بقلم د. ربيع الكرعي يطرح هذا المحور سؤال المسألة الدينية والعلمانية في أفق يساري متجدد، لا ينطلق من موقف عدائي من الدين، ولا من تسليم ساذج بقراءاته المؤدلجة، بل من اعتبار الدين معطىً بنيويًا في الوعي الجمعي للمجتمعات الإسلامية. ومن ثمّ، فإن تجاهله سياسيًا أو التعامل معه بمنطق دفاعي يكرّس عزلة اليسار بدل إدماجه في عمق المجتمع. لقد أشار محمد أركون إلى أن "العقل الإسلامي تشكّل داخل شروط تاريخية مخصوصة، وأن ما نعتبره اليوم مقدسًا هو في جزء منه نتاج بناء تاريخي ومؤسساتي" محمد أركون، نقد العقل الإسلامي، دار الساقي، بيروت، 1990، ص 23 هذا التصور ينسجم مع ما يذهب إليه المحور من ضرورة التمييز بين أصل الظاهرة الدينية بوصفها تجربة إيمانية، وبين تمظهراتها التاريخية التي قد تتحول إلى جهاز إيديولوجي يخدم السلطة أو يعطل النقد. الدين بين الطاقة اليوتوبية والوظيفة الإيديولوجية إن التمييز الذي يقدمه المحور بين "الدين كإيديولوجيا" و"الدين كيوتوبيا" يجد صداه عند حسن حنفي حين اعتبر أن الدين يمكن أن يكون "طاقة تحرير تاريخية إذا ما تحرر من احتكار التأويل" حسن حنفي، التراث والتجديد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1980، ص 45 فالدين، في بعده اليوتيوبي، يُلهم قيم العدل والمساواة والكرامة، وهي قيم تلتقي مع الأفق الإنساني لليسار، لكن تحوله إلى أداة احتكار للحقيقة يحوله إلى إيديولوجيا مغلقة. كما يرى نصر حامد أبو زيد أن "النص الديني لا يتكلم إلا عبر تأويل بشري، ومن ثم فإن احتكار فهمه هو احتكار للسلطة" (نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، 1994، ص 126 وهذه الفكرة تتقاطع مع دعوة المحور إلى تجاوز أطروحة "استغلال الدين في السياسة" نحو تفكيك شروط إنتاج هذا الاحتكار ذاته. إن تحوّل الدين إلى أيديولوجيا مغلقة، كما أشار صادق جلال العظم، يؤدي إلى "تحصين الخطاب الديني ضد النقد، وتحويله إلى سلطة فوق المجتمع" صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، دار الطليعة، بيروت، 1969، ص 15 ومن هنا يتضح أن الرهان ليس في نفي الدين من المجال الاجتماعي، بل في تحريره من التوظيف السلطوي. اليسار والمسألة الدينية: من الحرج إلى المبادرة ينتقد المحور الوضع الدفاعي الذي اتخذه اليسار تاريخيًا إزاء الدين. وقد عبّر مهدي عامل عن هذه الإشكالية حين اعتبر أن "التحرر السياسي لا يمكن أن يتم دون تفكيك البنية الأيديولوجية التي تعيد إنتاج السيطرة" مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، 1986، ص 72 فالمسألة الدينية ليست شأناً روحياً خالصاً، بل جزء من البنية الرمزية التي تؤثر في الصراع الاجتماعي. ومن جهة أخرى، يشير عبد الله العروي إلى أن العلمانية ليست موقفًا ضد الدين، بل "شرط لإقامة الدولة الحديثة القائمة على المواطنة" (عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، 1981، ص 145 وهذا ينسجم مع أطروحة المحور التي تميز بين فصل الدين عن الدولة وبين العداء للدين في المجال المجتمعي. إن اليسار الجديد، كما يفهمه هذا المحور، مدعو إلى قراءة الدين قراءة نقدية تنويرية، تستلهم بعده الأخلاقي والاجتماعي، دون الوقوع في اختزاله إلى مجرد "أفيون" أو تركه حكرًا على الحركات المؤدلجة. وقد أشار محمد عابد الجابري إلى أن "العقل العربي في حاجة إلى إعادة بناء، لا إلى قطيعة شكلية مع تراثه" محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984، ص 312 وهذا يفتح المجال أمام مقاربة تجديدية لا استئصالية. من دولة الفتوى إلى دولة القانون يتناول المحور إشكالية الازدواجية بين الفتوى والقانون، معتبراً أن استمرار هذا التداخل يعيق بناء دولة حديثة. وقد بيّن حسين مروة أن "تحول الفقه إلى سلطة مستقلة عن الواقع الاجتماعي أدى إلى جمود تاريخي" حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الفارابي، بيروت، 1978، ج 1، ص 28 إن تجاوز هذا الجمود لا يكون بإلغاء الدين، بل بإعادة إدماجه ضمن إطار قانوني مدني يضمن المساواة. وفي هذا السياق، يؤكد العروي أن "الدولة لا يمكن أن تكون حديثة إذا كانت تستمد شرعيتها من مرجعية لا تقبل النقاش العمومي"عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، 1995، ص 217 فالفصل بين السلطتين الدينية والسياسية هو، في هذا المنظور، شرط عقلنة المجال العام. يتضح من خلال هذه القراءة أن المحور لا يدعو إلى قطيعة مع الدين، بل إلى إعادة تموضع يساري واعٍ داخل المسألة الدينية، من خلال: -تفكيك احتكار التأويل الديني. -استثمار البعد الأخلاقي التحرري في الدين. -الدفع نحو دولة قانون مدنية تفصل بين السلطتين دون المساس بحرية الاعتقاد. إن الرهان، كما يشير محمد أركون، هو "فتح أفق التفكير الحر داخل المجال الديني نفسه" محمد أركون، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، دار الساقي، بيروت، 1992، ص 88 وهذا الأفق هو ما يجعل من المسألة الدينية ساحة اشتغال فكري وسياسي، لا مجرد ملف حساس يُتجنب الخوض فيه.