الحكم الذاتي في الصحراء المغربية .. الموقف السويسري يكرس الواقعية    "أسُود الدراجات" ضمن طواف بنين    إحباط محاولة تهريب أزيد من 17 ألف قرص مخدر و60 كيلوغراما من "المعسل" بميناء طنجة المتوسط    توقعات أحوال الطقس يوم غد الأحد    الصويرة تحتضن الدورة الثانية لملتقى ربيع ركراكة لتعزيز التراث والتنمية    ناصر الزفزافي يتفوق في دراسته الجامعية من داخل أسوار سجن طنجة    مطالبة برلمانية بتأهيل موقع "ثازوضا" الأثري وإصلاح طريق "كوروكو" بالناظور لتعزيز التنمية السياحية    المعرفة الفلسفية العلمية بين المنهج العقلاني والمنهج التجريبي    العلاج بالكتابة : دفاتر سرية لمقاومة الصمت والقلق    تحالف الاستبداد والفساد في مواجهة شهادة الأرض وذاكرة الجماعة حالة الجماعة السلالية لقبيلة زاوية سيدي عثمان بورززات    كبار ملاك العقار يحاولون التخلص من ضرائب ثقيلة في "مدينة البوغاز"    صناعة السيارات.. الدورة الثامنة للمعرض الدولي للتنافسية الصناعية "SCIA" من 24 إلى 26 يونيو بالقنيطرة    زواج الانتخابات وطلاق الانتخابات يخلف اليتم السياسي    أخنوش والبواري يزوران قطب المنتوجات المحلية بالمعرض الدولي للفلاحة بمكناس 2026    تنصيب المؤرخ الصيني لي أنشان عضوا بأكاديمية المملكة المغربية    الدكتور عزيز قنجاع يصدر كتابا فكريا بعنوان الإختفائية العميقة لما يُرى: مقالات في الفلسفة والاسلاميات والتاريخ"    المسرح في ختام برنامج ابريل برياض السلطان    الانتعاشة في حقينة السدود المائية تقرب معدل الملء من 76% بالمملكة    صوح: حان الوقت للانتقال من منطق الاعتراف بالتجار إلى منطق الإصلاح الهيكلي    الحسيمة وميدلت الأكثر إستقبالا للأمطار في 24 ساعة    المنصوري تجر موقعا إلكترونيا إلى القضاء بسبب "التشهير"    الدرهم يرتفع أمام الأورو ويستقر مقابل الدولار    المغرب يعزز حماية المعطيات الفلاحية مع تسارع التحول الرقمي في القطاع    الفراقشية والدعم الرسمي: كتاب للبرلماني بووانو يكشف تحول سياسة استيراد الماشية إلى آلة لتراكم الثروات والريع.    إعدام "منفذ مهمة للموساد" في إيران    مناهضو التطبيع ينضمون إلى حملة "أسبوع المعتقل" ويطالبون برفع القيود عن العمل النقابي والحقوقي    واشنطن تسمح لمادورو باستخدام "أموال فنزويلية"    اقتراع محلي يختبر إقبال الفلسطينيين    مكناس: من حضارة مجيدة إلى مدينة مهمشة….أنقذوا المدينة …..!؟    ناشط ريفي يوجه رسالة مفتوحة إلى رئيس وزراء إسبانيا بمناسبة الذكرى المئوية لحرب الريف    ماريسكا يدخل دائرة الترشيحات لخلافة غوارديولا في مانشستر سيتي    الكاف" يعلن عن ملاعب "كان" أقل من 17 سنة    الإصابة تحرم ألكاراس من الدفاع عن لقبه في رولان غاروس    "فتح الكرة الطائرة" ينهزم في رواندا    طنجة : وفاة عامل داخل وحدة صناعية يفتح ملف السلامة المهنية بطنجة    القرض الفلاحي للمغرب و"الفيدا" يوقعان إعلان نوايا لتعزيز التنمية الفلاحية المستدامة ومواجهة التغير المناخي    دورة تكوينية ناجحة في رياضة الركبي    الفتح يستهل "BAL المغرب" بفوز عريض تمهيدًا للتوقيع على مشاركة متميزة    فعاليات "الرباط عاصمة عالمية للكتاب" تنطلق لتعزيز القراءة وحوار الثقافات    بنيس يوقع "مسكن لدكنة الصباح"    محادثات واشنطن