* العلم منسوب كبير من الجرأة و الصراحة و أيضا الصرامة وسم خطاب العرش لهذه السنة. جلالة الملك وبلغة مباشرة نفذ بعين ثاقبة الى عمق الاشكالات التي تؤرق وجدان الشعب المغربي و شرح (بتشديد الراء) بما يكفي من الوضوح السلوكات التي تقف عائقا وحجرة عثراء في وجه ما يصبو اليه المغاربة من عيش حر وكريم. جلالة الملك أبرز في مستهل خطاب العرش أن المغرب يتطور و يتقدم باستمرار بمختلف المجالات بشهادة الجميع لكنه رغم ذلك يعيش على ايقاع مفارقات صارخة، من الصعب فهمها و القبول بها من قبيل تواضع حصيلة الإنجازات المحققة في بعض المجالات الاجتماعية و على رأسها برامج التنمية البشرية والترابية، التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين كنتيجة طبيعية و غير مشرفة بالمرة لضعف العمل المشترك، وغياب البعد الوطني والإستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والتماطل، بدل المبادرة والعمل الملموس. جلالة الملك وضع الاصبع على مكامن الخلل الرئيسية والمشاكل التي تعيق تقدم المغرب وفي مقدمتها ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين مستدلا في هذا السياق بحصيلة نشاط المراكز الجهوية للاستثمار التي تعد، باستثناء مركز أو اثنين، مشكلة وعائقا أمام عملية الاستثمار، عوض أن تشكل آلية للتحفيز، ولحل مشاكل المستثمرين، على المستوى الجهوي، دون الحاجة للتنقل إلى الإدارة المركزية في مقابل تسجيل نشاط مكثفا للقطاع الخاص و مساهمة فعالة له في توليد حركية اقتصادية قوية، توفر الثروة وفرص الشغل في عدد من جهات المملكة و هذا يعني أن العامل والقائد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس. ثاني الاشكالات الكبرى في مغرب اليوم يلخصها خطاب العرش في الاحزاب السياسية الوطنية التي لم تواكب التطور السياسي والتنموي، الذي تعرفه البلاد ولم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة. فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للإستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة و في حالة العكس أي عندما لا تسير الأمور كما ينبغي يتم الإختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه. وهو ما يجعل المواطنين يشتكون لملك البلاد، من الإدارات والمسؤولين الذين يتماطلون في الرد على مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضهم و النتيجة أن ممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة ، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل. جلالة الملك و بروح المسؤولية المنوطة به شدد على أن المسؤولية سيصبح لا معنى لها إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها، وهو الإنصات إلى انشغالات المواطنين مذكرا بأن هذا الوضع غير السليم سيتم التصدي له بالتطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب. خطاب العرش ابرز أن الأحداث المؤسفة التي تعرفها بعض المناطق في اشارة الى حراك الريف أبانت عن الانعدام غير مسبوق لروح المسؤولية إذ عوض أن أن يقوم كل طرف بواجبه الوطني والمهني، ويسود التعاون وتضافر الجهود، لحل مشاكل الساكنة، انزلق الوضع بين مختلف الفاعلين، إلى تقاذف المسؤولية، وحضرت الحسابات السياسية الضيقة، وغاب الوطن، وضاعت مصالح المواطنين و تنصلت الهيئات الحزبية عن مهمتها المتجلية في تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم بل و أن الصراع الحزبي، وتصفية الحسابات السياسوية، و صل ا إلى حد الإضرار بمصالح المواطنين. جلالة الملك رفع عاليا سقف المسؤولية و شدد على أن المغرب يجب أن يبقى فوق الجميع، فوق الأحزاب، وفوق الانتخابات، وفوق المناصب الإدارية واضعا خارطة طريق المستقبل القريب المتمثلة في مسيرة التنمية البشرية والاجتماعية والمساواة والعدالة الاجتماعية، التي تهم جميع المغاربة بجميع الجهات و التي لن تستقيم و تتجسد الا بتغيير العقليات وتمكين الإدارة من أفضل الأطر و اختيار الأحزاب السياسية لأحسن النخب المؤهلة لتدبير الشان العام مع تحلي الجميع بروح المسؤولية ، وحس الالتزام الوطني.