مصر تفوز على كوت ديفوار وتحرز لقب أمم إفريقيا أقل من 23 عاما    فيديو: هدف دورتموند في مرمى بادربورن من تمريرة حاسمة لأشرف حكيمي    الدفاع الحسني الجديدي يفوز على رجاء بني ملال    عبيابة يستقبل أعضاء اللجنة التنظيمية للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة    علماء يكتشفون العلاقة بين سرطان الرئة وتناول اللبن والألياف    مشاركة نوعية لجهة الشمال في الدورة السادسة عشر للمؤتمر الوطني لحقوق الطفل    مروج للأقراص المهلوسة يقع في قبضة أمن مراكش    مندوبية التامك تشارك في المعرض الجهوي للصناعة التقليدية ببني ملال (صور) لتثمين إبداعات النزلاء في مهن الصناعة التقليدية    تنفيذا للتعليمات الملكية.. وزير الداخلية يترأس اجتماعا خصص لتتبع تنفيذ برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية    هل تتراجع السلطات عن قرار منع الجمهور في متابعة لقاء "ديربي الشرق"    رياح وأمطار قوية غدا السبت بعدد من مناطق جهة طنجة تطوان الحسيمة    اسبانيا .. شرطي ينقذ شابة مغربية من موت محقق (فيديو)    "كواليس" إدارة حسنية أكادير تُثير تساؤلات جماهيره .. وتنديد ب"أدوار" الكاتبة الإدارية و"نفوذها"    عبيابة.. ضرورة معالجة الإشكالات المطروحة والرقي بمستوى كرة السلة الوطنية    قراءة في مقتضيات المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2020    أزيد من 12 ألف حالة عنف ضد النساء خلال سنة 2018    “مندوبية التخطيط” تكشف عن نسب النسيج المقاولاتي بجهة طنجة تطوان الحسيمة (تقرير)    هيئة حقوقية تطالب بإطلاق سراح ويحمان    الملك محمد السادس يوجه رسالة للسيسي.. ويدعو لإحداث شراكة نوعية    عمال في مصنع متعثر يهاجمون ماكرون    نتنياهو يودعُ الشرطةَ ويواجه القضاءَ    العثماني يؤكد الالتزام القوي للمغرب قصد النهوض بأوضاع الطفولة    بوريطة يمثل جلالة الملك في فعاليات منتدى الاستثمار “إفريقيا 2019” بالقاهرة    المغرب يصدر بنجاح سندات في السوق المالية الدولية لمبلغ 1 مليار أورو    تتويج وزير الفلاحة بوسام قائد الإستحقاق الوطني الفلاحي الإيفواري    زيدان يتجنب الحديث عن سلوك غاريث بيل    الزمالك يتحدى "الكاف" و الترجي..ويطالب بإجراء مباراة السوبر الإفريقي في "رادس" بعيدا عن قطر    الجزائر.. مظاهرات رافضة للانتخابات بالجمعة 40 للحراك    اعتداء على رجل “مُقعد” باب سبتة يخلق جدلا كبيرا – فيديو    فيديو.. اعتداء على مسلمة محجبة بمطعم أسترالي    بعد سنوات من المثابرة.. التجربة تقود قاضيا شابا لرئاسة إدارية فاس الإبتدائية    اسماعيل حمودي يكتب: مهمة بنموسى الصعبة    “مستخدمو الماء” يضربون احتجاجا على سياسة الONEE    مجانا.. “محمد رمضان وميتر جيمس و”لاغتيست” و”الحر” يلتقون الجمهور في “جامع لفنا    توفيق صايغ.. الكبير المنسي والشاعر المنكود    رئيس لجنة عزل ترامب: الوقائع المنسوبة للرئيس أخطر من « ووترغيت »    ارتفاع نسبة التضخم ب 0.9 في المئة بالمغرب خلال أكتوبر    السلطات السويدية تمنح مصطفى الحسناوي اللجوء السياسي    العلمي :صناعة السيارات أصبحت القطاع المصدر الأول للمغرب    إرتفاع عدد المسافرين في مختلف مطارات المملكة بنسبة 11.76 %    بسبوسة مالحة بالبطاطس    تورم القدمين عند الحامل    5 مشاكل بسبب الأرق عند الطفل    هذا ما قاله