تشق سيارة صغيرة ببطء شديد مجرى شارع مكسيك، فيما يضطر سائق دراجة نارية إلى التوقف فجأة حتى يفسح ممرا لامرأتين تحملان أكياسا ورقية، وبينهما طفل يجر خطاه وهو يلتفت إلى واجهات مضاءة بالأبيض والأزرق. على امتداد الشارع، تتدلى الأضواء فوق محلات الملابس والأحذية والأقمشة، وتعلو أصوات الباعة والمناداة القصيرة واحتكاك الأقدام بالأرصفة الضيقة، فيما تبدو الحركة بعد الإفطار كأنها تتقدم دفعة واحدة ثم تتعثر دفعة واحدة. في هذا المحور القابع في قلب طنجة التجاري، لا يبدأ الليل فعليا بعد أذان المغرب، بل بعد ساعة أو ساعتين، حين يعود الناس إلى الشارع لا للعبور فقط، بل للتبضع والتمشي وتمضية جزء من السهرة. عائلات تخرج بلباس خفيف، شباب يتوقفون أمام الواجهات، نساء يفاصلن في الأسعار، وأصحاب محلات يقفون عند الأبواب يراقبون موجة بشرية لا تهدأ إلا متأخرة. شارع مكسيك ليس ممرا عاديا بين نقطتين. هو واحد من تلك الشوارع التي تختصر وسط طنجة في مسافة قصيرة: تجارة كثيفة، عبور يومي، ذاكرة مدينة مركزية، واستهلاك متواصل للفضاء العام. هنا تتجاور محلات الجاهز والأحذية والحقائب والأقمشة ومستلزمات الحياة اليومية، وفي شارع ظل طويلا مرتبطا بصورة الوسط التجاري التقليدي للمدينة، بما يحمله ذلك من حمولة تتجاوز البيع والشراء إلى نوع من العادة الحضرية الراسخة. لهذا لا تبدو كثافته الرمضانية طارئة تماما؛ الشهر الكريم يغير توقيت الذروة أكثر مما يغير طبيعة المكان. بعد الإفطار، ينتقل الشارع من وظيفة تجارية نهارية معروفة إلى فضاء متعدد الاستعمالات. بعضهم جاء للشراء قبل العيد، بعضهم للتنزه فقط، وآخرون يعبرونه اضطرارا في اتجاه أزقة ومحاور مجاورة. لكن هذا التعدد نفسه هو ما يجعل السير فيه مربكا. الراجلون ينسابون بين حواف الأرصفة ونهر الطريق، والسيارات تتقدم متقطعة، والدراجات تشق ما تيسر من الفراغات، فيما تضيف الوقفات القصيرة أمام المحلات مزيدا من البطء إلى شارع يبدو في كل لحظة أكبر من سعته وأضيق من حاجته. على الأرصفة، يظهر الضغط أكثر وضوحا. جزء من المجال يلتهمه العرض التجاري أو امتداد السلع إلى الخارج، وجزء آخر تحتله الوقفات والتجمعات، فيتحول المشي نفسه إلى مناورة صغيرة متكررة. يهبط البعض إلى قارعة الطريق ثم يعود إلى الرصيف بعد أمتار قليلة، فيما تضطر أسر كاملة إلى السير صفا واحدا لتفادي الدراجات أو المرايا الجانبية للسيارات. أجواء السهرة هنا حقيقية، لكن راحتها الحضرية محدودة. هذه المفارقة هي ما يجعل شارع مكسيك مثار نقاش متكرر في طنجة. فخلال الأشهر الماضية، عاد إلى الواجهة مقترح إغلاق الشارع أمام السيارات وتخصيصه للراجلين، ضمن توجه أوسع لإعادة تنظيم وسط المدينة، في مقابل تحفظات عبّر عنها بعض التجار المرتبطين بحركية الولوج والتزويد والمرور اليومي. وقدمت العديد من التقارير هذا الجدل باعتباره جزءا من محاولة للحد من الفوضى والاختناق في واحد من أكثر شوارع المركز توترا، بل إن بعض المعالجات تحدثت عن شارع لا يتجاوز عرضه نحو سبعة أمتار في مقاطع منه، ما يفسر حدة الاحتكاك بين المركبات والراجلين. وفي قلب الزحام الليلي، لا يبدو هذا النقاش نظريا. يكفي أن يتوقف سائق لثوان إضافية، أو أن تتسع دائرة الواقفين أمام واجهة مزدحمة، حتى ينحبس الشارع كله تقريبا. عندها يطفو السؤال تلقائيا من قلب المشهد نفسه: هل ما يزال هذا الفضاء قادرا على الجمع بين وظيفة مرورية يومية وبين جاذبية تجارية واستهلاكية بهذا الحجم؟ السلطات المحلية دفعت في الفترة الأخيرة نحو تدخلات لإعادة تهيئة أجزاء من وسط طنجة وتحسين الأرصفة والواجهات والإنارة وتنظيم الصورة البصرية للمجال، فيما ارتبط اسم شارع مكسيك ومحيطه أكثر من مرة بمشاريع لإعادة الترتيب وتقليص الفوضى وتحسين شروط التنقل والجاذبية. لكن المشهد الليلي في رمضان يكشف أن التأهيل، مهما حسّن المظهر، لا يلغي بسهولة ضغط الاستعمال اليومي حين يبقى المجال نفسه محكوما بكثافة تجارية عالية وتداخل دائم بين وظائف متعارضة. وأمام بعض المحلات، ينجح التجار في تحويل الضيق إلى فرصة: كلما اشتد التدفق، ارتفعت احتمالات التوقف والنظر والشراء. لكن الشارع يدفع ثمن هذا النجاح. فالحيوية التي تمنحه نبضا خاصا هي نفسها التي تجعله يختنق. وفي رمضان، حيث يمتد زمن الخروج الليلي وتتضاعف الرغبة في التسوق والتنزه، يصبح ذلك أوضح من أي وقت آخر. عند اقتراب منتصف الليل، لا يفرغ شارع مكسيك تماما. تخف الموجة فقط، وتبقى الواجهات مضاءة، وتستمر خطوات متأخرة في شق الطريق بين عربات بطيئة ومارة متعبين. في تلك اللحظة، لا يبدو الشارع مجرد عنوان لسهرات رمضانية مزدحمة، بل صورة مصغرة عن وسط طنجة كله: تجارة وذاكرة وجاذبية، لكن أيضا أرصفة تحت الضغط، مرور مرتبك، ونقاش مفتوح حول من يملك الفضاء العام فعلا، السيارة أم الراجل.