بعد عدة أيام من البحث.. العثور على جثة الطفلة سندس بشفشاون    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    سفير إيراني يؤكد إصابة مجتبى خامنئي    إيران تنسحب رسميا من مونديال 2026.. فهل يفتح الباب أمام عودة "عربية" للمونديال؟        اليسار المغربي بين وهم الوحدة وحسابات الدوائر الانتخابية!    المصالح الأمنية بطنجة تحدد هوية قاصر تشبث بسيارة للشرطة    مدرجات الكرة تحاكم الإنتاج الدرامي التلفزي    مؤلف جديد للكاتبة والمبدعة أميمة السولامي    كيف تدبر الأسرة اختلاف أجيالها في رمضان ؟    بنشيخة مدرباً جديداً لاتحاد طنجة    ارتفاع أسعار النفط على خلفية الحرب في الشرق الأوسط    ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريبا.. لم يتبق شيء لاستهدافه    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    مقاييس الأمطار المسجلة بالمغرب خلال ال24 ساعة الماضية    إسبانيا تسحب رسميا سفيرتها لدى إسرائيل وتخفض مستوى تمثيلها إلى قائم بالأعمال    نقابة تحذر: التجهيزات الرادارية المتهالكة بمطار محمد الخامس تهدد سلامة الملاحة الجوية    مكتسبات وإخفاقات في يوم المرأة العالمي    تحقيقات الصرف والجمارك تسقط مهربين للعملة الصعبة بمستندات مزورة            المغاربة يرمون سنويا 4.2 مليون طن من الغذاء و40 مليون قطعة خبز تذهب يوميا إلى النفايات    الأقسام التحضيرية المغربية تتصدر ترتيب أفضل الأقسام التحضيرية الأجنبية للمدارس العليا الفرنسية    جامعة القنيطرة تطرد 18 طالبا.. واستنكار ل"استهداف" الحركة الطلابية    دوري أبطال إفريقيا.. مباراة الذهاب بين الترجي التونسي والأهلي المصري ستجرى بشبابيك مغلقة    مواجهات نارية في دوري أبطال أوروبا.. ريال مدريد يصطدم بالسيتي وقمة بين "بي اس جي" وتشلسي    انتخابات 2026.. دعوات لانفراج حقوقي ومطالب بتشاور جدّي حول المراسيم التطبيقية        باريس.. 27 دولة من بينها المغرب توقع إعلانا حول تمويل الطاقة النووية    مراكش: توقيف إندونيسي مبحوث عنه دوليا بتهم فساد مالي وتلاعب بأسواق الرساميل    العصبة تعلن إيقاف منافسات البطولة الاحترافية مؤقتًا    توقعات بانتعاش تجارة الجملة بالمغرب في 2026 مع ترقب ارتفاع المبيعات    الأمم المتحدة.. ابن يحيى تترأس بنيويورك اجتماعا حول ولوج النساء ضحايا العنف إلى العدالة    مطلب إلحاق جماعة تروكوت بإقليم الحسيمة يعود إلى الواجهة    أخنوش يحضر مأدبة عشاء في باريس    إيران تهاجم البنوك والمؤسسات المالية    وجدة: فتيات الإنبعاث يواصلن أنشطتهن الرمضانية    مطالب برلمانية بتأجيل العطلة البينية إلى ما بعد عيد الفطر    مديرية التعاون الوطني بالعرائش تحتفي بنسائها في يومهن العالمي    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    ليلة الأبطال.. بايرن وأتلتيكو يكتسحان وبرشلونة يخطف التعادل وليفربول يتعثر    الدفاعات الإماراتية تعترض صواريخ إيرانية    أزيد من 96 مليون قاصد للحرمين الشريفين خلال أول 20 يوما من شهر رمضان    كيف واجه المغرب عاصفة من الهجمات الرقمية في "كان 2025"...    