اللقاء الجهوي للحزب بجهة مراكش – أسفي يصادق على أوراق المؤتمر الجهوي    منح الرخص الاستثنائية لاستيراد التمور يضع الحكومة أمام سؤال العدالة التجارية والمنافسة الشريفة    مسار نضالي لشابة اتحادية من فاس إلى قيادة «اليوزي» .. انتخاب هند قصيور عضوا في مجلس الرئاسة يعزز الحضور المغربي في الدبلوماسية الشبابية    الإكوادور تكشف حاجة المنتخب الوطني لمزيد من العمل رغم الإشارات الواعدة    احتفاء بيوم الأرض الفلسطيني .. ليلى شهيد.. حياة بين المنفى والنضال وعشق المغرب    رسملة البورصة تتجاوز 964 مليار درهم    فضاء حقوقي يسجل تنامي التضييق على الحريات ويدعو لانفراج سياسي    المغرب يجدد تضامنه مع الدول العربية ويدعو إلى موقف موحد لاحتواء التصعيد الإقليمي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الإثنين    اليماني: أسعار المحروقات ستواصل الارتفاع بالمغرب وعلى الحكومة التدخل لضمان التزود وحماية الجيوب    فتوى الخامنئي المرسلة لإخراج فيلمي حول الإمام الحسين    تفاعلات رقمية تُحرج لاعبي المنتخب    الحسيمة.. زيارة ميدانية لمواكبة إعادة إحياء زراعة الصبار    مندوبية التخطيط:67,7% من الأشخاص في وضعية إعاقة لم يبلغوا أي مستوى دراسي    عناية ملكية للنهوض بالصحة النفسية    تنقيلات داخلية لرجال السلطة المحلية لمواجهة العشوائي بإقليم مديونة    فيدرالية اليسار تحذر من "أزمة مركبة" وتدعو لكسر ثنائية "الاستبداد والمحافظة"    الوزارة ترفع منح المسرح وتشدد الشروط    المعرض الجهوي للكتاب والقراءة بأولاد تايمة في دورته ال18 يحتفي بالثقافة والتراث    كوريا تطلق نظام "تناوب السيارات" وترفع حالة التأهب بعد ارتفاع أسعار النفط عالميا    نادي المحامين يكلف مفوضا قضائيا لتوثيق وقائع ملعب ستاد دو فرانس ويصعد نحو الفيفا    رئيس البرلمان الإيراني يقول إن واشنطن "تخطّط سرا لهجوم بري" رغم بعثها "علنا"رسائل للتفاوض    غوغل تطلق رسميا ميزة "البحث الحي" بالصوت والكاميرا    ارتباك بصري في ودية أمريكا وبلجيكا    شبهة تزوير بطائق الانخراط تفجر أزمة داخل نقابة التعليم المرتبطة بالاتحاد المغربي للشغل بسوس ماسة    حركة "لا ملوك" تٌخرج ملايين المتظاهرين في الولايات المتحدة ضد ترامب وسياساته    بعد انتشار فيديو صادم.. توقيف سائق حافلة اعتدى بوحشية على سائق شاحنة    المنتخب الوطني يجري حصة تدريبية بعد تعادل الإكوادور ويواصل الاستعداد لمواجهة الباراغواي    فاجعة في ملعب أزتيكا تسبق مباراة المكسيك والبرتغال الودية    بريد المغرب يصدر طابعا بريديا تذكاريا بمناسبة الدورة ال 58 للجنة الاقتصادية لإفريقيا    مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان    إيران تقصف مواقع صناعية في الخليج    أمطار مراكش تكشف اختلالات البنية التحتية وتفجّر مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتعويض المتضررين    جلسة عمل بالرباط لمناقشة تحضيرات تنظيم البطولة العربية للمواي تاي بطرابلس    عمان: لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجمات على السلطنة    قبل إغلاق مستشفى الحسني.. مخاوف الشغيلة الصحية تستنفر مسؤولي الصحة بالناظور    