انطلقت خلال الأيام القليلة الماضية، بمجلس النواب مناقشة مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، عقب إحالته من طرف الحكومة بتاريخ الثلاثاء 16 دجنبر 2025، إيذانًا ببدء مسار تشريعي يُفترض أن يؤسس لإصلاح مهني ينسجم مع الدور المحوري الذي يضطلع به العدول داخل منظومة العدالة، ولاسيما فيما يتصل بتوثيق الحقوق والمعاملات، وصون أعراض الناس وأنسابهم، وتحقيق الأمن التوثيقي والتعاقدي، بما من شأنه الحدّ من النزاعات وتقليص اللجوء إلى القضاء لفض الخصومات.
غير أن قراءة مشروع هذا القانون من زاوية قانونية تثير إشكالية تتعلق بتفويض جزء من السلطة العامة للعدول، في الشق المتعلق باضفاء الصبغة الرسمية على العقود والشهادات، ومدى انسجام هذا التفويض مع مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين التوثيق العدلي والتوثيق العصري، خاصة في ظل الجدل الذي أثاره حذف آلية الإيداع من المشروع.
وتنص المادة 46 من مشروع القانون على أنه "يختص العدل، وفقًا لمقتضيات هذا القانون، بتلقي وتحرير العقود والشهادات التي يفرض القانون إضفاء الصبغة الرسمية عليها، أو تلك التي يرغب الأطراف في إضفاء هذه الصبغة عليها، وكذا تلك التي يسند له القانون اختصاص تلقيها وتحريرها".
ويُستفاد من منطوق هذه المادة أن تفويض سلطة إضفاء الرسمية على العقود والشهادات يؤدي إلى تقارب واضح، بل إلى نوع من التماهي، بين التوثيق العدلي والتوثيق العصري.
ويمثل هذا التفويض، بحسب تعبير ممثل الأمانة العامة للحكومة، السيد مراد الفضيل، "أحد البراديغمات الجديدة لمهنة العدول"، وذلك خلال اليوم الدراسي الذي نظمته لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، يوم الثلاثاء 20 يناير 2026، بشراكة مع وزارة العدل والهيئة الوطنية للعدول، حول مشروع قانون تنظيم مهنة العدول.
غير أن هذا "البراديغم" الجديد يستدعي إعادة النظر في المادة 78 من مشروع القانون، التي تنص على أن الوثيقة التي ينجزها العدول "لا تكتسب الصبغة الرسمية إلا بعد الخطاب عليها" من قبل القاضي المكلف بالتوثيق، وهي آخر مرحلة تمر بها الوثيقة العدلية، فإذا كان مشروع القانون يوحي، من خلال المادة 46، باختصاص العدول في إضفاء الرسمية، فإنه سرعان ما يناقض نفسه في المادة 78، عندما يمنح هذا الاختصاص من جهة، ثم يسحبه من جهة أخرى لفائدة القاضي المكلف بالتوثيق، بما يربك التوازن بين الشكل والموضوع، ويطرح إشكالية جوهرية تتعلق حول ما إذا كان هذا التوجه يُعدّ إقرارًا بطابع شكلي لخطاب القاضي في مسار التوثيق العدلي.
كما يتطلب هذا البراديغم، إعادة النظر في تسمية مشروع القانون، حيث يُقترح اعتماد مُصطلح " قانون يتعلق بالتوثيق العدلي" بدل " قانون يتعلق بمهنة العدول"، ذلك لأن أسماء المهن يتم اشتقاقها من طبيعة الوظيفة التي يزاولها المهني، وفي هذه الحالة يتعلق الأمر بالتوثيق العدلي. وهي التسمية التي وردت في مسودة مشروع القانون لسنة 2023، خَاصة وأن العدول يمارسون مهامهم تحت الإشراف المباشر للقاضي المكلف بالتوثيق وتعتمد كليات الحقوق والشريعة وأصول الدين هذه التسمية في المواد التي تدرسها لطلبتها.
ويُعدّ هذا المطلب جزءًا من المطالب التي تقدم بها العدول لتعديل مشروع القانون، بما ينسجم مع طبيعة المهام الموكولة إليهم، ذلك أن "العدل" صفة أخلاقية وليست مهنة، يلتزم العَدل بعد تسميته بصفة رسمية بقرار لوزير العدل، وقبل أن يلتحق بمقر تَعْيينه، بالتحلي بها إلى جانب صفات أخرى، كالإخلاص والأمانة، كَمَا يتجلى ذلك في أداء اليمين القانونية التي يُؤديها أمام محكمة الاستئناف المعين بدائرة نفوذها، والتي جاء فيها حسب المادة 15 من مشروع القانون وحسب المادة 10 من القانون الحالي رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة :"أقسم بالله العظيم أن أؤدي بكل تجرد وأمانة وإخلاص المهام المنوطة بي، وأن أحافظ على أسرار المتعاقدين وعلى شرف المهنة، وأن أسلك في ذلك كله مسلك العدل المخلص الأمين".
كما يَقتضي هذا البراديغم الجديد تمكين ممارسي مهنة التوثيق العدلي من آلية الإيداع، أسوة بممارسي مهنة التوثيق العصري، إذ إن حرمان العدول من هذه الآلية يُفرغ، إلى حدّ كبير، السلطة المفوضة لهم لإضفاء الصبغة الرسمية على العقود والوثائق من فعاليتها العملية. ويزداد هذا الإشكال حدة في ظل الحرص الحكومي المعلن على عدم بقاء الأموال خارج المؤسسات، الأمر الذي يجعل الإصرار على حذف آلية الإيداع، بعدما كانت منصوصًا عليها في مسودة المشروع، محل تساؤل مشروع حول الخلفيات الحقيقية لهذا الإلغاء، وما إذا كانت تقف وراءه اعتبارات تتعلق بإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل قطاع التوثيق، على نحو قد يضيّق على العدول ويفتح المجال على مصراعيه أمام الموثقين.