عبيابة عن مزاعم تسريب معطيات شخصية للصحافيين    مركز صيانة قطارات "البراق" بطنجة ينفتح على الطلبة المهندسين    تركيا تتجه لإسقاط الجنسية عن عبدالله غولن    'سترايك'' لحمزة الفيلالي يحقق 18 مليون مشاهدة على mbc5    سيرخينتو ينقل ذاكرة الصحراء للمغرب الشرقي    رمضان يعيد طرح “إنساي”    مباشرة بعد عودته من المغرب.. فرانش مونتانا ينقل إلى المستشفى بسبب أزمة قلبية    سعد المجرد يتقدم ب”طلب خاص” للقضاء الفرنسي.. ورمضان: سيعود قريبا    وزارة الدفاع الأميكية: الترسانة الباليستية الإيرانية الأولى في الشرق الأوسط    العرائش.. يوم دراسي حول آفاق سوق الشغل والتشغيل الذاتي    مجموعة مدارس هيأ نبدا تنظم ورشة بعنوان " كيف تخطط لحياتك و تحقق اهدافك " - ( منهج حياة ) .    مسلم يرد على خبر زواجه من أمل صقر بآية قرآنية    تدوينة لمغني الراب الطنجاوي مسلم تنفي زواجه للمرة الثانية    مسلم يكذب خبر زواجه الثاني ب”آية قرآنية”    هكذا علق الرابور مسلم بخصوص زواجه بالممثلة أمل صقر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حقوق الكنائس والبيع في الإسلام
نشر في بريس تطوان يوم 25 - 04 - 2019

حقيقة مرة توصلت إليها عبر سنوات من البحث والتنقيب في بطون التاريخ الإسلامي والتاريخ الديني عموما، وهو أنه لم يتم استغلال الدين من أي جماعة أو حزب أو طائفة أو دولة وإدخاله في أتون السياسة والأيديولوجيا إلا عاد ذلك بالخراب والدمار على البلاد والعباد من جهة، وعلى تأزيم العلاقات فيما بين الأديان نفسها وبين أصحابها من جهة أخرى، كم من حروب دينية وقعت بسبب هذا ذهب ضحيتها الآلاف؛ بل الملاين من الناس؟! لهذا جاء الحسم من القرآن الكريم في جانب مهم وحساس في في حياة الإنسان وهو حرية العقيدة، يقول تعالى: " لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي" وقال تعالى: "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.." وقوله تعالى: "فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر" أي فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم فقط، "فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" ، ولهذا قال سبحانه: "لست عليهم بمسيطر"؛ قال ابن عباس ومجاهد: لست عليهم بجبار، أي لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان..كما أن من مبادئ ديننا الإسلامي أن من حق أي انسان أو جماعة تعيش تحت مظلته ولا تدين به أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وأعرافها، وتمارس شعائرها الدينية بكل حرية، وعلى الدولة والحكومة المسلمة أن تحافظ وتحمي دور عبادة هؤلاء من معابد وكنائس وغير ذلك؛ فحماية دور عبادتهم هي من مقاصد الدين الإسلامي ومن جوهر تعاليمه؛ بل القرآن الكريم أوجب على الحاكم المسلم أو رئيس الدولة بالمفهوم المعاصر، إذا حاولت جماعة أو دولة أو أحد من الناس التهجم على بلاده وهدم بيوت الله تعالى من معابد وكنائس ومساجد قلت: سمح له القرآن وأعطاه حق الدفاع للمحافظة على دور العبادة من الهدم ، ضمانا لأمنها وسلامة أصحابها من كل مكروه قد يصيبهم وذلك في قوله تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا.." قال ابن عباس رضي الله عنهما، الصوامع هي التي تكون فيها الرهبان، والبيع هي مساجد اليهود، أما الصلوات فهي كنائس