وطهران.. مبعوثا ترامب يتوجهان إلى باكستان غدا السبت    شراكة استراتيجية مغربية إيطالية لتعزيز السيادة الغذائية والانتقال الأخضر في «سيام 2026»    لشكر في «للحديث بقية»: وضوح سياسي في زمن الالتباس... ودفاع عن جوهر الاختيار الديمقراطي    بمناسبة برنامج «للحديث بقية» .. الاتحاد الاشتراكي ملجأ انتظارات المواطن    الجولة 16 من الدوري الاحترافي الأول .. لا أمان في القمة ولا راحة في القاع    نتنياهو يعلن خضوعه لعلاج من "ورم خبيث" في البروستاتا    "حزب الله": وقف إطلاق النار لا معنى له مع استمرار هجوم إسرائيل على لبنان    حقيقة واقعة باب دكالة: فوضى سياحية لا تمثل اليهود المغاربة    المملكة المتحدة تجدد تأكيد دعمها لمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره "الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية" لإحلال السلام في الصحراء    الولايات المتحدة توافق على علاج جيني مبتكر للصمم الوراثي                34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    مخاوف من ظهور سلالة فرعية من متحور أوميكرون..    الأسبوع العالمي للتلقيح.. وزارة الصحة تجدد التأكيد على مجانية اللقاحات وضمان استدامتها    بدء توافد ضيوف الرحمن إلى السعودية لأداء فريضة الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكايات باريسية
نشر في الأول يوم 25 - 10 - 2016

صباح باريس الأول..
كل الذين أحبهم سيظلون في القلب، لم أبك لحظة فراقهم وأنا أعرف السبب جيدا… الأمر لا علاقة له بالقسوة، بل بحكمة وتماسك داخلي بدأت أعي أهميته في الحياة كي يعيش المرء بلا ألم، وهذا التماسك يحتاج بلوغُه طاقةً وشجاعة كبيرين.
إن أكبر كفاح هو مواجهة أعطاب الذات المتخفية بعناية في الذاكرة. نخال أنفسنا متوازنين متكاملين والواقع أننا نهرب من مواجهة الحقيقة وقبولها وعلاج آثارها…
صباح باريس هادئ وجميل. لا أشعر بالغربة في هذه المدينة أبدا، وكأنها وجدت لتكون لي وحدي… قبل ستة عشر سنة كان لقاؤنا الأول، لقاء الجمال والدهشة والحب وحكي لا يتوقف.
جدران باريس وأحياؤها وطرقاتها ليست خرساء كما يعتقد كثيرون، بل أخالها بارعة في السرد. ففي كل شارع وركن قصة غيرت مجرى التاريخ وحياة الناس هنا…
هذا الصباح أستيقظ متكاسلة… أشعر بسكينة وهدوء داخليين لم ألمسهما من قبل. اختفى ذاك الألم الذي لازمني طويلا كلما زرت مكانا غريبا. لقد أدركت السبب، فروحي كبرت الآن ولم تعد تخشى الانزواء.. صارت تميل لذاك التأمل الصوفي المثمل والسفر المتواصل عبر الذات بلا خوف ولا وجل أو رهبة…
ياااااه، كم كبرت يا روحي فصرت عمادا أستند عليه لحظات الشدة!
باريس أمُّنا..
يزحف "الترام واي" على سكة الحديد كثعبان متعب باتجاه "نوازي لوسيك". بمحاذاة الباب تماما يقف شاب سوسي منهمك في الحديث على الهاتف بأمازيغية طليقة. في الكرسي المقابل شاب إفريقي يتكلم بدوره عبر الهاتف بلغة بلده المحلية. صمت.. يرن الهاتف ثم يرد رجل خمسيني" انطرني على محطة سان دوني أنا هلأ جاي بالطريق"… قبل أن ينهي المكالمة شخص طويل القامة يمسك بعمود الترام وهو يتحدث بلهجة اعتقدت أنها باكستانية أو إيرانية، أظنها باكستانية على الأرجح… بعد قليل ينادي صوت نسوي من مكبر الصوت "بازيليك دوسان دوني… بازيليك دو سان دوني".
