بوليفيا تعلق اعترافها ب"الجمهورية الصحراوية" المزعومة    واتساب يطلق ميزة كلمة مرور إضافية لتعزيز أمان الحسابات على iOS وأندرويد    رومان سايس يعلن اعتزاله اللعب دوليا    الأحداث الأمنية بالمكسيك.. سفارة المغرب تفعل خلية للمتابعة والتواصل المباشر مع المواطنين المغاربة    فيلم "رسائل صفراء" المتوج ب"الدب الذهبي" يُجْلي العلاقة بين السياسة والأسرة    الطوب واللنجري يعيدان «منتخب القرب» لتطوان وينشدان محاربة الفوارق المجالية خلال زيارات لأحياء هامشية    إعلان موعد إجراء الامتحان الموحد الجهوي لنيل شهادة السلك الإعدادي -فئة الأحرار- بإقليم شفشاون    سائقو سيارات اجرة يحتجون أمام مفوضية الشرطة ببني بوعياش    استهداف الأسماك الصغيرة يهدد مستقبل الصيد التقليدي بالحسيمة    مقتل "إل منشو" يشعل المكسيك ويهدد مستقبل المونديال    من مدريد إلى واشنطن... إدارة ترامب تسرع المسار نحو حل نهائي لقضية الصحراء المغربية    بوريطة: نزع السلاح النووي ضرورة سياسية وأخلاقية لا حياد عنها    قائد المنتخب المغربي رومان سايس يودع "القميص الوطني" بكلمات مؤثرة    تقرير حقوقي يسلط الضوء على انعكاسات فيضانات اللوكوس على الساكنة ويرصد محدودية فعالية السياسات العمومية المتعلقة بتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية    تقرير.. إيران ترفض شروط ترامب ومقترح جديد لتفادي الحرب    دول تدين قرارات إسرائيل في الضفة    تخفيف الأحكام على متابعين في أضخم ملفات احتجاجات "جيل زد" بوجدة    تحالفات بطعم انتخابي    أوناحي يستأنف التداريب مع جيرونا    مرتفع شبه مداري يرفع الحرارة بالمغرب ب8 درجات فوق المعدل رغم استمرار فصل الشتاء    اتحاد طنجة يستنكر قرارات تحكيمية    افتتاح الدورة الثامنة لليالي الشعر الرمضانية    يجب الانتباه إلى مكر الثعالب الانتخابية وتجار المآسي    مدريد عاصمة الصحراء المغربية مرّتين    نداء الضمير وحتمية الرد    المشاهدة في رمضان: القنوات الوطنية تهيمن ب 70.4 % ودوزيم تحقق الريادة وقت الإفطار    بورصة الدار البيضاء تغلق بأداء سلبي    إيقاف بريستياني لاعب بنفيكا عن مواجهة ريال مدريد إثر اتهامه بالعنصرية    شركة الطيران الإسبانية "إير أوروبا" تطلق خطا جويا صيفيا جديدا نحو طنجة    السمارة: مدار سقوي بعين النخلة يعزز الأمن العلفي ويفتح آفاقا تنموية    الملك يهنئ سلطان بروناي دار السلام        السويد تقطع الشك باليقين وتخرس مزاعم ومناورات اللوبي الانفصالي    الجولة 13 من البطولة الاحترافية تكرس زعامة الرباعي وتعمق جراح القاع    المغرب وفرنسا يعززان شراكتهما الفلاحية    بين الإقبال الكبير وسيل الانتقادات.. هل فقد "بنات لالة منانة" بريقه؟    "فيفا" يدعم تكوين المواهب في المغرب    بولتيك يطلق برنامج "مور الفطور" لإحياء ليالي رمضان 2026 بالدار البيضاء    منتجات "ديتوكس" .. آثار سلبية وتدابير صحية        المرصد المغربي لحماية المستهلك يندد بغلاء الأسعار مع بداية رمضان    لماذا تبدو شخصيات الشر متشابهة في المسلسلات المغربية؟    التامني: رمضان يكشف هشاشة السياسات العمومية في ضبط الأسواق والحد من المضاربات والاحتكار        الزلزولي على رادار باريس سان جيرمان.. عرض مرتقب بقيمة 20 مليون يورو    كيم يواصل الزعامة في كوريا الشمالية    نتنياهو يتحدث عن تحالف إقليمي تقوده إسرائيل والهند وتشارك فيه دول عربية لمواجهة ما يصفه بمحورين سني وشيعي    أرض احتضنتنا.. فهل نحترم نظامها؟    ين قصر إيش والفياضانات: رمضان يجمع الألم والأمل                دراسة: تعرض الرضع للشاشات لفترات طويلة يؤثر على نمو الدماغ    السلطات الماليزية توقف رجلاً زعم لقاء الأنبياء في سيلانجور    متى يكون الصداع بعد السقوط مؤشرًا لارتجاج المخ؟    علماء يطورون لقاحًا شاملاً ضد نزلات البرد والإنفلونزا و"كوفيد-19″    عمرو خالد: الضحى والشرح والرحمن .. توليفة من القرآن لتخفيف الأحزان        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أولاد درب الجامع
نشر في العلم يوم 15 - 06 - 2010

يقع درب الجامع ?دربنا- في الجزء الشرقي من المدينة العتيقة...من جهة باب المقابر.