النصارى، والمساجد هي أماكن العبادة عند المسلمين، وقال مقاتل بن سليمان في تفسيره: "كل هؤلاء الملل يذكرون الله كثيرا في مساجدهم ، فدفع الله بالمسلمين عنها" وبذلك جاءت السنة النبوية الشريفة فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أنّ لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ألّا يُغَيَّرَ أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه.." وعلى هذا النهج سار الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام، فقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه عهدًا إلى المسيحيين في بيت المقدس عام 15 هجريًا، فيما يسمى العهدة العمرية، قال فيها: " ﺑِﺴْﻢِ ﺍﻟﻠﻪِ ﺍﻟﺮّﺣْﻤَﻦِ ﺍﻟﺮّﺣﻴﻢِ، ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺃﻋﻄﻰ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻤﺮ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺃﻫﻞ ﺇﻳﻠﻴﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﺎﻥ -ﻭﺇﻳﻠﻴﺎﺀ ﻫﻲ ﺍﻟﻘﺪﺱ- ﺃﻋﻄﺎﻫﻢ ﺃﻣﺎﻧًﺎ ﻷﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ، ﻭﻟﻜﻨﺎﺋﺴﻬﻢ ﻭﺻﻠﺒﺎﻧﻬﻢ، ﻭﺳﻘﻴﻤﻬﺎ ﻭﺑﺮﻳﺌﻬﺎ ﻭﺳﺎﺋﺮ ﻣﻠﺘﻬﺎ، ﺃﻧﻪ ﻻ ﺗﺴﻜﻦ ﻛﻨﺎﺋﺴﻬﻢ ﻭﻻ ﺗﻬﺪﻡ، ﻭﻻ ﻳﻨﺘﻘﺺ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﻻ ﻣﻦ ﺣﻴﺰﻫﺎ، ﻭﻻ ﻣﻦ ﺻﻠﻴﺒﻬﻢ، ﻭﻻ ﻣﻦ ﺷﻲﺀ ﻣﻦ ﺃﻣﻮﺍﻟﻬﻢ، ﻭﻻ ﻳُﻜﺮَﻫﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺩﻳﻨﻬﻢ.." وعلى ذلك جرى عمل المسلمين وحكامهم -زمن فقه الأنوار الإسلامي- في الحفاظ وحماية حقوق هؤلاء في التعبد وممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية؛ هنا نستحضر قصة السلطان المغربي المسلم محمد الخامس رحمه الله تعالى مع اليهود المغاربة عندما طلبه الجنرال (فيشي ) بتجريم وتصفية لما يزيد عن 250.000 يهودي مغربي من قبل قوات الاحتلال الفرنسية للمغرب سنة 1941 م؛ حيث رفض محمد الخامس رحمه الله تعالى رفضا قاطعا تطبيق هذه القوانين التي كانت تُجرمُ تواجد اليهود على تراب المستعمرات الفرنسية و دافع عنهم قائلا : " لا يوجد يهود عندي في المغرب؛ بل عندي مواطين مغاربة " .

فالسلطان محمد الخامس رحمه الله تعالى كان يعي جيدا ما يقول -وهو الفقيه والعالم بالقرآ والسنة- على أن دين الإسلام يحرم ويمنع منعا كليا التعدي على اليهود والنصارى وسفك دمائهم أو هدم كنائسهم ومعابدهم، وخصوصا وهم في كنف الدولة الإسلامية وتحت سلطانها، ولهذا أبرز فقهاء الإسلام في بعض كتبهم قمة وعظمة الإسلام وخصوصا فيما يتعلق بالحوار والتعايش والتسامح مع الآخر وضمان حقوقه وممارسة شعائره الدينية بكل حرية، حتى أن عالمي الديار المصرية الإمام والمحدث والفقيه الليث بن سعد والإمام قاضي مصر عبد الله بن لهيعة أكدا أن كنائس أقباط مصر لم تبن إلا في ظل الحكم الإسلامي، وأن والي مصر في زمن هارون الرشيد، موسى بن عيسى أمر بإعادة بناء الكنائس التي تهدمت في بعض الحروب، وجعل ذلك من عمارة البلاد، وكانا أعلم أهل مصر في زمنهما، وفي هذا السياق يقول الدكتور "إيدمون رباط" في حديثه عن سماحة الدول الإسلامية: "إنه كان من حق الشعوب الخاضعة لنظامه أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وتراث حياتها، وذلك في زمن كان يقضي المبدأ السائد فيه بإكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم " .

مع الأسف، يأتي اليوم بعض المتطرفين كداعش ونحوها ويصدرون فتاوى يحرمون من خلالها بناء الكنائس والمعابد في البلاد العربية والإسلامية؛ بل ويقومون بهدمها وتفجيرها انطلاقا من هذه الفتاوى التي يرفضها القرآن ويرفضها الإسلام وتعاليمه؛ لأن للتعصب وللمذهبية والأيديولوجية أعين كما يقال، لا ترى إلا ذاتها وجماعتها وحزبها وطائفتها وزعيمها؛ فمن خلع جلبابها وطلقها فسيرى الخير والعدل والحق والاستقامة والصلاح والتقوى في أناس كان يحسبهم خبثاء وشياطين وكفرة..هنا تكمن خطورة الحزبية والأيديولوجية؛ لكونها تعجز عن رؤية القيم الانسانية ورؤية الخير والاستقامة في الآخر؛ بل تقوم بتشويه هذه القيم وتحريف مضامينها مع التدليس والغرر والشطط في تطبيقها ونفيها عنه؛ لأن الإنسان المتحزب -مهما كان تقيا مستقيما أو فقيها عالما- لا يقوى على فهم ماهيه الأمور على وجهها الحقيقي؛ لعيب أو غبش في بصره وبصيرته، فالدين كما هو معلوم، وأي دين سماوي جاء ليسعد الإنسان من حيث هو إنسان، خلقه الله تعالى بيده ونفخ فيه من روحه وكرمه وفضله على سائر مخلوقاته، ولهذا قصة الدين هي قصة إنسان أولا وقبل كل شيء، ومن جوهر الدين الأخلاق والمعاملة الحسنة مع جميع البشر، فدين الله الحقيقي لا يخص جماعة أو طائفة أو قبيلة بحد ذاتها بقدر ما يخص جماعة الانسان (رحمة للعالمين) فمن الصعب جدا أن تكون مؤمنا حقا؛ لأن المؤمن الحق ينبغي عليه أن يحب الخير لجميع الناس كما يحبه لنفسه، إن لم تكن كذلك فأنت لم تؤمن به "جل جلاله" حتى ولو صليت ملايين الركعات، فظلم االإنسان وإيذائه والسخرية منه، ومنع الطعام عنه وعدم مساعدته حرام ولا يجوز في دين الإسلام ، وفي هذا السياق يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَان وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ به" ويقول صلى الله عليه وسلم "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده"، ويقول "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشّبك بين أصابعه، علما أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بنى دولته على أسس المواطنة وحصنها بدستور مدني (صحيفة المدينة) هذه الصحيفة تعتبر أول دستور في التاريخ ينظم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين من اليهود والنصارى؛ حيث اعتمد صلى الله عليه وسلم -كما قلت سابقا- على أساس المواطنة الكاملة التي يتساوى فيها المسلمون مع غيرهم من مسيحيين ويهود ومجوس وعباد الأوثان وغيرهم من ساكني المدينة المنورة ومن حولها، ومن حق كل واحد أن يمارس حقوقه الدينية بكل حرية، وهذا ما أكده القرآن الكريم منذ ما يزيد عن 14 قرنا وقال سبحانه وتعالى " لا إكراه في الدين ".


الصادق العثماني
داعية وباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الإرهاب والتطرف


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.