سعيد شبار .. من القلق الإصلاحي إلى الطمأنينة المنهجية قراءة في كتابه "الفكر الإسلامي المعاصر.. منهجية التعامل مع المصادر" انتقل الأستاذ سعيد شبار في مؤلفه الجديد "الفكر الإسلامي المعاصر..منهجية التعامل مع المصادر واستعادة المعرفة السننية مدخلا للتجديد" (ج1، مركز دراسات المعرفة والحضارة، ط1، 2025)، من سؤال: هل نجدد؟ إلى سؤال: كيف نتعامل مع المصادر؟ وليس في الأمر تخلٍ عن شاغل التجديد كما قد يبدو للبعض، وإنما تحول من "الخطاب العام" الذي طبع ولا يزال الفكر الإسلامي المعاصر، إلى "خطاب إبستيمولوجي منهجي" أكثر انضباطا. فلم يعد الاجتهاد في حد ذاته محورا مستأثرا بالنقاش، وإنما زاحمته محاور أخرى كطبيعة النص وآليات القراءة وشروط التأويل، ومناهج التعامل مع القرآن والسنة والتراث، وأخيرا العلاقة الممكنة بين المصادر والواقع. قد يتساءل أحدهم، بأن التحول من سؤال لآخر، إنما هو تساوق طبيعي مع حاجيات المرحلة الفكرية المعاصرة، وهذا صحيح، غير أن ما يمكن عده إضافة في هذا الكتاب هو انتقاله من مستوى "الدعوة إلى التجديد" إلى مستوى "التأسيس لمنهج منضبط للتجديد"، وهو غرض فكري هام، لا يقف عند مطلب تجديد الخطاب فحسب وإنما تجديد آليات ومداخل التفكير نفسها. والسؤال الآخر الذي يفرض نفسه هنا، متعلق بسمات الخطاب المصاحب للحظة صدور هذا الكتاب، والتي جعلت صاحبه – كما نزعم – يسلك في تأليفه هذا المنحى، ويمكن أن نجملها فيما يلي: صعود خطاب التطرف وانحساره، وجدل الدولة المدنية والشريعة، وتوسع دائرة النقاش حول القراءات الحداثية للنص الديني، بالإضافة إلى الثورة الرقمية الجارفة وتأثيرها على تداول المعرفة الدينية. وعليه، فإن هذه السمات تحمل مبررات كافية للتفكير في سؤال التعامل مع المصادر، التي يحتاج الدارسون اليوم مزيدا من الضبط المنهجي في التعامل معها، حتى يكون الخطاب المتولد مستجيبا لتحديات لحظته المعاصرة، ويتخلص من ضعفه الذي يشوه ما كان عليه الفكر الإسلامي من إشعاع فكري بارز. قبل أن نعرض باختصار لما نراه أهم الخلاصات المنهجية التي تضمنها الكتاب، لابد أن نؤكد على مسألة مرجعية فيه، وهي تصور شبار للفكر الإسلامي، أو الطريقة التي يراه بها، والتي نعتقد بأنها مهمة وتحمل جرأة ومغايرة كبيرة في تصور هذا المجال الفكري الهام. إن الفكر الإسلامي عند شبار -حسب عبارته- واجهة أمامية للمعرفة الإسلامية، بمعنى أنه ليس ترفا فكريا كما قد يتصوره البعض، وليس فرعا معرفيا يقع على هامش العلوم الإسلامية، بل هو "صياغة ثانية لعلوم الدين والشريعة في علاقتها بالإنسان والواقع"، باستطاعته اقتحام مواطن فكرية خاصة والخوض فيها دونا عن غيره من صنوف المعرفة التي ولدتها الحضارة الإسلامية، وهنا تنكشف أمامنا سمة أخرى، تميز خطاب شبار، والتي لطالما – وقد نتجرأ على الجزم – لازمت جل مصنفاته، وهي استماتته الشديدة في التعلق بالفكر الإسلامي وإبراز أهميته الريادية التي يشكك في مصداقيتها الكثيرون!. وتعني مسألة الواجهة هذه، حسب شبار، بأن الفكر الإسلامي استطاع امتلاك قدرة تركيبية خاصة تدمج خلاصات الهوية بالثقافة الإسلامية، مع إشباع هذا الاندماج بعلوم الدين وقيم السلوك وسنن الواقع والاجتماع الإنساني. ولهذا، نجد الفكر الإسلامي دوما في مقدمة المشتبكين مع التيارات الفكرية أيا كانت مرجعياتها (دينية أو غير دينية، ليبرالية حداثية أو قومية أو يسارية..)