واشنطن بوست: البنتاغون يستعد لإطلاق عمليات برية داخل إيران    توقيف العقل المدبر لعمليات "الاختراق الجوي" بطنجة في عملية أمنية محكمة    "ناسا" تخطط لتطوير قاعدة دائمة على سطح القمر بكلفة 20 مليار دولار    سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية ل"مازغان"            "ألوان المغرب" بفيلا الفنون.. مبادرة تجمع العائلات البيضاوية لاستكشاف سحر التراث    مظاهرة في لندن ضد اليمين المتطرف    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محاصرون بالثلوج: لو ترشح عندنا البغل لصوتنا عليه
نشر في بوابة إقليم ميدلت يوم 01 - 02 - 2015

هنا المعاناة مضاعفة.. قسوة الطبيعة تتحالف مع ضعف البنيات التحتية لتنتج مأساة تتجدد كل عام. «نحن محكورون»، هكذا يتكلم سكان «المغرب المتجمد»، الذين زارت « اليوم24» قراهم ومداشرهم التي حاصرتها الثلوج، فانقطعت أخبارهم وانقطعوا هم عن العالم. نساؤهم الحوامل يمتن قبل الوصول إلى المستشفيات، وأبناؤهم ممنوعون من الدراسة حتى «إشعار آخر»، فيما الحصول على حطب التدفئة المكلف يصير «ترفا» في أوقات كثيرة.
منذ ثماني سنوات والصحافة تكتب عن حال سكان المنطقة، إذ في كل سنة من فصل الشتاء يصبحون أبطال الصفحة الأولى، وبعدما يذوب الثلج، تذوب معه كل الوعود ويختفي كل الاهتمام، لقد أصبحوا يائسين وكارهين للإعلام والصحافة ورجال السياسة الذين يسوقون الوعود أمامهم، ويلتقطون الصور مع مآسيهم، «لم يتغير شيء، عشت هنا أربعين عاما ولم أر أي شيء يتغير ولم يطرأ أي تحسن على حالتنا الاجتماعية»، هكذا تكلم مصطفى العلاوي، وهو يقودنا نحو تيقاجوين أشد مناطق الأطلس برودة وقساوة وفقرا وتهميشا.
الطريق إلى الموت الأبيض
تستغرق المسافة بين خنيفرة المدينة، ومنطقة اغبالو حوالي ساعة من الزمن في أحسن الظروف، وإذا توافرت لك سيارة في منطقة يحاصرها الثلج منذ ثلاثة أسابيع، ويعزلها إضراب سيارات الأجرة وسيارات النقل المزدوج، الذي يستمر للأسبوع الخامس، فأنت من المحظوظين. الطريق المتعرجة، والتي تم فتحها مؤخرا بعدما أغلقت لأيام، آخذة في الصعود نحو قمم بيضاء تخفي وراءها مئات الأسر المحاصرة، إذ تكلف التوصيلة، ثلاثين درهما، «الخطافة» يستغلون الوضع ويرفعون السعر، وكراء سيارة نحو تلك المنطقة تكلف اليوم 400 درهم ذهابا فقط، انطلاقا من خنيفرة، من أجل الوصول إلى «اغبالو» آخر نقطة تحمل معالم الحياة .
هنا كل شيء أبيض مثل كفن عملاق، والناس يرمقونك، وفي عيونهم نظرة توسل علك تحمل بارقة أمل تخفف عنهم هذا الحصار الأبيض البارد. يصل مرافق « اليوم24» الفاعل الجمعوي مصطفى العلاوي الذي سيكون دليلنا نحو المناطق التي تعاني من التهميش والحصار. التعارف هنا يتم فقط، من خلال الملامح، فالتغطية تتقطع بشكل مستمر ما يجعل التواصل أمرا صعبا، لننطلق في رحلة أخرى، رحلة نحو أقسى المناطق المهمشة في عمق الأطلس، استعد سندخل طريقا وعرة نحو تيقاجوين، على الجنبات يرتفع الثلج الذي لم تزحه جرافة أو شاحنة مخصصة لإزالة الثلوج (حوالي 50 سنتيمترا)، وأغلب المسالك الممتدة على مسافة 22 كلم فتحتها سواعد الشباب والرجال الذين كانوا يجاهدون الثلج، فالطريق عندهم هي الجسر نحو الحياة..
