في ساحة 20 غشت وسط مدينة طنجة، وقبيل التاسعة صباحاً، تتوزع نساء بأعداد متفاوتة في زوايا مألوفة، يعرفها الجميع في الأحياء المجاورة ب"الموقف". بعضهن يحملن حقائب يدوية، أخريات يتكئن على الرصيف، يتبادلن النظرات أو ينشغلن بأحاديث مقتضبة. الحركة توحي بالانتظار، لكنه ليس انتظاراً عبثيا؛ إنه بحث يومي عن عمل مؤقت كعاملات منزليات، في مشهد يتكرر كل صباح منذ سنوات، دون أن يثير سوى القليل من الانتباه، والكثير من التعايش الصامت. وتتعدد دوافع هؤلاء النسوة إلى هذا الفضاء المفتوح على المجهول: منهن من وجدت نفسها معيلة لأطفال بعد طلاق أو ترمّل، وأخريات دفعتهن الظروف الاقتصادية للهروب من القرى نحو المدينة، علّها تفتح لهن بابا نحو العيش الكريم. غير أن الواقع سرعان ما يبدّد الآمال الأولى، ليغدو "الموقف" بالنسبة لكثيرات هوية يومية، ونمط عيش، إن لم يكن قدَرًا لا فكاك منه. في هذا الفضاء، لا عقود، ولا ضمانات، ولا سقف قانوني. كل شيء يُبنى على الثقة العابرة والتفاهم اللحظي. سيارة تتوقف، يُفتح الزجاج، تطرح أسئلة سريعة: "شنو كتديري؟"، "بشحال؟"، "كتعرفي الطياب؟"، "كتعرفي ديري الفران؟"، لتندفع نسوة نحوه أحياناً بشكل يوصف ب"التسابق الهجومي" على الزبون، في سلوك لا يخلو من فوضى وعنف رمزي، وربما جسدي، يربك المارة ويُثير استياء بعض سكان الحي. تقول فاطمة، وهي خمسينية دأبت على ارتياد الموقف منذ سبع سنوات: "اللي سبق شحال هادي عندها الزبناء ديالها، وإلا ما تسابقتيش ما تلقاي والو". بعض العاملات يتم انتقاؤهن بناء على الشكل، أو البنية الجسدية، أو "الصيت" الذي راكمنه لدى الزبائن. فيما تبقى أخريات على الهامش، يراقبن في صمت، أو يغادرن حين يطول الانتظار بلا جدوى. هنا، لا مجال للحديث عن العدالة الاجتماعية. السوق غير رسمي، لكنه محكوم بمعايير غير مكتوبة، وبتراتبية غامضة تُكسب بعض النساء سلطة ضمنية داخل "الموقف". ورغم الهشاشة الظاهرة، سبق لعدد من الجمعيات المدنية أن حاولت التدخل لعرض بدائل ملموسة: تكوينات مهنية، فرص إدماج، برامج للتشغيل داخل تعاونيات أو مقاولات صغيرة. إلا أن المفارقة، كما تؤكد فاعلة جمعوية فضّلت عدم ذكر اسمها، أن "عدداً كبيراً من النساء رفضن المغادرة أو الاندماج في هذه البرامج، مفضلات الاستمرار في الوضع القائم"، مضيفة أن "قلة قليلة فقط استجابت، وغالباً من بين الفئات التي تعاني هشاشة فعلية وتبحث بصدق عن الاستقرار". هذا الرفض، بالنسبة لبعض المتتبعين، يطرح تساؤلات صعبة حول الحدود بين الحاجة الحقيقية، وبين من وُجدت في "الموقف" وارتاحت لوضعية فيها حدّ أدنى من الدخل، بلا التزامات ولا رقابة. ولا تخلو هذه الفضاءات من اتهامات، تهمس بها الألسن في محيط "بلاصا الجديدة" أو على أرصفة شارع المكسيك القريب. يتحدث البعض عن أن العمل المنزلي المعروض في بعض الحالات قد لا يكون سوى واجهة لما يُسمّى ب"الدعارة المقنعة". اتهامات لا تحظى بإثبات، لكنها متكررة، ويتم تداولها بكثير من التحفظ. "كاين اللي كتجي للموقف باش تخدم نهار أو يومين، وكاين اللي ماشي جايّة غير باش تنظف ولا تطبخ، وكلشي عارف هاد الشي"، يقول أحد سائقي سيارات الأجرة ممن يمرون يومياً من الساحة. مقابل هذه النظرة، تصرّ نساء كأمينة، 42 سنة، على رفض هذا التصنيف: "إحنا كنخدمو بعرقنا، واللي كيقول هاد الهضرة يجي يجرب يقلس فالموقف غير نهار واحد". الموقف في ساحة 20 غشت، أو في محيط سوق الرمل، لم يعد مجرد محطة مؤقتة للبحث عن عمل منزلي، بل تحول مع الوقت إلى ما يشبه السوق غير المهيكل، الذي تُضبط فيه العلاقات بقواعد غير مرئية، تُنظَّم فيها أدوار القيادة والاتباع، ويُعاد فيها إنتاج الفقر والهشاشة. ومع أن الظاهرة توحي بالحاجة، إلا أن استمرارها رغم المبادرات، ورفض كثيرات لمسارات بديلة، يعكس تعقيدا اجتماعيا لا يمكن اختزاله في خطاب تعاطف بسيط، ولا في اتهام عام. وفي ظل وجود إطار قانوني ينظم العمل المنزلي بالمغرب، يظل "الموقف" في ساحة 20 غشت ومحيط "بلاصا الجديدة" مؤشراً على الفجوة القائمة بين النصوص والتطبيق، وبين ما هو متاح من بدائل، وما يُقبل عليه فعليا. وبين نساء يعشن هشاشة حقيقية، وأخريات وجدن في هذا النمط من العمل مساحة ل"الاستقلال المؤقت"، يبقى السؤال قائماً حول حدود الإرادة الفردية، وجدوى الحلول المطروحة، وإمكانية تحقيق انتقال فعلي من وضعية الانتظار العلني... إلى كرامة مهنية مستدامة.