ودرب الجامع ? يقول كبير شيوخنا- هو أول درب بناه أجدادنا النازحون من الفردوس المفقود ?الأندلس- وهم يجددون بناء مدينة العين ?تطاوين- على الضفة المقابلة.
وقد بدأوا ببناء الجامع الذي يضم أول محراب ? يؤكد كبير شيوخنا- قيست قبلته القياس الشرعي الذي على منواله راح أجدادنا التابعون يبنون الجوامع التالية ويحددون قبلاتها.
ومن هنا تسمية دربنا بدرب الجامع، وتسميتنا ?نحن- بأولاد درب الجامع.
ويزيد كبير شيوخنا مؤكدا : إن الذي قاس مكان البناء، واستخلص الأضلاع،وحدد زوايا الميل والانحناء للمحراب هو جدنا الأكبر الذي كان عالما حيسوبا ألّف العشرات من الكتب بالعربية و الخميادية لا تزال مخطوطاتها الأصلية محفوظة بخزانة الجامع الخاصة.مثلما لا يزال محفوظا رسم بناء الجامع ورسم تحديد جهة المحراب. والكل مسدود عليه في صندوق من خشب الجوز لا يفتح إلا في ميقات معلوم بمناسبة تجديد كسوة قبر جدنا الأكبر.
وهذا هو الميقات الذي تنتهي فيه دورة وتبتدئ أخرى في دربنا.
وهذا هو الميقات الذي ظهر فيه فجأة الرجل الهدّاوي في دربنا.
ظهر الرجل الهدّاوي فجأة أمام باب الجامع الكبير لابسا معطفا عسكريا قديما وحاملا عصا من الأصداف الملونة. وظل طيلة النهار جالسا فوق المصطبة الملوّثة ينظر إلى الداخلين والخارجين وكأنه يراهم ولا يراهم.
وتكرر نفس المشهد في اليوم الثاني.
وفي اليوم الثالث لم يظهر للرجل أثر.ولم نعر ذلك أدنى اهتمام: فجامعنا مشهور بجذبه -مثل الظل أو النور- للكثيرين من المتعبين و الثقيلي الأحمال حيث يستريحون في جواره ،مدة، ثم يختفون فجأة مثلما ظهروا فجأة.
لكن نهار اختفاء الرجل الهداوي وقعت الواقعة التي صارت تعرف في تاريخ دربنا بواقعة الخصّة الحسناء.
تقع الخصة الحسناء في الصحن الوسطاني بالجامع الكبير.وهي تتكون من بّيلة مستطيلة تمتلئ بالماء من حنفيات فوقها ، ثم يروح الماء ينحدر إلى الفسقية، تحت، من خلال أربعين ثقبا على شمال ويمين البيلة .فيتوضأ القادمون للصلاة. وهذه أعجوبة من أعاجيب ما خططه جدنا الأكبر في بناء الجامع.لكن فجأة انحبس الماء في اليوم المصادف لاختفاء الرجل الهداوي.فانتشر الخبر بسرعة في الدرب.واجتمعنا على عجل في السقيفة ذات الشماسيات التي تلطف حرارة أيام الصيف.ورحنا نتداول في الأمر:
_ عندما ينحبس الماء في الخصة الحسناء فهذا يعني أن كل نظام جلب الماء إلى الجامع، وتوزيعه، قد أصيب.
_ لا نهوّل الأمر كثيرا ،أيها الإخوان، فربما الأمر يتعلق فقط بخلل في سكب الحنفيات، والمطلوب هو إحضار رصاصي يصلحه.
_ جدنا وضع نظام جلب الماء إلى الجامع وتوزيعه بعلم لدني عظيم لن يصلح عطبه رصاصي لا يفهم إلا في أنظمة الوقت.
_ فماذا نفعل إذن؟ ننتظر حتى يظهر جدنا لأحد في المنام ويكشف له عن أصل الخلل؟
وهنا ظهر ? فجأة- الرجل الهداوي قادما من جهة باب الحفاة حيث يضطر الداخل أن يمر على الماء المنسكب فتغسل رجلاه بالضرورة.
وبدون أن ينظر نحونا،أو يقول شيئا،اتجه نحو الخصة الحسناء، فتبعناه صامتين. ودار مرتين حول قاعدة المرمر العالية.ثم صعد فوق حافة الفسقية وراح يتفحص الحنفيات واحدة واحدة.