طريق أم عقاب
ساعة نحو اغبالو وساعة إلا ربع نحو تيقاجوين، تفصل هذا المدشر الطيني المعزول عن أقرب مركز حضري، مع التنبيه إلى أن الرحلة تجري في سيارة جيدة، مسافة قد تطول لأربع ساعات أو أكثر إذا كنت فوق جرار أو كانت السيارة قديمة..
الطريق المهترئة تبعث اهتزازات قوية داخل السيارة التي يقودها «محمد بن العربي»، وهو فلاح من المنطقة، يقود وهو يشير إلى مدرسة معزولة وسط تلة ثلجية ويقول: «على الأطفال أن يقطعوا ثلاثة كيلومترات مشيا على الأقدام مهما كانت أحوال الطقس، آباؤهم أوصوهم بعدم الركوب مع من يعرض «توصيلة»، خوفا عليهم من الاختطاف»، بينما يجلس في الكراسي الخلفية « الشيخ حدو»، وهو حكيم أمازيغي ينظم شعرا لاذعا يبكي فيه حال منطقته. تستمر الطريق صعودا فيما برد قارس يلفح الوجه. أشعة الشمس المنعكسة على البياض الممتد تكاد تخطف الأبصار. بعد مرور 45 دقيقة بدأت المنازل البنية والرمادية تظهر في الأفق وخلفها صحراء من الثلج تتوسطها غابة من الأرز
ما يلفت الانتباه قبيل ولوج مدشر تيقاجوين، بناية أنيقة أحاطت بها أيضا الثلوج، وعليها لافتة كبيرة «المركز السوسيو ثقافي تيقاجوين»، ينطق حدو بالأمازيغية مشيرا بيده إلى المركز، فيترجم مصطفى، «هذا ما كان ينقصنا» سخرية لا تنقص سكان المنطقة التي تضم 465 أسرة منسية على علو يناهز 2500 متر عن سطح البحر.
وسط الحصار
على قارعة الطريق يصطف الرجال والنساء والشبان والأهالي وهم ينظرون إلى الوافد الغريب. نترجل من السيارة لنمشي فوق أرض طينية غير معبدة، ما يجعل خطر الانزلاق وارد في أي لحظة. يأتي الصوت العارف بالمنطقة منبها «الانزلاق هنا يعني الانحدار نحو الأخاديد والحواف الموجودة بكثرة في هذا المدشر وهو ما سبق حدوثه وتسبب في كسور ورضوض لبعض الأهالي..»
نبدأ في اكتشاف الوجه العميق للمأساة، تأخذنا الطريق المتعرجة المنحدرة نحو بطن الدوار، الثلج يرابط في عتبات المنازل ويعلو الجدران، وبعض المنازل لازال الثلج يجثم فوق أبوابها ونوافذها، كم استمر الحصار تسأل «أخبار اليوم»، يجيب مصطفى العلاوي، «استمر أربعة أيام .. أعقبتها ثلاثة أخر..وكلما أزحنا الثلوج إلا وأتت بعده عاصفة، فتعيد الثلج إلى مكانه، هكذا قد نستمر في هذا الصراع لمدة تفوق الشهر الواحد، لكن الخطير هو تعرض بعض المنازل إلى الانهيار ولما تُعلن حالة طوارئ داخل المدشر، نتوجه جميعا لإنقاذ الأسرة التي هدم الثلج منزلها».