، اشتباكا نقديا يملك مقدرة كبرى في تجنيبنا التحيزات الممكنة، أو نزعات الانغلاق، كما يملك مقدرة على الانفتاح على النسق الإنساني والكوني. يقسم شبار الخطاب الديني في هذا الكتاب إلى ثلاث دوائر كبرى، "دائرة الأحكام" التي يصفها بغلبة النَّفَسْ التكراري أكثر من الاجتهاد، و"دائرة القيم والأخلاق" التي لا تزال -بعبارته- رهينة المحلي والقومي ولم تستطع الخروج للناس في منظومة أخلاقية وقيمية إنسانية، وأخيرا "دائرة المعرفة" التي تعد مجالا لصياغة نظريات دينية متجددة يمكنها أن تبدع اقتراحات جادة داخل سياق المعرفة المعاصرة. ومن الواضح أن هذا التقسيم وما صاحبه من تقويمات نقدية لمواطن النقص والفتور، تكشف عن رهان الكتاب الأكبر وهو إعادة موضعة الفكر الإسلامي ضمن السياق الكوني بكل ما يعنيه ذلك من تدافع ومنافسة معرفية. أما بالنسبة للمصادر التي يقصدها شبار فهي، القرآن الكريم، والسنة النبوية، ثم التراث الإسلامي، وأخيرا التراث الإنساني. والتي يكمن موطن الجدة في تصنيفها، بإضافته المصدرين الثالث والرابع، وهو ما يعني أن الاجتهاد والتجديد المرجو لن يتأتى حسب رؤيته إلا عبر أخذ هذين المصدرين بالجدية اللازمة والاعتبار المعرفي الكافي. وتتعدد الإضافات المعرفية التي يقترحها شبار في كتابه هذا، والتي يمكننا أن نختصرها في مجموعة من النقاط، أولها: مركزية "المنهج" في مشروع الإصلاح، أي أن الإصلاح ليس خطابا دعائيا أو استدعاء مجردا للتراث، كما أنه ليس استيرادا جاهزا للنماذج الغربية الحداثية، بل الإصلاح هو "نظام اشتغال دقيق ينبني على رؤية ممنهجة ومنضبطة"، ولهذا، يصر على مسألة الانضباط لسنن النص والكون والنفس، فلا غاية نرجوها من تعامل فكري مُقصِّر في الوعي بهذه السنن/المعايير أو الضوابط المنهجية. الثانية، أن المعرفة السننية كشرط لنجاح الإصلاح تعني عدم التعامل مع القرآن باعتباره نص أحكام فحسب، وإنما حاملا لنظام معرفي يكشف سنن الوجود التي تسري في السياسة والاجتماع والمعرفة والحضارة ..الخ. ويعلق شبار على هذا المسألة بأن تغييبها وضعف حضورها أسهم بشكل كبير في ضعف المشاريع الإصلاحية، ولذا، دعا للانتقال من الفقه الجزئي إلى الوعي السنني الكلي المستوعب. الثالثة، اختلال النظام المعرفي الإسلامي، عبر الإخلال بالمراتب الناظمة بين الأصول والفروع، والتي لا يقدمها شبار كنقاش نظري صرف، بل هي نتيجة عملية نلمسها في سلوكات الكثير من رواد الإصلاح أو خطابات الحركات الإصلاحية الدينية وغيرها، والتي تجسدت في تضخم الفروع على حساب المقاصد، وتصدر الجزئيات على حساب الكليات، وتقدم الشكل على المعنى، والشعار على البناء، اختلال يرى بأنه أسهم في توسيع رقعة الانقسامات والاختلافات والصراعات وزاد أيضا