وتكلم أخيرا: يلزم أن أشوف البئر التحتانية ?بئر الله- التي منها يطلع الماء ويملأ الحنفيات.
وتقدم بدون أن ينتظر ردنا.فتبعناه هذه المرة صامتين ومشدوهين: الرجل الهداوي الذي لم نره قط دخل الجامع- هاهو يمشي داخله كأنه يحمل تصميم بناء الجامع الأصلي و السري في رأسه.
فمررنا ?وهو يتقدمنا- بالأساطين المتداخلة و المتفارقة،واجتزنا الممر المبلط بالفسيفساء الرقيقة،واخترقنا القبة المستطيلة حيث وفرة التسطيرات و المقربصات والتلوينات،ونزلنا الدرج المفضي إلى بئر الله الذي حفره جدنا الأكبر بيديه...فتوقف الهداوي فجأة...وتوقفنا وراءه.
وأمام عيوننا المشدوهة ،أكثر، راح في دربة ودراية عظيمتين، يتفحص الخراطيم التي تضخ الماء ويفككها ويعيد تركيبها.
وفجأة سمعنا من يهتف فوق: عاد الماء!..الماء عاد!..
ورحنا نتصايح كالأطفال.وهتف أحدنا في حماس زائد:الرجل مبروك وعلمه من علم جدنا الأكبر!
فنهره كبير الشيوخ.وبحثنا عن الرجل الهداوي فلم نجد له أثرا من حولنا.وقال قائل: ربما توجه نحو المحراب- آية آيات علم شيخنا.
وظهر وجوم مفاجئ وغريب على وجه كبير الشيوخ.فسرنا خلفه صامتين نحو القبة الدخلانية العظيمة حيث بلغ علم جدنا اللدني منتهاه وهو يحدد وجهة القبلة الشرعية ويبني المحراب الأكبر.
دخلنا القبة العظيمة حيث تتدلى الثريا الهائلة التي هي في الأصل ناقوس كبير جلبه معهم أجدادنا الأوائل كغنيمة حرب ،وأعاد جدنا الأكبر تركيبه وإصلاحه.ووجدنا الرجل الهداوي واقفا بمقابل المحراب الأعظم ينظر إليه من جهة اليمين، ومن جهة الشمال، ومن فوق ومن تحت،ومرة مرة يحرك رأسه علامة الاستغراق في النظر العميق.
إن المحراب الأعظم هو أعجوبة في صنعه، وهو آية آيات علم جدنا اللدني. ونحن نعلم أن نقاشا ثار في زمن سحيق حول دقة وجهته القبلية: هل هي مسامتة تماما -كما يقول كبار الشيوخ ، أم هي مجرد وجهة تقديرية محددة بنصف دورة تسعينية على اليمين ونصف دورة مسامتة على اليسار- كما راح يشيع ذلك مبتدعة و خارجيون في ذلك الزمن.وكادت أن تقع فتنة لولا تدخل سلطان الوقت الذي أمر بجمع مجلس الإفتاء الشرعي الذي أقر برأي أهل المسامتة.وبالرغم من ذلك فلا يمكن الإقرار بأن الأمر عاد تماما إلى ما كان عليه من قبل.فرغم تسليم الجميع ظاهرا بالمسامتة وهم يرفعون أيديهم بتكبيرة الإحرام ، فالله وحده يعلم لمن تتوجه نية المصلي: وجهة المسامتة ،أم الوجهة الكبرى المحسوبة بنصف دورة أم الوجهة الصغرى المحسوبة بربعها أم الوجهة الفرعية التي هي وسط بين الشرق والغرب؟
وهكذا، لما وقفنا ?في هذا اليوم- داخل القبة الدخلانية العظيمة،ننظر صامتين ومشدوهين إلى استغراق الرجل الهداوي- الطالع لتوه من بئر الله بعدما أصلح الخصة الحسناء وعاد الماء إلى حنفيات الجامع- وهو يتفحص جنبات المحراب الأكبر، أحسسنا بما يشبه قشعريرة سرية تنبعث من ركن قصي وسحيق في دواخل أجسادنا،وتعلقت نظراتنا القلقة بشفتي الرجل الهداوي متوقعين في كل ثانية أن تنفرجا وتنبسا بشيء نخشاه...لكن الرجل العجيب ظل صامتا ومكتفيا بتحريك رأسه حركات غامضة.وفجأة ارتفع صوت المؤذن فوق المئذنة الشامخة.وانفرجت أسارير كبير الشيوخ الذي نظر نحو مسمّع الجامع نظرة ذات معنى ...فصاح هذا الأخير بصوته الجهير: انتظموا للصلاة صفا صفا يرحمكم الله.وتوجهنا جميعا بوجوهنا نحو المحراب الأكبر ،وجهة المسامتة، ورفعنا بصوت جهير وواحد تكبيرة الإحرام ...وقد نسينا-ظاهرا- حكاية الرجل الهدّاوي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.