نستمر في النزول وسط أزقة طينية يكسوها الثلج الممزوج بالطين وقد ازداد قساوة بسبب الندى الصباحي،
ازدحام كبير على السقي
رغم أن التوجه إلى العين ليس طقسا يوميا، فالمنازل مزودة بصنابير الماء الصالح للشرب، لكن العاصفة تسببت في انقطاع الماء بسبب عطل في «محرك» ضخ المياه المشغل للخزان، وذهبت معه سدى كل المحاولات والاتصالات من أجل إصلاح هذا العطل.
يستوقفنا مصطفى أمام منزل علاه الثلج حتى أصبح في مستوى سطحه، ومنزل آخر يصل الثلج إلى نوافذه، يقول امبارك أوعدي:» قد يصل الثلج إلى أزيد من متر وعشرين سنتمترا في بعض الأزقة، المنازل الطينية الهشة بهندستها البدائية لا تصمد أمام متر من الثلج».
على وقع حديث امبارك، نطل على رابية بيضاء تماما، يظهر منها خطوط ومربعات، يبدو أنها أرض فلاحية، وأد الثلج بذورها، وهو ما يعني موسما فلاحيا هزيلا، في بلدة ليس لها مورد سوى زراعة بضع حقول صغيرة من البطاطس، إذ يستمر العمل فيها مدة أربعة أشهر لتستمر بعدها البلدة وسكانها في سباتهم السنوي الذي يستمر 8 أشهر في السنة. هناك بضع رؤوس من الماشية ربطت بجانب المنازل ولا علف أمامها..
نهم ما يزالون محاصرين
نبدأ في الصعود، الطريق هنا مقطوعة تماما، لا شيء سوى الثلج والصقيع، الغابة تصنع حزاما في الأفق، وقد وضع الأهالي أحجارا ضخمة وسط الطريق. نستمر في التوغل أكثر في اتجاه المرتفعات، حيث يسكن محمد ايزم، وهو فلاح يعيش وحيدا، معزولا بعيدا عن تيقاجوين بحوالي 2 كلم، يظهر «ايزم» فوق بغلته، التي تغوص قوائمها حتى الركب في الثلج. يبدأ في الحديث إلى مرافقنا بالأمازيغية، وأنفاسه توشك أن تنقطع من شدة التعب. يبدو منزعجا يترجم مصطفى، لقد ضبط ايزم شخصا قطع أربعة شجرات أرز، وقد تطوع أحد الشباب لمطاردته وسط الغابة المكسوة بالثلوج.. مغامرة غير محمودة العواقب..
يتجه «ايزم» نحو المدشر ليتلقى إرسالية من صديق له عبارة عن دواء للنعاج التي بدأت في النفوق بسبب البرد. إنه مضطرب وقلق على نعاجه التي تعد مصدر رزقه.
ليس هناك ما يربط ايزم بالعالم الخارجي، حتى السكن، فإنه يقطن بعيدا عن الدوار، لكن ايزم هو «بوابتنا» نحو المناطق الأكثر عمقا. يحدثنا ايزم قائلا، «هناك عدة مناطق محاصرة تماما إلى يومنا هذا، مداشر اومزا وبوزال وترايرا وتافراوت المرابط، وهي كلها مناطق تبعد عن تيقاجوين بمسافة تتراوح بين 5 و8 كلم، ليس لديهم ماء ولا كهرباء ولا طريق، حتى الطريق التي يحفرونها أغلقها الثلج».
85 أسرة محاصرة إلى حدود كتابة هذه السطور، ايزم يساعد المرضى بحملهم فوق أكتافه أحيانا والخوض بهم في الثلج، وهو يعرض أيضا بغلته للمساعدة، بعد أن نفقت بغلته السابقة منذ سنتين بسبب الثلج، عندما انزلقت وسقطت. ثمن بغلة هنا ألفي درهم، وهو ما يوزاي حوالي ربع مداخيله السنوية.
