حين يكشف التعليم عن معركة الاستقلال المؤجلة العرائش أنفو لم يعد النقاش حول لغة تدريس العلوم في المغرب مجرد جدل أكاديمي عابر، بل تحوّل إلى سؤال وجودي يمس جوهر السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والهوية الحضارية. وفي قلب هذا النقاش، تبرز تصريحات الدكتور خالد الصمدي، كاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي، كجرس إنذار قوي، يعيد طرح الأسئلة المؤجلة بجرأة، ويكشف عن تعقيدات القرار التربوي وحدود استقلاليته. فخلال حلوله ضيفًا على برنامج "ضفاف الفنجان" الذي تبثه منصة "صوت المغرب"، كشف الصمدي أن مرسوم "هندسة اللغات" ظل مجمدًا، ليس لأسباب تقنية أو بيداغوجية، بل نتيجة توقف عمل اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع إصلاح منظومة التعليم، وهي لجنة يرأسها رئيس الحكومة، لم تجتمع منذ مدة، مما عطل مسار إصلاحي كان من المفترض أن يحسم في واحدة من أكثر القضايا حساسية. غير أن الأخطر في هذا التصريح، ليس فقط تجميد المرسوم، بل حديثه الصريح عن "جهات ضغط" تعمل بشكل ممنهج للحيلولة دون خروجه إلى الوجود، بهدف الإبقاء على فرنسة المواد العلمية. هنا، لا يعود النقاش مجرد اختلاف في الرؤى، بل يتحول إلى سؤال سيادة حقيقي: من يختار لغة المغرب؟ ومن يملك القرار الفعلي في رسم ملامح مستقبل المدرسة المغربية؟ إننا أمام مفارقة مؤلمة: دولة استعادت استقلالها السياسي منذ عقود، لكنها، وفق هذا الطرح، لا تزال تخوض معركة استقلال من نوع آخر؛ استقلال القرار، واستقلال الرؤية، واستقلال الاختيارات الاستراتيجية. وكأن وثيقة الاستقلال لم تكن نهاية الطريق، بل بدايته. حين نتأمل واقعنا اللغوي، تتجلى صورة اختلال عميق: دستور يعترف بالعربية والأمازيغية كلغتين رسميتين، وواقع يومي تهيمن عليه الفرنسية في التعليم والإدارة والحياة العامة. من قاعات الدرس حيث تُدرّس العلوم بلغة أجنبية، إلى الإدارات حيث تُكتب المراسلات والتقارير، إلى المستشفيات حيث تُحرر الوصفات الطبية والتحاليل... مشهد يجعل من الفرنسية لغة تمتد "من المهد إلى اللحد"، في تناقض صارخ بين النص الدستوري والممارسة الفعلية. فهل نحن أمام إرث استعماري لم يُحسم بعد؟ أم أمام شبكة مصالح اقتصادية وثقافية تستفيد من استمرار هذا النموذج اللغوي؟ أم أن الأمر يعكس غياب إرادة سياسية حاسمة لبناء سياسة لغوية وطنية مستقلة؟ إن العودة إلى الفرنسية في تدريس العلوم، كما أشار الصمدي، لم تكن خيارًا سلسًا، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التجاذبات، ما يطرح تساؤلات عميقة حول مدى استقلالية القرار التربوي. فحين يصبح القرار رهين توازنات وضغوط، يفقد التعليم دوره كرافعة للتحرر، ويتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية. وفي قلب هذا النقاش، يبرز سؤال العدالة: كيف يمكن لتلميذ مغربي أن يُطالب بالتفوق في العلوم، وهو يدرسها بلغة ليست لغته الأم؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص، في ظل نظام لغوي يميز بين من يمتلك أدوات اللغة ومن يفتقر إليها؟ إن هذا الوضع لا يخلق فقط فجوة معرفية، بل يرسخ لا مساواة صامتة، تُقصي دون أن تُعلن. ثم هناك سؤال السيادة: هل يعقل أن تستمر لغة أجنبية في الهيمنة على مفاصل التعليم والإدارة، في وقت لا ينص عليها الدستور كلغة رسمية؟ وأي رسالة نبعث بها للأجيال حين نربط العلم بلغة بعينها، بدل ربطه بالكفاءة والإبداع والانفتاح؟ لا أحد ينكر قيمة التعدد اللغوي، ولا أهمية الانفتاح، لكن الفرق كبير بين الانفتاح والارتهان، بين التعدد والهيمنة. فالرهان الحقيقي ليس إقصاء لغة، بل تحرير القرار اللغوي، وجعله خاضعًا فقط لمعيار واحد: مصلحة المغرب. نحو سيادة لغوية متوازنة: طريق الخروج من المأزق إن لحظة الوعي تفرض الانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن طرح الأسئلة إلى صياغة البدائل: إرساء تعليم راسخ بلغات الهوية: اعتماد العربية والأمازيغية كلغات أساس في المراحل الأولى، لضمان الفهم العميق وبناء عقل نقدي متوازن. الانفتاح الاستراتيجي على الإنجليزية: إدماجها تدريجيًا كلغة للعلوم والبحث، باعتبارها لغة العصر والمعرفة العالمية. تحرير القرار اللغوي من كل ضغط: جعل السياسة اللغوية قرارًا سياديًا مستقلاً، ينبع من إرادة وطنية واضحة لا من توازنات خفية. تبسيط لغة الإدارة: اعتماد لغة مفهومة للمواطن في الوثائق الرسمية، تعزيزًا للثقة وتقريبًا للخدمات. الاستثمار في الترجمة والبحث العلمي: دعم الترجمة إلى العربية والأمازيغية، وتشجيع البحث العلمي بلغات متعددة مع ضمان حضوره الدولي. إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية: عبر نظام لغوي عادل، يضمن تكافؤ الفرص، ويحرر التعلم من الحواجز المصطنعة. إن المغرب اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يستمر في مسار لغوي يكرّس التبعية ويعمّق الفوارق، أو أن يختار طريق السيادة، حيث اللغة أداة للتحرر لا قيدًا عليه، وجسرًا نحو العالم لا جدارًا دونه. في النهاية، لا يتعلق الأمر بلغة ضد أخرى، بل بإرادة أمة تريد أن تمتلك قرارها. فأي مغرب نريد؟ مغرب يفكر بلغته، ويبدع بثقافته، وينفتح بثقة على العالم؟ أم مغرب يظل معلقًا بين لغات لا يملك سيادتها؟ إن الجواب لم يعد يحتمل التأجيل. إنه جواب الضمير الوطني... حين يختار أن يكون حرًا.