يرى "أمارتيا سن" أن عقلانية فعل ما تكمن في كونه قادرا "بالحجة والمنطق على اجتياز اختبار الامتحان النقدي". تتنوع العلاقة بين مصطلحي العقلانية والمعقولية، فنجد التناقض أو التضاد القطبي من جهة أولى، والتماهي المصطلحين من جهة ثانية، والتداخل من جهة ثالثة. ونعتقد في إمكان استخدام هذين المصطلحين لقراءة موقفين متمايزين من موقف سياسي عموما، ومن الموقف السياسي من النظام الإيراني خصوصا. فإذا كان الحياد أمرا مستحيلا من حيث المبدأ في المعرفة عموما، وفي تلك المتعلقة بالشؤون السياسية خصوصا، فهذا لا يعني أن تلك الاستحالة تفضي إلى استحالة بلوغ درجة من الموضوعية، والموضوعية هنا، بوصفها سمة للمعرفة، تعني التعبير الدقيق نسبيا وجزئيا، عن الواقع الموضوعي، كما يبدو لنا، من منظور ما. وإذا اتخذنا من حالة العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران مثالا لتوضيح هذه الفكرة، يمكن تفهم العوامل التي أفضت إلى المماهاة بين الحياد والموضوعية، أو بين عدم الحياد وعدم الموضوعية، إذا انتبهنا إلى ممارسة بعض المتحزبين الأيديولوجيين الذين يغضون الطرف، بوعي أو من دونه، عن سلبيات الاتجاه الذي يؤيدونه وعن نسبية الحقيقة التي يمثلها ومحدوديتها؛ فبعض مؤيدي "النظام الإيراني" يرون في أي انتقاد أو حتى نقد لبعض الممارسات السلبية (تصدير الثورة، زعزعة استقرار دول الجوار، نشر التشيع…)، موقفا غير ملائم وغير مقبول. وسعى المتحيزون إلى إنكار هذه الممارسات أو تبريرها أو التقليل من أهميتها. وذهب البعض في دفاعه عن النظام، إلى درجة إنكار حصول هذا الأمر أصلا. لم يستطع البعض وهنا أسميهم ب"العقلانيين" فهم النظام الإيراني، لأنهم أرادوا التفكير من خلال منطق غريب عنه، منطق العقل الحسابي الذي لا يرى مسوغا للفعل سوى النتائج الإيجابية التي يمكن أو يرجح أن يفضي إليها، أما المعقولية ذات البعد الأخلاقي – النفسي التي تربط الفعل بحيثياته وسوابقه، أكثر مما تربطه بنتائجه وبالمصالح الخاصة أو العامة التي يحققها، فقد ظلت هامشية أو غائبة، في ظل هذا المنطق. تختلف المعقولية عن العقلانية في كونها لا تتأسس بالدرجة الأولى، على المصلحة النفعية، بغض النظر عن كون هذه المصلحة عامة أو خاصة، كما أنها لا تنبني على حسابات المكاسب والخسائر؛ وعليه، هي لا تضع نتائج الفعل معيارا لمحاكمة مدى ضرورة القيام به أو عدمها. ما هو معقول يتحدد وفقا لمدى المقبولية الأخلاقية – النفسية للفعل أو للواقع الذي يتعامل معه. وهكذا تحيل المعقولية على "حساسية أخلاقية" تفتقدها العقلانية الحسابية، كما يقول جون رولز، في سياق تمييزه بين المعقول والعقلاني. وفي حالة العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، تقتضي المعقولية إدانة هذا العدوان والاصطفاف السياسي مع الضحية والعمل على إيقاف هذا الوضع غير المقبول، أخلاقيا ونفسيا؛ أما العقلاني فربما يمتنع عن التدخل و وإعطاء موقف، إذا اعتقد أنه لن يستطيع تحقيق مصلحة ما من وراء هذا التدخل، وأن مصلحته الخاصة قد تتضرر بشدة من جراء هذا التدخل. ونجد في حالة النظام الإيراني مثالا نموذجيا على جهل العقلانية أو تجاهلها أسس الفعل الثوري وحدود معقوليته. فثمة من ينتقد النظام الإيراني؛ لأن قيامه أفضى إلى نتائج كارثية على مستوى دول المنطقة ومجتمعاتها وأفرادها، في الوقت نفسه. ويتجاهل هؤلاء المنتقدون، إلى درجة ما، أن الثورة الإيرانية ونتائجها الكارثية هي، في مجملها وبدورها، نتيجة "طبيعية" لقمع وحشي، وفساد شامل تاريخي، استمر لعقود بدعم وتمويل وتخطيط من قبل أمريكا والغرب الاستعماري، خدمة لمصالحه الاقتصادية بترسيخ هيمنة إسرائيل سياسيا وعسكريا وتكنولوجيا على المنطقة لخدمة هذه المصالح. إن استمرار النظام الإيراني هو انتصار لشجاعة المعقولية الرافضة، على جبن العقلانية الخاضعة. التي يعتقد أتباعها أن النتائج الكارثية ينبغي أن تدفع –بالضرورة- النظام الإيراني إلى إعادة "حساباته" و"الاستسلام" على الأقل مؤقتا، لتجنيب البلاد والمنطقة الدمار الشامل. إن الفعل العقلاني متأسس على العقل الحسابي، وهو فعل مدفوع بالمصلحة الخاصة أو العامة التي يمكنه تحقيقها، ويكون ناجحا ومسوغا بقدر تحقيقه هذه المصلحة. وهنا نستحضر مفهوم العقلانية لدى "أمارتيا سن" الذي يرى أن عقلانية فعل ما تكمن في كونه قادرا "بالحجة والمنطق على اجتياز اختبار الامتحان النقدي". فهل يستطيع "عقلانيونا" اجتياز الامتحان النقدي لمواقفهم المرتبطة أساسا بالتطبيع مع إسرائيل وعدم إدانة جرائهما في حق الشعب الفلسطيني المظلوم بدعم من أمريكا والدول الغربية الاستعمارية؟ عدم ضرب كل المواثيق والعهود والقوانين الدولية وخرج جميع الاتفاقات باعتماد منطق القوة وفرض سياسة الأمر الواقع على الدول والشعوب؟ استخدام الأسلحة المحظورة دوليا ففي حالة بعض "العقلانيين" فالأمر تجاوز التزام الحياد السلبي إلى إدانة الضحية بحجج قد تبدو منطقية لكنها بعيدة عن الواقع السياسي الراهن في محاولة تورية واستتار للموقف الحقيقي وهو الاصطفاف خلف الطرف الآخر خوفا من "عار" الوقوف إلى جانب إسرائيل.