أمين أحرشيون في الوقت الذي تعلن فيه المصالح الأمنية المغربية والإسبانية عن تفكيك خلايا إرهابية، نجد أنفسنا أمام حقيقة صادمة تتكرر في كل مرة، وهي أن إسبانيا أصبحت مرتعاً لبعض "الزعماء" الذين يتقنون فن الاختباء خلف أقنعة لا تثير الشكوك. هؤلاء الأشخاص لا يختبئون في الجبال أو الكهوف، بل يعيشون بيننا، يحتمون بجدران المساجد أو ينخرطون في جمعيات ومجموعات مدنية تدعي العمل الخيري. وما يثير القلق فعلاً هو أن هذه الواجهات الاجتماعية، التي وُجدت في الأصل لنشر قيم التكافل، أصبحت في بعض الأحيان جسوراً لبناء الشر من خلال صفقات مشبوهة وتحويلات مالية تُرسل لجهات تدعي الخير بينما هي في الحقيقة تمول الفكر التخريبي وتدعم لوجستياً بؤر التوتر في مناطق بعيدة. إن ما يحدث في الخفاء باسم السياسة أو تحت غطاء العمل الجمعوي يتطلب من مسؤولي الدولتين، المغرب وإسبانيا، اهتماماً بالغاً يتجاوز التنسيق الأمني التقليدي. فالهدف الرئيسي لهؤلاء المتغلغلين ليس فقط تنفيذ عمليات ميدانية، بل هو توزيع ونشر فكر ديني متطرف ومنغلق يسعى لغسل العقول والتمهيد لمشاريع هدامة. لذا، فإن الحث على اليقظة يجب أن يركز على تتبع تلك المسارات المالية الصغيرة والخطابات التي تُمرر في الحلقات الضيقة، لأن تجفيف منابع هذا الفكر هو السبيل الوحيد لحماية المجتمع. إن استغلال طيبة الناس وتبرعاتهم لتحويلها إلى وقود للتطرف هو الإرهاب الحقيقي الذي ينخر جسد الاستقرار، وهو ما يستدعي رقابة صارمة تضمن عدم تحول دور العبادة والجمعيات إلى منصات لتمرير أجندات تخدم الفوضى وتزرع بذور التفرقة. وتكتمل هذه الصورة القاتمة بما كشفته العملية الأخيرة في مدينة مايوركا، حيث أظهر توقيف "زعيم" هذه الخلية كيف يمكن للمناطق الهادئة والسياحية أن تتحول إلى ملاذات آمنة للتخطيط والتدبير بعيداً عن الأعين. إن اختيار جزيرة مثل مايوركا، البعيدة جغرافياً عن المراكز التقليدية للتطرف، يثبت أن هؤلاء الأشخاص يعتمدون استراتيجية التخفي في الضوء، مستغلين الانفتاح والحياة الطبيعية لترتيب عمليات إرهابية كان من الممكن أن تخلف مآسي لولا يقظة التنسيق الأمني. هذه الواقعة تذكرنا دائماً أن الخطر ليس له حدود جغرافية ثابتة، وأن من يدعي الخير في العلن قد يكون هو المحرك الأول للدمار في الخفاء.