تتوالى الأحداث في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة، يصعب معها تحليل الأوضاع واستنتاج الخلاصات. فبعد هجوم صاروخي مباغت، فجر السبت الماضي، على الأراضي الإيرانية من طرف إسرائيل والولايات المتحدةالأمريكية، ردّت إيران برشقات صاروخية ومسيّرات متفجرة على كلٍّ من إسرائيل نفسها وبعض القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. بل حتى المواقع المدنية في كل من المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين لم تسلم من هذا الهجوم. وما كاد العالم يلتقط أنفاسه ليفهم ماذا يقع، حتى أعلنت أمريكا نجاح اغتيال علي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، وأكدت إيران مقتل قائدها الأعلى وأعلى سلطة في البلاد، إلى جانب قيادات وكوادر سياسية وعسكرية سامية. هذا الاغتيال شكّل صدمة سياسية كبرى، إذ يُعتبر أكبر عملية اغتيال في المنطقة منذ مقتل سليماني عام 2020. كما أنه ولّد ردود أفعال عنيفة من أتباع التيار الشيعي في عدد من دول المنطقة، عبر الهجوم على منشآت أمريكية. من جهة أخرى، تكشف هذه العمليات حجم الاختراق الاستخباراتي للنظام الإيراني، وفشل منظومته العسكرية في التصدي للهجوم الذي تعرّض له، وإسقاط صورة المناعة والقوة التي كانت ترسمها الدولة الإيرانية من خلال استعراضاتها العسكرية؛ حيث اتضح، بما لا يدع مجالاً للشك، أنها غير قادرة على حماية أبرز قادتها في أكثر الأماكن أماناً، حسب اعتقادهم. وكان المغرب قد عبّر عن موقفه الرسمي، ببلاغ لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، يدين فيه بأشد العبارات الاعتداء الصاروخي الإيراني السافر الذي طال حرمة وسلامة أراضي الدول العربية الشقيقة في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية. واعتبر البلاغ هذا الاعتداء انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية لهذه الدول، ومساساً غير مقبول بأمنها، وتهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة. كما أكد تضامن المغرب التام مع الدول العربية الشقيقة في كل الإجراءات المشروعة التي تتخذها للرد على هذا الاستهداف، وحماية أمنها وطمأنينة سكانها والمقيمين بها. على الصعيد الاقتصادي، تنذر المعركة الدائرة في الشرق الأوسط بمستقبل متأزم؛ إذ أعلنت السلطات الإيرانية عن إغلاق معبر هرمز، الذي يعتبر شرياناً رئيسياً للسفن التجارية، خصوصاً النفطية منها، وهو ما يهدد الأمن الطاقي ويضع الاستقرار الاقتصادي على المحك. سياسياً، لا يزال المشهد غامضاً. فبعدما خرجت بعض الجماهير احتفالاً بالهجمات الإسرائيلية الأمريكية في إيران نفسها، وفي بعض الدول الأوروبية، تحول المشهد كلياً عقب مقتل خامنئي؛ إذ عرفت إيران مظاهرات حاشدة تعبر عن غضب شعبي عارم. كما أن تلويح دونالد ترامب بورقة الحوار، في دعوة غير مباشرة للقيادات الإيرانيةالجديدة من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات، يجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام كل الاحتمالات. لكن الأكيد هو عدم استطالة هذه الحرب، لكون كل أطرافها لا يحبذون الحروب طويلة الأمد؛ ولعل حرب 12 يوماً، التي دارت في يونيو 2025، خير مثال. الصمت الأممي الذي يعرفه المنتظم الدولي يعيد طرح السؤال حول ملامح النظام العالمي الجديد: شنّ هجومات وخوض حروب دون تفويض دولي، في انتهاكات متبادلة للسيادة الدولية وخرق اعتيادي للقانون الدولي من كل الأطراف، ما يجعلنا أمام منطق دولي جديد يقوم على فرض الأمر الواقع بالقوة، في تكريس صريح وواضح للمدرسة الواقعية.