أعادت العملية المشتركة بين المصالح الأمنية المغربية ونظيرتها الإسبانية، التي أسفرت عن تفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم "داعش"، تسليط الضوء على واقع التحديات السوسيو-اقتصادية والبنيوية التي تواجه بعض الأحياء الهامشية في مدينة طنجة. وأسفر التدخل الأمني المنسق عن توقيف عنصرين في حيي "بنديبان" و"ضحى العوامة" بطنجة، تزامنا مع إلقاء السلطات الإسبانية القبض على زعيم الخلية في جزيرة مايوركا. وتشير المعطيات الأمنية الأولية إلى تورط المشتبه فيهما الموقوفين بالمغرب في توفير الدعم اللوجستي والتمويلي لمقاتلين ضمن فروع التنظيم بمنطقة الساحل الإفريقي والصومال، بينما يشتبه في تخطيط زعيم الخلية لتنفيذ اعتداءات داخل إسبانيا وفق أساليب "الذئاب المنفردة". وتندرج هذه العملية ضمن مسار متواصل من التعاون الأمني والاستخباراتي الوثيق بين الرباط ومدريد، والذي أفضى إلى تفكيك ما يفوق 30 خلية إرهابية مشتركة منذ عام 2014. أبعد من التوقيف و تدفع المواقع الجغرافية للتدخلات الميدانية إلى قراءة أوسع للواقع الحضري والديموغرافي لهذه المجالات الترابية. حيث يقع محيط "بنديبان" ضمن نسيج حضري يتقاطع مع النفوذ الترابي لمقاطعتي "بني مكادة" و"السواني". وتشير النتائج الرسمية للإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 2024 إلى أن مقاطعة بني مكادة، الواقعة جنوبالمدينة والممتدة على مساحة 19.5 كيلومترا مربعا، تتصدر المقاطعات بكثافة سكانية تبلغ 567 ألفا و465 نسمة، موزعين على 150 ألفا و816 أسرة. من جهتها، تسجل مقاطعة السواني الممتدة على مساحة 4 كيلومترات مربعة تعدادا سكانيا يبلغ 111 ألفا و772 نسمة. ويكتسي هذا التوزيع الديموغرافي أبعادا إضافية عند تقاطعه مع المؤشرات الاقتصادية الموثقة. ويسجل "برنامج عمل جماعة طنجة 2022-2027" معدلات بطالة تبلغ 13.2 بالمائة في مقاطعة بني مكادة، وترتفع إلى 19.8 بالمائة في مقاطعة السواني، مقارنة بالمعدل العام المسجل على مستوى عاصمة البوغاز والبالغ 15.1 بالمائة. وتعكس هذه المؤشرات الإحصائية تركز تحديات الإدماج المهني والاجتماعي في هذه الهوامش الحضرية، التي تشهد ضغطا ديموغرافيا مستمرا بفعل الهجرة الداخلية المتدفقة نحو الأقطاب الصناعية، خاصة وأن العدد الإجمالي لسكان جماعة طنجة قفز إلى مليون و275 ألفا و428 نسمة، مما يجعل هذه المناطق واجهة مباشرة لاختلالات الاندماج السوسيو-اقتصادي. هوامش تحت الضغط في المقابل، ترصد السجلات الرسمية تدخلات عمومية متتالية لتقليص الفوارق المجالية ومواجهة الهشاشة. وتظهر الحصيلة الموثقة لبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، خلال الفترتين الممتدتين بين 2005 و2018، استهداف حي "بنديبان" بمشاريع للبنية التحتية الاجتماعية بغلاف مالي مهم. وهي المشاريع التي شملت إحداث "المركز التربوي للأشخاص في وضعية إعاقة" بتكلفة إجمالية بلغت 34 مليونا و827 ألفا و808 دراهم. كما شملت التدخلات بناء مركز للاستقبال الاستعجالي للفتيات في وضعية صعبة داخل "مركب الصداقة" في الحي ذاته، بتكلفة قدرت ب 3 ملايين درهم، في مسعى مؤسساتي لتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي. وتتواصل جهود التهيئة الحضرية عبر المجالس المنتخبة لمعالجة النواقص البنيوية. وخلال الدورة العادية لشهر ماي 2023، صادق مجلس جماعة طنجة على مقررات تهم دراسة ومعالجة المشاكل البيئية داخل النفوذ الترابي لمقاطعة بني مكادة. كما شملت المقررات ملتمسات لتعزيز البنية التحتية الخاصة بالتنقل والسلامة الطرقية، عبر برمجة بناء قناطر للراجلين في نقط مرورية حساسة مثل "قنطرة الموظفين" و"قنطرة بن ديبان"، استجابة للاحتياجات الأساسية للساكنة المرتبطة بشروط العيش الحضري اليومي. تأهيل لم يكتمل ويمتد التأطير الميداني والمؤسساتي ليتقاطع مع المبادرات الموجهة لفئة الشباب. إذ صادق المجلس الجماعي لمدينة طنجة، في يوليوز 2024، على اتفاقية شراكة لدعم "جمعية نادي شباب بن ديبان لكرة القدم" بمنحة مالية سنوية تبلغ 90 ألف درهم برسم سنة 2024، في خطوة تروم توفير فضاءات للقرب والتأطير الرياضي داخل الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، بهدف استيعاب طاقات الشباب وتفادي تهميشهم. وعلى صعيد الإدارة الترابية لعمالة طنجة-أصيلة، سجلت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، في أبريل 2023، المصادقة على 27 مشروعا ضمن برنامج "تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب". وتوزعت هذه المشاريع بين 22 مشروعا لدعم ريادة الأعمال بتكلفة إجمالية بلغت 3.48 ملايين درهم، ساهمت فيها المبادرة ب 1.89 مليون درهم، لإنشاء 63 فرصة عمل متوقعة. وتمت كذلك برمجة 5 مشاريع في قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لتوفير 39 منصب شغل. وتعزز هذه الأرقام حصيلة الفترة الممتدة بين 2019 و2022، والتي شهدت تمويل 299 مشروعا أسهمت في إحداث 1431 فرصة عمل. وتخلص المعطيات الميدانية إلى أن التدخل الأمني الأخير يعكس استمرار اليقظة الاستباقية في تحييد المخاطر، غير أن توطين هذه العمليات في أحياء هامشية يؤكد أن الجهود المؤسساتية المبذولة في مجالات التأهيل الحضري والرعاية الاجتماعية تظل في حاجة إلى تسريع وتيرتها. ويطرح هذا الواقع تحديا مستمرا أمام التخطيط الترابي لاستيعاب التوسع العمراني السريع، وضمان توزيع أكثر توازنا لثمار النمو الاقتصادي، بما يحول دون تشكل جيوب حضرية تتجاوز قدرة المدينة الاستيعابية.