أطلقت هيئات مدنية مساعي جديدة لإحياء ملف إدراج مدينة طنجة ضمن التراث العالمي للإنسانية، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من الذاكرة العمرانية لعاصمة البوغاز التي تواجه ضغوطا عقارية متزايدة، وذلك في سياق التحضيرات للاستحقاقات الدولية لعام 2030. وعقد مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، الثلاثاء، اجتماعا تنسيقيا مع المندوبية الجهوية للثقافة، لتدارس تحيين ملف التصنيف الذي تعثر طوال السنوات الماضية. وأفاد بلاغ مشترك للمنظمين بأن اللقاء سجل "تدهورا يستدعي تدخلا عاجلا" لعدد من المعالم التاريخية، محذرا من فقدان جزء من الرصيد التراثي للمدينة إذا لم يتم تنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين. وتكتسي طنجة طابعا فريدا بفضل وضعها الدولي السابق (1923-1956) الذي جعل منها ملتقى للثقافات ومركز استقطاب للدبلوماسيين والكتاب العالميين. وخلف هذا الوضع إرثا معماريا يمزج بين الأنماط الأندلسية، والكولونيالية، و"الآرت ديكو". غير أن الطفرة الاقتصادية والتوسع الحضري السريع الذي شهدته المدينة خلال العقدين الأخيرين أدى إلى زحف إسمنتي هدد العديد من المباني التاريخية، لاسيما الفيلات القديمة التي تعرضت للهدم أو التهميش لصالح مشاريع عقارية استثمارية. ويأتي هذا التحرك لإحياء ملف "اليونسكو" في سياق دينامية وطنية يشهدها المغرب استعدادا للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030، وهو ما يفرض تسريع وتيرة تأهيل البنيات الثقافية والسياحية للمدن الكبرى. ويسعى القائمون على المبادرة الحالية إلى تجاوز أسباب الفشل السابقة، من خلال إرساء مسار مؤسساتي يدمج كافة الفاعلين، من ولاية الجهة، والمجالس المنتخبة، والوكالة الحضرية، والقطاعات الحكومية المعنية بالتعمير والتنمية المستدامة، لضمان التزام سياسي ومالي يحمي المواقع المعنية. ولمواجهة التهديدات المباشرة، اتفق الطرفان على صياغة لائحة أولية لمواقع تستوجب إدراجا استعجاليا في قائمة التراث الوطني لضمان حمايتها القانونية. وتضم اللائحة معالم بارزة مثل "منارة الشرف" و"المنار" فضلا عن فيلات تاريخية توثق للحقبة الدولية. وسيتولى المرصد بموجب هذا الاتفاق رفع عريضة رسمية لمجلس المدينة لتفعيل مسطرة الإدراج، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي تغيير لمعالم هذه المواقع. ووضع المجتمعون خارطة طريق تبدأ بتنظيم لقاء موسع مطلع شهر مارس المقبل لتحديد الخطوات العملية لمسار التصنيف، يليه يوم دراسي لتبسيط مضامين القانون 33.22 المتعلق بحماية التراث. ويعول الفاعلون على هذا النص التشريعي الجديد لتعزيز الترسانة القانونية الرادعة للتجاوزات العمرانية التي تطال المآثر. ويطمح القائمون على المشروع إلى تجاوز المقاربة الحمائية البحتة نحو استراتيجية متكاملة للتثمين السياحي، تتضمن وضع خرائط تراثية وتطبيقات رقمية توجيهية. كما يسعون للاستفادة من تجربة مدينة تطوان المجاورة، التي نجحت في تصنيف مدينتها العتيقة كتراث عالمي عام 1997، من أجل تحويل الرصيد المادي لطنجة إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.