في هذه المناطق ليس هناك سوى الظلام، فالإنارة التي يمكن استعمالها هي إنارة قنينات الغاز، وفي مثل هذه الأسابيع وصل ثمن قنينة الغاز الصغيرة، إلى ثلاثين درهما، في منطقة لا يملك سكانها ثلاثون درهما لسد الرمق..
نستمر في الصعود لمسافة كلمتر واحد لتقطع بعدها كل أسباب الحياة، لا نملك لهذه الدواوير البادية في الأفق شيئا، فبيننا وبينهم صحراء من الثلوج، نعود أدراجنا كي لا يدركنا الظلام، نصادف في الطريق موحا وهو يقود بغلته، يقدمه مصطفى إلينا، إنه موحا بائع الحطب، الذي يخرج يوميا في الخامسة صباحا، ليعود في المساء وهو يحمل أثقالا من الحطب.
« الحطب هو أهم شيء في المنطقة»، يقول موحا الذي لا يتكلم العربية، شأنه في ذلك شأن الكثيرين من السكان المحليين، «حزمة واحدة من الحطب تساوي 60 درهما وهو يكفي ثلاثة أيام، لكنه سعر للأيام العادية فقط، حين يكون الجو صحوا، لكن الثمن قد يصل إلى 150 درهما». المديرية الجهوية للمياه والغابات كشفت أن معدل استهلاك الأسرة الواحدة من الخشب يصل إلى 10 أطنان سنويا، لكن مصطفى العلاوي يصحح هذا المعطى قائلا، «لقد قمنا بعمل إحصائي ميداني تطوعي، إذ يعتبر المعدل السنوي لاستهلاك الحطب هو 25 طنا لكل أسرة». يودعنا موحا بالأمازيغية.. بينما يعلق مصطفى «البغل كائن ضروري، إنه عماد حياتنا ولا أحد يقدم لنا المساعدة من دونه، «لو ترشح البغل عندنا لصوتنا عليه».
حديث المحاصرين
نعود إلى المدشر المنكوب، هناك الكثير من الشباب يجلسون على ناصية الطريق، ومراهقون أزاحوا الثلج من مساحة مربعة ليلعبوا كرة القدم، بينما الأدخنة ترتفع من كل بيت وكوخ. الشمس شارفت على الغروب والليل قاس وبارد، ندخل فناء مسقفا بالخشب، حيث يتحلق رجال حول موقد حطب بدائي، إنه ما يمكن تسميته مقهى القرية، يتحدث علي أوعدي، وهو ناشط جمعوي وحقوقي وكاتب الحالة المدنية للجماعة القروية سابقا: «نجلس هنا 8 أشهر في السنة، فلا عمل لنا.. فالنشاط الوحيد الذي نقوم به هو جلب الحطب في الصباح، ثم تمضية باقي اليوم حول الموقد».
المشكل أعمق بالنسبة إلى باسو أوعدي، الذي سبق أن كان عضوا منتخبا في الجماعة القروية للمنطقة: «نحن لا نريد صدقة، نحن منطقة لنا مواردنا ولنا غابتنا، لقد أمضوا أزيد من أربعة عقود وهم يأخذون من غاباتنا لتنمية مناطق أخرى، لذلك منعناهم منذ 2003 من قطع الأشجار أو اقتطاع المساحات من غابتنا، لأنها تحتاج إلى راحة بيولوجية، ولذلك كونا لجانا لمراقبة الغابة بعد أن تضع مأمورية المياه والغابات علامتها، نأتي نحن وننزعها، لذلك يبدو أن رسالتنا قد وصلت. فغاباتنا تقتطع منها مربعات تُسمى «les coupes» تباع بملايين الدراهم لمستثمرين لا يلتفتون إلى تيقاجوين ونواحيها. فهناك 34 قطعة قطعت، ولك أن تحصي المبلغ، إنها تعد بالملايير التي لم تستفد منها المنطقة بأي شيء».
