يمثل تاريخ الثاني من يناير 1492 منعطفا حاسما في تاريخ العلاقات بين ضفتي المتوسط، حيث شكل تسليم السلطان أبي عبد الله محمد الثاني عشر لمدينة غرناطة للملكين الكاثوليكيين إيزابيلا وفرديناند، نهاية الوجود السياسي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية وبداية أزمة ديموغرافية وإنسانية امتدت تداعياتها المباشرة إلى شمال أفريقيا. ولم يكن هذا الحدث مجرد إجراء عسكري، بل دشن لمرحلة جديدة من التحولات الهيكلية في الحواضر المغاربية التي استقبلت موجات متتالية من اللاجئين، مما غير في تركيبتها السكانية ونظمها الاقتصادية والعمرانية. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن سقوط غرناطة لم يؤد فقط إلى توحيد التاج الإسباني، بل تسبب في اختلال موازين القوى في الحوض الغربي للمتوسط، دافعا آلاف الأندلسيين إلى عبور المضيق نحو سواحل المغرب والجزائر وتونس الحالية. وقد تزامنت هذه الهجرة القسرية مع ضعف الدولة الوطاسية في المغرب الأقصى، مما جعل استيعاب هذه الأعداد البشرية تحديا أمنيا واقتصاديا، تحول لاحقا إلى عامل قوة ساهم في إعادة إعمار مدن مندثرة وتأسيس مراكز حضرية جديدة ذات طابع دفاعي. طوفان بشري يعيد هندسة المكان وقد أدى تدفق اللاجئين الغرناطيين، ومن بعدهم المورسكيون، إلى تغيير جذري في النسيج الحضري لمدن شمال المغرب. وتفيد الدراسات التاريخية بأن مدنا مثل تطوان وشفشاون قد أعيد بناؤها أو توسيعها خصيصا لاستيعاب هذه الكثافة السكانية الجديدة، حيث تحولت إلى قواعد متقدمة لمواجهة التحرشات الإيبيرية بالسواحل المغربية. ولم تكن هذه الهجرة عشوائية بالكامل، بل ضمت نخبا عسكرية وإدارية نقلت معها خبرات تنظيمية، مما سمح بتشكيل كيانات شبه مستقلة، كما حدث في تطوان التي تحولت لفترة معينة إلى إمارة بحرية قادها المهاجرون الأندلسيون، مدشنين مرحلة الجهاد البحري كرد فعل عسكري مباشر على سقوط غرناطة. وفي فاس، التي كانت العاصمة السياسية والعلمية، أحدث وصول النخب الغرناطية حراكا اجتماعيا ملموسا، حيث تظهر سجلات الأحباس والموثقين في تلك الفترة اندماجا تدريجيا للوافدين في النسيج الاقتصادي، مع احتفاظهم بهوية ثقافية خاصة. هذا التدفق البشري لم يقتصر أثره على الجانب العددي، بل عدل التوازنات القبلية والحضرية في المنطقة، حيث شكل الأندلسيون كتلة بشرية حضرية بامتياز، ساهمت في تعزيز سلطة المخزن المركزي لاحقا نظرا لخبرتهم في الإدارة وشؤون الدولة. بذور المنفى تثمر نهضة اقتصادية وعلى الصعيد الاقتصادي، شكل سقوط غرناطة وما تلاه من تهجير، عملية نقل قسري لرأس المال البشري والتقني من جنوب أوروبا إلى شمال أفريقيا. ويرصد باحثون في التاريخ الاقتصادي للمنطقة إدخال تقنيات زراعية متطورة لم تكن سائدة في المغرب، خاصة فيما يتعلق بنظم الري وتوزيع المياه وتقنيات البستنة، مما رفع من الإنتاجية الزراعية في محيط المدن المستقبلة. كما شهد قطاع الحرف والصناعات التقليدية طفرة نوعية، لا سيما في مجالات النسيج، صناعة الحرير، وصناعة السلاح والبارود، وهي خبرات كانت ضرورية لتعزيز القدرات الدفاعية للدول المغاربية في مواجهة التوسع الإيبيري. وبخلاف السرديات العاطفية، تؤكد الأرشيفات أن عملية الاندماج لم تخل من تعقيدات اقتصادية وقانونية، حيث اضطرت السلطات المحلية في فترات مختلفة لسن تشريعات خاصة لتنظيم استقرار الوافدين وتمليكهم للأراضي. وبمرور الوقت، تحول هذا الثقل الاقتصادي للأندلسيين إلى نفوذ سياسي ودبلوماسي، حيث اعتمد السلاطين المغاربة المتعاقبون على كفاءات غرناطية في دواوين الرسائل والسفارات، مستفيدين من إتقانهم للغات اللاتينية ومعرفتهم الدقيقة بالسياسة الأوروبية، مما جعل من ذكرى سقوط غرناطة نقطة انطلاق لدينامية سياسية واقتصادية جديدة طبعت تاريخ غرب المتوسط طيلة القرون اللاحقة.