في سجلات الفتح الإسلامي العابرة لمضيق جبل طارق، تتزاحم أسماء القادة والفرسان، غير أن اسماً واحداً يبرز بوصفه استثناءً تاريخياً فريداً. إنه المنيذر الإفريقي، الذي تُجمع المصادر التاريخية المعتمدة على أنه الصحابي الوحيد الذي ثبت يقينًا دخوله إلى الأندلس، إبان مرافقته لحملات موسى بن نصير نحو شبه الجزيرة الأيبيرية. وبالعودة إلى المسارات الأولى للجيوش الإسلامية، تبرز مدينة طنجة كقاعدة انطلاق محورية لتلك الحملات. ومن المنظور التاريخي والجغرافي، فإن خطوات هذا الصحابي قد وطئت بالضرورة ثرى طنجة، سواء خلال مراحل العبور والتعبئة نحو الفردوس المفقود، أو إبان طريق العودة التي قادته لاحقاً للاستقرار في الشمال الإفريقي. في هذا السياق، تسلط الأبحاث التاريخية، ومنها الدراسة التحقيقية للمؤرخ الطنجاوي رشيد العفاقي، الضوء على الجذور والهوية الدقيقة لهذا الرجل. وتشير المدونات التراثية إلى أن اسم "المنيذر" جاء بصيغة التصغير لاسم "منذر"، وهو تقليد لغوي يرجعه الإمام ابن بشكوال إلى حداثة سنه في عصر النبوة. ورغم أن لقبه "الإفريقي" يوثق موطن هجرته واستقراره اللاحق في إفريقية (تونس الحالية)، إلا أن جذوره تمتد إلى عمق اليمن، حيث تنسبه المصادر، ككتاب "الذيل والتكملة" لابن عبد الملك المراكشي، إلى قبائل مذحج أو كندة. لم تكن صفة الصحبة المنسوبة للمنيذر مجرد مرويات عابرة، بل حقيقة وثقها كبار أئمة الجرح والتعديل. فقد أدرجه الإمام البخاري في "التاريخ الكبير" ضمن أصحاب النبي محمد (ص)، وهو ما زكّاه ابن عبد البر الأندلسي في "الاستيعاب"، وابن حجر العسقلاني في "الإصابة"، مؤكدين مروره بمصر قبل أن يمضي غرباً للاستقرار والجهاد. وإلى جانب إرثه الميداني، ترك المنيذر الإفريقي بصمة وحيدة وخالدة في علم الحديث. فرغم رحلته الطويلة، لم يُروَ عنه سوى حديث واحد تناقلته أسانيد المشارقة والأندلسيين. وقد أورد الحافظ ابن السكن هذا الحديث، الذي تفرد بنقله عنه راوٍ وحيد هو أبو عبد الرحمن الحُبُلي، وفيه بشارة نبوية بالجنة لمن قال: "رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا". وهو النص المعتمد الذي أدرجه المحدثون في سلاسل الأحاديث الصحيحة. انتهت رحلة المنيذر، الممتدة من الحجاز إلى الأندلس، في مدينة طرابلس (العاصمة الليبية الحالية). هناك، أسلم الروح ليوارى الثرى في مقبرة باتت تحمل اسمه وتُعرف اليوم بمقبرة "سيدي منيذر"، لتظل شاهداً مادياً على مسيرة رجل ربط بين مهد الإسلام وأقصى ثغوره الغربية.