وهنا يتدخل مصطفى ليقول: «لقد نظمنا في نهاية السنة الماضية وقفة ومسيرة ضد إحداث بقع غابوية بغابة «إيدكل» بمنطقة أمالو نتوجوط من أجل قطع أشجار البلوط الأخضر، لأن ذلك يهدد الغطاء الغابوي بالمنطقة ويضر بالبيئة.
وفي هذا السياق وجهنا مراسلة إلى عامل إقليم ميدلت وإلى المدير الإقليمي للمياه والغابات من أجل التدخل لوقف العملية التي ستستنزف غابتنا، وكلما علمنا أن هناك عملية تهيئة بعض المناطق لإحداث بقع غابوية لقطع أشجار البلوط، نرفض ذلك بشدة..».
علي أوعدي، رئيس جمعية ايت حنين، يدلي بدلوه ويقول: «هل تريدنا أن نتركهم يخربون غابتنا ونصمت. لقد نهبوا خلال الآونة الأخيرة حوالي 1000 شجرة وهو السبب الذي جعل الساكنة تتحمل المسؤولية لتحمي الغابة. وهنا أطرح سؤالا أين هي المراقبة وردع المخالفين الذين يقطعون أشجارا عمرها يزيد عن 600 سنة،
ويخربون البيئة ويتسببون في دمار مخزونها الغابوي، الذي تعول عليه الساكنة المجاورة؟» ثم يخلص علي إلى القول: «كيف يعقل أن تستغل غابتنا لتنمية منطقة أخرى، ونحن في أحوج إلى تنمية نعتمد من خلالها على مواردنا الطبيعية التي تعرفها منطقتنا. إن اختفاء الغابة يجعلنا نفضل الهجرة بدل أن يقتلنا البرد القارس».«العزوف» هو الكلمة التي تتردد على كل لسان هنا، فالسكان هنا عازمون على مقاطعة الانتخابات المقبلة، يقول الشيخ باسو، نتيجة للتهميش والإقصاء وسياسة الأذان الصماء، والعزلة القاسية في كل فصل شتاء.
وفيات الحوامل والالتهاب الرئوي الحاد
السكان ينصتون إلى الشيخ باسو باحترام، وعند انتهائه من الكلام يتكلم ابن أخيه امبارك، هناك 465 أسرة خصصوا لها مستوصفا ليس به حتى مرهم للعيون، وممرض واحد مغلوب على أمره كأنه «تعيين عقابي»، يتدخل مصطفى بمناسبة الحديث عن الصحة: «قبل حوالي أسبوع، وفي إطار الحصار الثلجي، فاجأ المخاض سيدة حامل، قررنا المغامرة وحملها على جرار حتى أقرب نقطة في اتجاه «بومية»، كنا نسير قليلا وعند انقطاع الطريق ينزل الشباب ليزيحوا بمعاولهم الثلوج من الطريق، إذ كادت المرأة تموت».
يتقدم كهل أمازيغي يتحدث إلى مصطفى مرافق «أخبار اليوم»، يطول الحديث بينهما، تمتلئ مقلتي الرجل دموعا، فيشرع مصطفى في الحديث: «الشيخ سعيد آيت عزيز، وزوجته هي إيطو ايزم. منذ مدة تزيد عن ثلاثة أسابيع وهي تتقيأ دما، وليس له أي درهم لينفقه عليها أو يدفعه لمن يوصلها إلى المستشفى، إنها مصابة غالبا بالتهاب رئوي حاد بسبب البرد وهو مرض يصيب الكثير هنا».
يتدخل أحد السكان من الشباب قائلا: «أنا أيضا لدي مرضى في عائلتي بالمرض نفسه، لقد شاهدنا المساعدات تصل إلى أحد المداشر في التلفزيون، نحن لسنا حشرات نحن «محكورون».. بينما يقول سعيد أيت عزيز بالأمازيغية: أرجو منكم أن تكتبوا اسمي..