بنشيخة يقترب من تدريب اتحاد طنجة    منع جدارية بمقهى ثقافي بطنجة يثير جدلا ونشطاء يطالبون بالتعامل مع الفن خارج البيروقراطية    عابر كلمات.. "الشوق"    المشاركة السياسية للمرأة والقوانين الانتخابية بالمغرب    مؤسسة علال الفاسي تنظم ندوة فكرية حول « السيرة النبوية» بمناسبة مرور 15 قرناً على المولد النبوي    أمالاي... القناة الأولى تواصل رحلة توثيق نبض المغرب العميق في موسمه الخامس    دراسة تبحث علاقة المياه الجوفية بالشلل الرعاش    حفيظة واهيا، مغربية على رأس مختبر أبحاث في الصين    عمرو خالد يقدم برنامجًا تعبديًا لاغتنام العشر الأواخر من شهر رمضان    أخصائية في الأعصاب تبرز أهم مخاطر قلة النوم    بمناسبة 8 مارس.. خبراء يحذرون من تحدٍّ كبير لصحة المرأة    الدكتور محمد موهوب في رحاب ثانوية أبي العباس السبتي    عمرو خالد: سورة النور وصفة قرآنية تبدد حُجُب الظلام عن بصائر المؤمنين    تحديد ‬الكلفة ‬النهائية ‬للحج ‬في ‬63 ‬ألف ‬درهم ‬تشمل ‬لأول ‬مرة ‬واجب ‬‮«‬الهدي‮»‬    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مقاربة تاريخية لهوية المغرب
نشر في مرايا برس يوم 11 - 11 - 2010

لم يكن الأستاذ العروي دقيقا تمام الدقة في عكس سلوك المغاربة التاريخي حيال هويته حين قال أن "المغاربي لم يدرك أبدا أين تكمن مصلحته: داهمته روما فتحالف مع قرطاج، مع أنها كانت بالأمس عدوة له؛ سيطر عليه العرب فاحتمى بالإسلام؛ استعمرته فرنسا فالتجأ إلى العروبة". فهذا التصور لواقع التناقض الهوياتي عند المغربي يفتقد لرؤية صارمة، فتقلب الأمازيغي هوياتيا وعقائديا ليس نابعا من جهل المغاربي بمصلحته، وإنما يعزى لغياب البنية الثقافية الراسخة والشخصية المغاربية نفسها وبالتالي ذاكرته التي يفترض بها أن تشكل معقلا إديولوجيا ومجتمعيا تتمحور حوله هوية المغاربي. ذاك أن مصلحة المغاربي لم تكن منشغلة بهم وجودي ثقافي وإنما كانت تصبوا للخروج من مآزق سوسيو-اقتصادية آنية. فالأمازيغي عول على روما من أجل التخلص من الأرستوقراطية القرطاجية، ثم تبنى ثقافة طليقته البونية من جديد نكاية بالثقافة الرومانية بعدما خذلته، ولعله نظر الى الغزاة المسلمين كجيش تحرير من البيزنطيين قبل أن تدهسه حوافر أحصنتهم، فزايدهم على اسلامهم واتخذ مذهبا إيديولوجيا كعادته لطرد الأرسطوقراطية العربية، أما حين حلت فرنسا بالمغارب وجدناه يتباين اجتماعيا لو أهملنا الجانب اللغوي، لكن المحصلة كانت توجها الى القومية العربية.
أما اليوم فنشهد نتائج تعريب غير مكتمل، الشيء الذي ينضاف الى قصور في فهم طبيعة التطور المغاربي، بحيث أصبح يُنظر إلى العروبة اللسنية والثقافية كمعيار عرقي مقابل تصور ساذج ومغلوط يعرف الآخر الأمازيغي على أنه بقايا الشعوب التي رأف بها فرسان العرب (مادامت الناقة لا تتسم بالبطولة الرومانسية).
مغاربة يتقمصون دور المثقف الكولونيالي:
كان من نتائج هذه النظرة القاصرة سلوك مثقفين مستعربين نهْجا كولونياليا لا يختلف في أدواته عن أدوات الحقبة الأستعمارية الفرنسية، فإيمانهم بكونهم أبناء الفرسان العرب الذين فرضوا وجودهم على المغرب، جعلهم يحملون هَمَّ التأثيث التاريخي للواقع الجديد، فيكلفون أنفسهم عناء البحث عن الوطن الأول للمحليين خارج المغرب المشترك حتى لا تكون هناك أحقية تاريخية -للسكان الأصليين- على الوافدين فهذا سيعني أن الأرض أرض لا ترتبط بقوم معين وأنها لمن سكنها.
