تندرج مسرحية "لافاش" ضمن التجارب التي تعيد مساءلة وظيفة المسرح في السياق المغربي المعاصر، عبر بناء رمزي كثيف ولغة ساخرة تقترب من تخوم العبث السياسي. العمل الذي قدمته فرقة "مسرح الحال" من تأليف عبده جلال، وإخراج عبد الكبير الركاكنة، وتشخيص كل من هند ظافر، بوشعيب العمراني، إلى جانب المخرج نفسه والمؤلف. منذ بنيته الأولى، لا يقترح العرض حكاية تقليدية ذات مسار خطي، بل يشتغل على وضعية درامية تتخذ من "البقرة" مركزاً دلالياً. غير أن "لافاش" هنا ليست عنصراً واقعياً بقدر ما هي استعارة مكثفة: رمز للامتلاك، للسلطة، للريع، وربما للشرعية المتنازع عليها. هذا الاشتغال على الرمز يمنح العرض طابعاً تأويلياً مفتوحاً، حيث يتحول كل حوار إلى احتمال، وكل موقف إلى قراءة سياسية غير مباشرة. من زاوية الكتابة يُظهر نص عبده جلال وعياً ببنية اللغة اليومية وكيفية تفكيكها. فالحوار يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه محمّل بانزياحات دقيقة؛ تتكرر العبارات، وتُستعمل المفردات خارج سياقها المألوف، فتتحول اللغة من أداة تواصل إلى أداة مساءلة. بهذا المعنى، لا يعتمد النص على الخطابة المباشرة، بل على خلق مفارقات تكشف هشاشة الخطاب السلطوي والاجتماعي. الضحك ينبثق من الموقف، لكنه سرعان ما ينقلب إلى إحساس بالاختناق، في توازٍ دقيق بين الكوميديا والسخرية السوداء. من حيث الإخراج يتلقى الجمهور المشاهد اقتصادا في السينوغرافيا و كثافة في الدلالة.. فقد اختار عبد الكبير الركاكنة إخراجاً يقوم على التقشف البصري، حيث يُفسح المجال للفراغ الركحي كي يتحول إلى فضاء للتوتر. السينوغرافيا المقتصدة لا تشتت المتلقي، بل تدفعه إلى التركيز على الأداء الجسدي والإيقاع الحواري. هذا الاختيار الجمالي يعزز البعد الرمزي للعمل: فكلما خفّ حضور العناصر المادية، ازداد ثقل المعنى. يتحول الركح إلى مساحة تجريبية، حيث الجسد هو العلامة الأولى، والحركة امتداد للقول. وثالث الإضاءات في الأداء..نلمس تعددية في التمثيل وتكامل في الطاقة، حيث تميّز العرض بأداء جماعي منسجم، حيث قدّمت هند ظافر حضوراً متوازناً يجمع بين الحساسية والتوتر الداخلي، بينما اشتغل بوشعيب العمراني على إيقاع جسدي يعكس ارتباك الشخصية داخل منظومة السلطة. أما حضور عبد الكبير الركاكنة وعبده جلال على الركح، فقد أضفى بعداً مزدوجاً: فالمؤلف والمخرج لا يكتفيان بإدارة الفعل المسرحي من الخارج، بل يشاركان في بنائه من الداخل، مما يخلق نوعاً من التواطؤ الفني بين الكتابة والأداء. العرض إحتفل بالكوميديا السوداء كسلاح نقدي، فهو لم تأت قسريا ولا حشوا ولا خطبة تقريرية بقدرما ما جاءت سخرية سوداء ضرورة لازمة في مقامها فنيا و دلالة و فكرة.. هنا كانت السخرية العبثية ببعدها الوجودي و الانساني و النقدي أحد أهم رهانات "لافاش". الضحك هنا ليس ترفاً جمالياً، بل أداة تفكيك. فالمواقف تُبنى على تضخيم المفارقة إلى حد يكشف تناقضاتها الداخلية. وهكذا يتحول العرض إلى مرآة تعكس اختلال التوازن بين الفرد والمؤسسة، بين الخطاب والممارسة. تكشف "لافاش" عن مسار جديد في الكتابة المسرحية المغربية، حيث يتراجع السرد المباشر لصالح بنية رمزية مفتوحة. إنها تجربة تسعى إلى إعادة تعريف علاقة المتفرج بالعرض: فالمتلقي ليس مستهلكاً للحكاية، بل شريكاً في إنتاج الدلالة. المسرحية تعيد لأذهاننا تجارب رائدة عالميا من نصوص أدبية عبرت بإتقان كبير عن غباء التسلط .. نتذكر لجنة صنع الله إبراهيم و محاكمة فرانز كافكا و كتابات محمد الماغوط و بقرة حاحا للشيخ إمام التي تحلب قنطار لكن مسروق من أهل الدار .. ليست "لافاش" مسرحية عن بقرة بقدر ما هي عن معنى السلطة و التسلط والتحكم والاستبداد والقهر والتيه والامتلاك والشرعية والهيمنة. عبر نص عبده جلال، وإخراج عبد الكبير الركاكنة، وأداء جماعي متماسك، يتحول الرمز البسيط إلى أداة تفكير عميق في الواقع الاجتماعي والسياسي. إنها تجربة تؤكد أن المسرح، حين يغامر بالرمز والسخرية، يصبح أكثر قدرة على قول ما يُخفى خلف اللغة اليومية.. شكون حمّل البقرة؟ هذا عرض بديع رفيع ممتع مطروز .. يغري و يعول عليه.. هيا بنا الى المسرح..