بسبب الطرق المحفرة والمسالك شديدة الوعورة، وعدم تعبيد الممرات التي تغلقها الثلوج، فإن الدوار والمناطق المحيطة به تشهد كل سنة وفيات في صفوف النساء الحوامل لصعوبة نقلهن، فضلا عن الاحتمال الكبير لحدوث وفيات ناتجة عن الحالات الطارئة التي تصيب الأطفال.
محمد بن العربي يعتبر أن مدخلا آخر يمكن أن يحل المشاكل التي تتخبط فيها فلاحة المنطقة، متسائلا «أين هو مخطط المغرب الأخضر. إذ في كل موسم، وبعد أن نجني المحصول المكون غالبا من البطاطس والتفاح وبعض المنتوجات الفلاحية الأخرى، نضطر إلى بيع منتوجاتنا بأقل الثمن وبالخسارة، أولا لصعوبة وصول التجار لهذه المناطق بسبب عدم وجود طرق معبدة، أو بسبب انخفاض الأسعار عموما. فهل يستطيع مخطط المغرب الأخضر، أن يحافظ على الثمن لكي نحقق الحد الأدنى الذي يضمن لنا العيش الكريم؟»
«آخر مساعدات كانت قد وصلتنا في 2012، بعدها لم نر شيئا»، يقول امبارك أوعدي، قبل أن يضيف «هناك من يروج عن سكان المنطقة أنهم أثرياء وأنهم يملكون هكتارات من التفاح، لقد رأيتَ كل شيء.. منازلنا ترابية تنهار تحت أول زخة مطر، والفئران تقسامنا صحوننا ورغيف الخبز».
نعود نحو خنيفرة، حيث الطريق مظلمة تماما، وصقيع الليل يباغتنا من كل الجهات، مخلفين وراءنا تيقاجوين وأومزا وتيرايرا المعزولة بأطفالها ونسائها، يلوحون بأيديهم نحو سيارة «الخطاف» الذي قبل أن ينقلنا إلى تيغسالين تحت جنح الظلام، ومن بعيد يقف الرجل الذي ينتظر مولودا جديدا وهو يتمنى أن يأتي المخاض زوجته نهارا وفي يوم مشمس..
نرفض الجهوية الموسعة ونرفض إلحاقنا بالراشيدية
سكان المنطقة صدموا عندما رأوا التقسيم الترابي الجديد المندرج ضمن مشروع الجهوية الموسعة، لقد ألحقت منطقتهم بجهة الراشيدية، وهو ما يعتبرونه حيفا حقيقيا. يقول عميد السكان الشيخ «باسو»، أي جهوية لم نُستشر فيها نحن لا نعترف بها. نحن ننتمي إلى خنيفرة وهي الأقرب إلينا، مصالحنا كلها قادمة من خنيفرة، هناك ثلاثة طرق رئيسية بالنسبة إلينا أولها طريق تبدوت، وطريق بوعمود، وطريق أبضغيغ، ثم كيف ننتقل إلى الراشيدية التي تبعد عنا بمئات الكيلومترات ونحن لا نجد ما ننفقه. طلبتنا ومرضانا كيف سنقوم بإرسالهم إلى منطقة تكلف على الأقل 250 درهما، لقد تلاعبوا بنا. هناك مواطنون لهم أولاد كل ابن مسجل في جماعة، يتدخل مصطفى العلاوي: «السكان يطالبون باستقلالية التسيير الإداري وخلق جماعة مستقلة بالمنطقة، إلى جانب عدد من المطالب ذات الطابع الاجتماعي.
ن جماعة ملوية العليا هي الأساس الذي نريد أن يُفتح الحوار من أجله، في أفق إحداث جماعة مستقلة قائمة الذات بدوار تيقاجوين، الذي يعتبر من أكبر المداشر هنا، نحن تابعون لإقليم ميدلت وتابعون لجماعة سيدي يحيا أيوسف، وهي الجماعة التي لا يتجاوز عدد الأسر فيها 200 أسرة، فيما دوار تيقاجوين يحتضن أكثر من 465 أسرة».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.