ثم نجد فئة أخرى تطوعت لتركب مراكب الأساطير القديمة متنصلة من العلوم العصرية لتصل الى نتيجة مفادها أن الجميع عرب قادمون من جزيرة العرب. ولكي لا يظهر الوجود العربي بمظهر الاستعماري، عمل المفكرون المسلمون على زخرفة الوجود الاسلامي بالمغرب وتقديمة على أن المحليين كانوا مهذبين وحكماء، رمقوا الأسلام أول ما رمقوه فعلموا أنه الحق من عند ربهم فعانقوا العرب وشكروهم الشكر الجزيل...
إلى هنا نلمس نبرة تنشد تناغما لاختلاف عرقي متخيل، لكنه تناغم مشوب بالحذر المقنع، فالاسلاميون والعروبيون لا يستسيغون فكرة مساواة أو تناغم حقيقي، لذا فقد أدخل التنظير الديني وتم استعماله بشكل قسري قصد فرملة ظهورٍ أمازيغيٍ وازنٍ، فتم تصوير اللغة والثقافة الأمازيغيتين على أنهما -بشكل أو بآخر- بقايا وثنية، ودعوات للعودة الى الجاهلية وتم اعتبارهما محاولة استعمارية مفضوحة لكسر شوكة الأمة.. هذا كله والمغاربة المعنيون يخالون أنهم أذكياء ماكرين مكملين لفتوحات أجدادهم على أرض البربر...
حقائق تاريخية مضطهدة:
هذا التذاكي هو تذاكي الأغبياء.. وتصور تكاسلي متقاعس عن الألمام بجذور التباينات اللغوية والجهوية، إذ أن الثابت الغير المتغير هو أن الأمازيغ لم يرحبوا يوما بالعرب بل كانت هناك استماتة لصد جيوشهم بالرغم من افتقاد المغاربة لدول مركزية بجيوش وشبكات إدارية معقدة، كما أن المسلمين لم يحملوا هم نشر كلمة الله، بل كان في منبته صراعا دمويا على السلطة بعباءة مذهبية، فحلول المسلمين بالمغرب كان مصحوبا بإجراءات استغلالية مثل الجزية والسبايا والعبيد لأن البربر يومئذ كفار، أما إسلامهم فلم يكن ذي نفع للأمبراطورية الأموية فتم تخميسهم على اسلامهم كما أُقصوا من دواليب الحكم العربي، وطُولبوا بتقديم العبيد والأيماء، فكانت ثورة الخوارج كأقوى رد عسكري مغربي على احتلال أجنبي وليس العكس كما يزعم أصحاب نظرية الترحيب.
بعد تصفية الحسابات كان هناك إسلام مغاربي محلي دون نخبة استعمارية يخال المغاربي أنه غصن من أغصانها المتناسلة. ولعل ظهور الأمبراطوريات الأمازيغية خير دليل على القطيعة الاستعمارية العربية (ابن خلدون: وذهبت ريح العرب ودولتهم عن المغرب وإفريقية فلم يكن لهم بعد دولة إلى هذا العهد وصار الملك للبربر وقبائلهم يتداولونه طائفة بعد أخرى وجيلاً بعد آخر(...)). لكن ما حدث هو تبني المغاربي الذي يعرف مصلحته البراغماتية لمزاعم تجعل منه أكثر أحقية في الاستحواذ على الملك، فظهر منهم دعاة يزعمون أنهم من أصل شريف، كما في حالة محمد ابن تومرت الذي زعم أنه المهدي المنتظر، وكذا ظهور أنبياء من صنع محلي، وهكذا تم ركوب موضة الأصل الشريف المعشعش إلى أيامنا هاته. ولعل القارئ يتساءل وماذا عن قبائل بني هلال وغيرهم؟، وهم قبائل وصفها ابن خلدون بالجراد، أرسلتها الدولة الفاطمية -التي قامت بفضل القبائل الأمازيغية- من مصر كعقاب للدولة الزيرية التي اعلنت انفصالها عن الخلافة الفاطمية في المغرب، فنقول أنهم بعدما عاثوا في الأرض فسادا، أصبحوا جنودا مرتزقة في جيوش الموحدين ثم أن هناك تسخيرا إيديولوجيا لتلك الأحداث التي صورت كهجرة مليونية هيمنت عرقيا وعسكريا على الأمازيغ، فتواجدهم بالمغارب كان يتحدد في مناطق مفتوحة واقتيات على نهب وإغارات ممنهجة على مدن الأمازيغ وليس حربا بين العرب والأمازيغ (غابرييل كامس: كيف أصبحت بلاد البربر مغربا عربيا).