من حدة مظاهر التشدد في الخطاب النظري والتنزيل المجتمعي. رابعا، نقد الثنائية الكلاسيكية، المتجسدة في تقديس التراث أو تدنيسه، والتي لطالما أدانها شبار بشدة، ويرى بأن القطيعة عن التراث أو استنساخه إنما هما وهم؛ يكشف قصور الوعي بالسننية التي سبق تحديدها، ويبين أيضا عدم تقدير وإدراك كافيين لطبيعة التراكم التاريخي عند الشعوب والأمم والحضارات، ونقصا بالغا في فهم علاقة النص بالواقع، أي خللا في التعامل مع المصادر. خامسا، وهو من أهم طروحات الكتاب، الحاجة الملحة لما أسماه "المنهج البنائي في المعرفة الإسلامية"، والذي من شأنه التمكين من تجاوز الآفات التي جرى بها العمل، والتي استحكمت بالفكر والعمل، وهي التلفيق أو الذوبان أو الرفض المطلق. والبنائية بالنسبة له تعني فكرا إسلاميا منفتح النسق، يتفاعل ويندمج دون مركبات نقص، كما لا يتوانى أو يعجز عن الاستفادة من الخبرة الإنسانية. سادسا، نقده النزعة الاختزالية في الإصلاح، ويقصد بها اختزاليته في السلطة مثلا، أو قَصرَ مفهوم الخلافة على الحُكم بدل المفهوم الأوسع "الاستخلاف". ويشدد شبار في هذه النقطة نقده للحركات الإصلاحية التي ضيقت واسعا حسب عبارة الفقهاء، ففصلت بذلك الايمان عن العمل والإيمان عن القيم وجعلت وعي المسلم متشظيا وسطحيا. سابعا، وهي أيضا، من أهم الملامح النقدية داخل الكتاب، والمتمثلة في قاعدة الكلية والتركيب بدل الثنائية والتقابل، ويقصد بها أن المعرفة إذا انحصرت في بعد واحد مادي/ روحي أو فردي/جماعي أو دنيوي/أخروي..الخ، تستحيل نزعة اختزالية قاتلة، معاكسة بذلك سننية النص والكون والنفس، الجامعة بين الفردي والجماعي والروحي والمادي والغيبي والإشهادي والحق بالواجب والحرية بالمسؤولية والإيمان بالعمل. وأخيرا، تأكيده على مسألة هامة هي أن التجديد نظام اشتغال نسقي، ولذا، فإن مجرد الاكتفاء بنقد الآخر أو التجييش العاطفي لا يعول عليه في هذا الباب، بينما لابد من بناء مفاهيمي واصطلاحي منضبط، يسترعي المراتب المعرفية ويستحضر الوعي التاريخي بالإضافة للاستيعاب العلمي للواقع. وفي الختام، يمكن القول بأن كتاب الأستاذ سعيد شبار، مرافعة جادة عن الفكر الإسلامي المعاصر، وتجديف ضد تيار التقليل من قيمة هذا الفكر اليوم، أو ادعاء أن سؤال الاجتهاد أو التجديد أو التعامل مع المصادر إنما هي مشاغل قد أكل الدهر عليها وشرب. وعليه، فإن إصدارا من هذا النوع لا يمكن إلا أن يُقرأ من داخل سياق الفكر الإسلامي المعاصر بوصفه استمرارية تتسم بنضج إجرائي واضح، اكتسبه المُؤلِفُ من خبرته الطويلة في هذا المجال، وهو أيضا مرافعة نقدية جريئة، تسائل البعد العملي الإجرائي في خطابات الإصلاح المعاصرة سواء المغرقة منها في البعد العملي أو المغرقة في الفكر والنظر. ومع ذلك سيظل التساؤل مفتوحا عن مدى قابلية المنهج البنائي المقترح للتنزيل المؤسساتي الديني والأكاديمي المعرفي، بالأخص في مناخ معرفي مضطرب ومتسارع التحولات؛ وهو سؤال قد تجيب عنه الأجزاء المقبلة من مشروع "الفكر الإسلامي المعاصر" عند الأستاذ سعيد شبار.