإسلام، وهو ما صرح به جهاراً في خطاب تاريخي مباشر بَثّه التلفزيون المغربي سنة 1984… ومنذ ذلك الحين، دخلت العلاقات الدبلوماسية بين الرباطوطهران نفق المد والجزر، فما أن تُستأنف حتى تتقطع أواصرها من جديد، واكتملت فصول هذه الخصومة حين اتهمت الرباططهران صراحةً برعاية ميليشيات البوليساريو الانفصالية ودعمها. *** ظلت فرح ديبا أرملة الشاه وفيةً للمغرب، تزوره وتُقيم فتراتٍ في الجنوب بمدينة تارودانت، وشوهدت مراراً في حضرة مهرجان موسيقى "كناوة" بالصويرة.. وفي إحدى الصور، بدت الشاهبانو وهي تفترش الأرض كأي امرأة بسيطة لم تكن في السابق ملكة، وكأنها تبحث في نغمات هجهوج "كناوة" عن تلك الروحانية والحزن والجذب الذي يشفي الآلام المستعصية على الطب الحديث.. عاشت فرح حزينة، على نقيض اسمها الغامر بالمسرة.. تتنقل اليوم بين باريس والولايات المتحدة، لكنها تواظب سنويا بشموخ منكسر على إحياء ذكرى الإمبراطور في ضريحه بالقاهرة. وفي المقلب الآخر، يبدو ابنها الأكبر وكأنه لا ينام، يستعجل الساعات والدقائق والثواني ليعود إلى طهران متوجاً، منتقماً لوالده وأجداده، مدعوماً بجيش ترامب وقوات إسرائيل… لكن مَن يُفهم سليل الشاه أن حلمه يقف على شفا كابوس؟ فهو مرفوضٌ مرفوضٌ من الوجدان الجمعي للشعب الإيراني، وعجلات التاريخ لن تعود القهقرى إلى الوراء. *** الحرب بدأت وستنتهي.. لكن لا يمكن دائماً تحديد أمدها أو التحكم في نتائجها. بيد أن ما نقرؤه على أرض الميدان ليس في صالح القادة الإيرانيين، إذ تبدو الحرب بين مَن يحاربون بالرماح وبين مَن يملكون الصواريخ.. وحتى لو امتلكت طهران التكنولوجيا الجديدة، فلن تتفوق على واشنطن وربيبتها إسرائيل.. وليس السلاح وحده مَن يحدد النتيجة، بل الاختراق البشري الذي ينخر أسس النظام. يقول الخبراء إن ترامب سيكتفي بقطع الرأس ويُبقي على الجسد يتحرك كأفعى مقهورة، لكن نتنياهو يسعى إلى سحق الجسد كاملاً وإقامة نظام موالٍ تابع. مَن سيربح؟… رهانٌ لن يدخله إلا مقامرٌ تستوي لديه ضغطة مسدس الروليت… هي "ربحة أو ذبحة" كما يقول مثل مغربي. *** وعذراً على هذه الخواطر والتأملات المهزومة بنصرٍ "متحور".. أوقفتني هنا لفظة "التحور" هذه، لأنها في لغتنا تجمع أحرف "الحرية" و"الحوريات" و"الروح" و"الرحى" و"الحور"… نصرٌ متحورٌ تماماً مثل الفيروسات الجديدة، وعلى رأسها فيروس كورونا الذي ظهر أول مرة في الصين ثم تحور… آه.. لا يسأل أحدكم عن الصين ولا عن روسيا… نختم بطرفة مغربية نشرها بالعامية مدون فيسبوكي، تقول: إن صاحب الدكان حين تقع مشاجرةٌ أمام باب محله، يعمد بسرعة إلى إقفال دكانه، ويقف متفرجاً على زبائنه المتشاجرين… الصين هنا، ومعها روسيا، هما صاحبا الدكان الموصود الآن. لا يؤاخذني أحد، وليعتبر كلامي هذا مجرد هذيان محموم. سأغلق التلفزيون وأتحرر منفكّاً من خيوط الشبكة العنكبوتية، ولن أنتظر نتيجة الحرب مهما كانت، فبلغة كرة القدم، نحن صرنا في عداد المقصيين من المشاركة في "مونديال النصر"، خاصة وأن الحكام، بمن فيهم حكام "غرفة الفار"، يقفون جميعاً ضدنا… فكما قال درويش "لا شيء يعجبني".. لكني سأضيف بأنه لا شيء سيعجبني.