لا تقرؤوا لئلا تضيعوا..
أحاول منذ فترة التعود على القراءة في "ميترو الأنفاق"، لكني أخشى أن أضيع محطة المغادرة، لذلك قررت ألا أقرأ كتابا إلا عندما يكون نزولي في محطة النهاية مثل "أنيير جونفيليه لي كورتي" أو "مونتروج" أو غيرهما… لذلك صرت بدل ذلك أحصي المحطات على البيان المخطوط بعناية في الحاشية الموازية لسقف الميترو، أحاول جاهدة أن أجد لأسمائها معنى. فمثلا محطة "بير حكيم" القريبة من برج إيفيل كان معناها أسهل :"بئر حكيم"… لكن ما سر هذا البئر وصاحبه حكيم؟… المحطة التي توقفت عندها كثيرا وأنا أحاول البحث في جذورها وأصولها كأنثربولوحية مدعية هي محطة "سان لازار"، ماذا لو كان اسمها هو "سان الأزعر" أو "القديس الأزعر"… هكذا أمضي الوقت في انتظار أن أقيس لا إراديا الزمن بين المحطات مثل أهل باريس… صرت أجد في ذلك تسلية تعفيني من النظر في الوجوه المتجهمة الواقفة كما لو كان على رؤوسها الطير.
صباح باريسي آخر..
إنه يوم الأحد، كنائس باريس خاوية على عروشها وحدهم شباب مسلمي الضفة الأخرى يقفون في الطرقات وبعض الأسواق، يتسولون المال من أجل بناء مسجد جديد يزاحم الكنائس المنتشرة في أحياء المدينة.
" Sadka jarya mes frères pour la construction d'une mosquée "
استيقظت اليوم باكرا على غير عادتي في نهايات الأسبوع… باريس بالكاد تغادر ليلها الطويل، خجولة وصبورة على حماقات أهلها. هكذا تهيأ لي.
في محطة الميترو وبينما أتأهب لأعبر حاجز التذاكر الأوتوماتيكي بعدما وضعت التذكرة التي تتحول في طرفة عين إلى مفتاح، انتبهت لفتاة من إفريقيا جنوب الصحراء تمشي ملتصقة بي تماما، إلى أن مرت خلفي دون أن تدفع ثمن الرحلة، لقد عبرنا نحن الاثنتين بتذكرة واحدة ! وبينما أحاول استيعاب ما يجري رمقت شابين يبدو من لهجتهما أنهما مغاربيين ينطان من فوق حاجز التذاكر أمام عيني موظفة الإرشادات، يا لهول ما يجري هنا!
استقلتُ الميترو باتجاه "شاتيون مونتروج"، صعد شاب مصري تشي سحنته السمراء ولهجته بأصوله الصعيدية. كان الشاب الثلاثيني يحمل حقيبة متهاكلة، أشعث الشعر متسخ الملابس، يلعن الأرباب ويشتم بلا كلل، محدثا نفسه تارة وشخصا آخر يتخيله قريبا منه أخرى. انتبهت إلى أنه مجنون تسبب أحدهم في خبله هذا… الجنون هو الملاذ الأخير لمن يحبون الحياة ويحجمون عن الانتحار… المجانين يصنعون لأنفسهم عوالم متخيلة أو من وحي الألم والصدمة التي عاشوها. في هذا العالم السريالي يواصلون حبهم وسخطهم وانتقامهم بعدما عجزوا عن ذلك في الواقع.
عندما وصل الميترو إلى محطة "لافروش" همَّ الشاب المصري بالمغادرة مواصلا شتمه " قرفتني في عيشتي يا حاج يلعن دين ربك يا ابن الكلب".
توقف ميترو الأنفاق، نزل الشاب المجنون ساخطا، أما أنا فأكملت رحلتي الصباحية وفي رأسي مائة سؤال عن نوع الأذى الذي تسبب فيه هذا المسمى "حاجا" ودفع الشاب الصعيدي إلى الجنون…


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.