خلفية التلاعب بالحقائق:
إن من التعالي الثيوقراطي عند المستعربين الصاق نسبهم بأصل شريف غالبا ما يكون إدريس الأول الذي يبدو أنه لم يكن سوى بيدقا بيد شيخ قبيلة أوربة، فيزعمون أن نسله بالملايين مع العلم أنه لم يتمتع بخصوبة خارقة تجعل نسله يطغى على نسل أمة!.
لأجل هذا يجب النظر إلى التباين المغاربي على أنه تباين ثقافي يتجلى في أمازيغ عانوا تهميش كيانهم الوجودي مقابل آخرين ترفعوا عن بني جلدتهم فابتدعوا أصولا شرقية واتخذت موقفا استعلائيا عن جذورها المحلية بغية خدمة أهداف ظاهرها يحمل طابعا دينيا، وجوهره يحمل ترفعا عن عرق المحليين الى عرق شريف وكذا طموحات سياسية واجتماعية لازالت مقبولة في العصر الحديث، ثم تبعتها أجيال لم تعد ترى في نفسها إلا أنها أصداء فتوحات العرب المجيدة.
منزلقات الخطاب الأمازيغي:
لذا فإن الخطاب الأمازيغي المتزن يجب ألا ينساق لمتاهة التراشق بالمصطلحات وإلصاق الشيطان بالآخر، فالصهيونية مثلا ليست مادة للثقافة الأمازيغية، فهو شأن خاص بمن يعاديها وينفث سمومه العنصرية تجاه اليهود من خلالها، خاصة وأن الصهيونية فكرة دينية وليست عرقية وان الدين لا يخضع لتقييم دين آخر بشكل موضوعي في حين يحرم ذاك الدين المُنتقِد نفسه حق انتقاده ويعتبر ذلك إساءة لمشاعر معتنقيه.
أما التراشق بالتهم حول العمالة للخارج وما إلى ذلك من تهم لم ولن تُثبت يوما، فهو في حقيقته تغليف لصراع المستعربين لأجل الحفاظ على امتيازات رمزية وطبقية، وأداة لأجل تحقيق برامج دعائية شخصية أو حزبية عبر الظهور بمظهر الغيور على الوطن طالما أن الجماهير قد تربت على الخنوع لهكذا طروحات، في حين أن الهوية الأمازيغية هي هوية المغاربة أجمعين وهي أكثر الثقافات تأصلا في المغرب مهما ألصقت بها من لصائق ساذجة من أصول يهودية مفترضة أو وثنية أو مزاعم بمحاباة قوى خارجية لها.
وقد سمعت آراء لأمازيغيين حول اليهود ترقى للعنصرية النازية، ما يوضح أن الأنسان الأمازيغي يجب ألا يكون جوهر الخطاب الأمازيغي، لأن المغارب كله أمازيغي تاريخيا، أما اللغة فلا تعني أي فرق حضاري، ففي اعتقادي الشخصي يتحتم على الخطاب الأمازيغي المنفتح على الآخر أن يبني نظرة متفتحة تشمل المغارب بشكل عام كمجموع ذي تاريخ مشترك. أما إن كان مصير الخطاب الأمازيغي أن ينحصر في زاوية لغوية قصيرة النظر دون تصفية نفسها من شوائب الخطابات العنصرية التي تأثر بها العالم العربي وأمراض الكيل بمكيالين في علاقته بالآخر فأن معنى الاستدراك الهوياتي يبقى عنوانا بدون مضمون، إذ الانسياق وراء هذه المزايدات عبر مهاجمة الرموز التي شيطنتها العروبة والمزايدات حول خدمة الأسلام والعربية عبر التذكير بأمجاد طارق ابن زياد وصاحب الأجرومية ليس إلا رد فعل ظاهره الأمزغة وباطنه المطالبة بنفس الرمزية التاريخية التي يتقمصها المستعرب في كل دردشة قومية. وبالتالي جاز أن نتساءل حول ماهية الأمازيغية إن كانت تتفوق على العروبة في نظرتها العدائية للآخر كالأقليات الأثنية والدينية وحتى المجتمعات البعيدة كالتنكيل العنصري بالأديان الأخرى..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.