كل سنة، ومع حلول شهر رمضان، تعود إلى الواجهة في المغرب قضية الإفطار العلني لغير الصائمين، ويُستدعى معها الفصل 222 من القانون الجنائي إلى ساحة النقاش العمومي، وتتجدد الأصوات المطالِبة بإلغاء تجريمه، كما تتجدد في المقابل موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تُنصب "محاكم افتراضية" لكل من يدافع عن حرية الاختيار. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط، هل يفطر شخص في العلن أم لا؟، بل أي فضاء عمومي نريده لمجتمعنا؟. الملاحَظ أن النقاش لا يتوقف عند حدود القانون، بل يتحول إلى ما يشبه "حمّى جماعية" هدفها حماية مظاهر التدين في الفضاء العام، وكأن هذا الفضاء يجب أن يكون نسخة واحدة متطابقة من السلوك والاعتقاد. والحال أن الفضاء العمومي، في أي مجتمع حديث، هو مرآة للتنوع والاختلاف، لا مرآة للإجماع القسري. الإشكال أعمق من مجرد "احترام مشاعر الصائمين"، الإشكال يتعلق بطبيعة القانون ذاته، فالقانون الذي يُجرّم الإفطار العلني لغير الصائمين يُميز بين المواطنين على أساس ديني مفترض، كما يفعل منع بيع الكحول للمغاربة المسلمين، هذا التمييز لا يعكس فقط تناقضاً قانونياً، بل يرسخ منطق الفرز داخل المجتمع الواحد، وهو منطق يُذكّر، في جوهره، بأنظمة كانت تُبرر التمييز باسم "النظام العام" أو "إرادة الأغلبية". ثم إن جزءاً من هذه الترسانة القانونية وُضع في سياقات استعمارية كانت تقوم على إدارة المجتمع عبر التقسيم والتصنيف وضبط السلوكيات الفردية. المفارقة أن قوانين يُفترض أنها تحمي "الهوية" تكرّس في العمق إرثاً قانونياً لم يُبنَ أصلاً على تعاقد مجتمعي ديمقراطي، والنتيجة ليست حماية الدين، بل إنتاج نفاق اجتماعي واسع، صيام علني وإفطار سري، خطاب أخلاقي صارم وسلوك يومي مختلف. المفارقة أيضاً أن فتح المقاهي والمطاعم في رمضان أو إلغاء تجريم الإفطار العلني لن يهدد الدولة ولا الدين ولا المجتمع. الدين، إن كان متجذراً في القلوب، لا يحتاج إلى دورية أمنية لحمايته، والمجتمع، إن كان متماسكاً، لا يتفكك بسبب شخص يشرب ماء في نهار رمضان. الإصرار على التجريم لا يخدم إلا خطاباً سياسياً يوظف الدين في ضبط المجال العام والتحكم في الأفراد، بدعوى أن "الأغلبية تريد ذلك". لكن هل الأغلبية معيار كافٍ لتقييد الحرية؟ الفلسفة وعلم الاجتماع حسما هذا النقاش منذ القرن التاسع عشر، أيّ أن حرية الفرد لا تُقيَّد إلا إذا ألحقت ضرراً مباشراً بالغير، فهل إفطار شخص في العلن يرقى إلى مستوى "الضرر" الذي يبرر العقوبة الجنائية؟ أم أننا أمام توسيع مفرط لمفهوم النظام العام ليشمل الضمير الشخصي؟. هناك من يقول إن معركة المغاربة اليوم هي معركة اجتماعية واقتصادية بالدرجة الأولى "بطالة، غلاء معيشة، هشاشة.."، وكأن النقاش حول الحريات ترف نخبوي مؤجل.. غير أن هذا الطرح يتجاهل أن الحرية ليست بنداً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد تحسين المؤشرات الاقتصادية. الحرية هي المنطلق، الديمقراطية ليست خبزاً فقط، بل كرامة أيضاً، ولا يمكن تجزيء الكرامة، بحيث نقبلها في صندوق الاقتراع ونرفضها في الجسد والاختيار الشخصي. التحكم في المجتمعات يبدأ غالباً من التفاصيل الصغيرة، من القانون الذي يضبط سلوكاً فردياً، ومن الخطاب الذي يشيطن المختلف، ومن تحويل "رأي الأغلبية" إلى أداة لإسكات الأقليات. ومع الوقت، تتحول هذه التفاصيل إلى منظومة كاملة تضبط المجال العام باسم الأخلاق أو الهوية أو الاستقرار. إنّ القضية ليست في كوب ماء يُشرب في نهار رمضان، بل في حق إنسان في أن يختار دون خوف.. وإذا كنا نطمح إلى مشروع تغيير حقيقي، فإن بدايته لا تكون فقط في إصلاح الاقتصاد أو تجويد الخدمات، بل في إعادة الاعتبار للحرية باعتبارها أساس كل إصلاح، لأن المجتمع الذي يخاف من حرية أفراده، سيظل دائماً أسير قوانين الماضي، ولو تغير الزمن.