في قراءة تحليلية حديثة، عادت وسائل إعلام إسبانية، من بينها Infobae، إلى فتح ملف العلاقات بين Morocco وSpain، انطلاقاً من لحظة مفصلية تعود إلى إعلان 1956 الذي رافق استقلال المغرب، والذي اعتُبر حينها أساساً لعلاقة جديدة قائمة على الاعتراف المتبادل والسيادة وحسن الجوار. غير أن هذا الإعلان، الذي بُنيت عليه آمال "شراكة مستقبلية"، حمل منذ البداية ما يشبه "الفراغات الصامتة" في القضايا الجوهرية، خصوصاً ما يتعلق بالوحدة الترابية المغربية، وملف سبتة ومليلية، وهي ملفات ظلت، بحسب التقرير، خارج التحديد الواضح والحاسم، ما جعلها قابلة لإعادة التأويل مع كل تحول سياسي. لكن قراءة هذا المسار لا تكتمل دون العودة إلى الجذور الأعمق للتاريخ المشترك بين البلدين، حيث يطفو على السطح إرث الاستعمار الإسباني في شمال المغرب، بما في ذلك مرحلة المقاومة في منطقتي اجبالة والريف ، وهي مرحلة اتسمت بصراع شديد بين سلطات الحماية الإسبانية وحركات المقاومة. وتشير دراسات تاريخية متعددة إلى أن تلك المرحلة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل حملت أيضاً ممارسات عنيفة أثارت جدلاً واسعاً، من بينها استخدام أسلحة غير تقليدية في حرب الريف خلال عشرينيات القرن الماضي، بما في ذلك مواد وغازات سامة، في سياق محاولة إخماد المقاومة المحلية. وهو إرث تاريخي ثقيل ما زال يلقي بظلاله على الذاكرة الجماعية في المنطقة، ويغذي في العمق حساسية العلاقة التاريخية بين الشعبين. هذا الماضي، بما يحمله من ألم غير مُعالج بالكامل، يشكل الخلفية الصامتة لأي حديث عن "الشراكة" أو "حسن الجوار"، حتى وإن حاولت الدبلوماسية الحديثة تجاوز رواسبه عبر الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والسياسية. فمع مرور الزمن، انتقلت العلاقات المغربية الإسبانية من مرحلة التأسيس الرمزي إلى مرحلة إدارة التوازنات المعقدة. لم تعد النصوص التعاقدية الأولى كافية لضبط الإيقاع السياسي، بل أصبحت العلاقات تُدار بمنطق الضرورة: التعاون حيناً، والخلاف حيناً آخر، وفقاً لتقلبات الإقليم وأولويات المصالح. وفي هذا السياق، يظل ملف الصحراء المغربية أحد أبرز محاور التوتر والتحول، حيث أشارت الصحيفة إلى أن الموقف الإسباني انتقل من دعم أطروحات تقرير المصير إلى تبني مقاربة تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً واقعياً للحل. غير أن هذا التحول، رغم أهميته، لم يُنهِ التباينات العميقة في الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين. كما تستمر ملفات أخرى في تشكيل نقاط احتكاك دائمة، مثل قضايا التنسيق الأمني، وترسيم المصالح البحرية، والسياسات الإقليمية في غرب المتوسط، وهي ملفات تكشف أن العلاقات، رغم كثافتها، ما تزال تفتقر إلى إطار استراتيجي ثابت يضمن الاستمرارية بعيداً عن منطق الأزمات المتكررة. أما على مستوى حركة الأشخاص، فقد شكل انتقال إسبانيا إلى فضاء شنغن نقطة تحول حاسمة، إذ انتقلت العلاقة من وعود التيسير والمرونة إلى نظام تأشيرات صارم، ما عمّق الفجوة بين "روح الاتفاقيات الأولى" والواقع المعاش، وأعاد تعريف مفهوم الحدود بين الضفتين. إن جوهر الإشكال في هذه العلاقة لا يكمن فقط في تعدد الملفات العالقة، بل في تراكم طبقات التاريخ: من إرث استعماري مثقل بالذاكرة، إلى تعقيدات الجغرافيا السياسية، وصولاً إلى حسابات المصالح الحديثة التي تتغير باستمرار. وفي ضوء ما تطرحه الصحافة الإسبانية اليوم، يتضح أن العلاقة بين الرباط ومدريد ليست مجرد علاقة دبلوماسية عادية، بل هي بنية تاريخية مركبة، تتداخل فيها الذاكرة مع السياسة، والماضي مع الحاضر، والمصالح مع الهوية. وهكذا، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الضفتان تحويل هذا الإرث الثقيل بكل ما فيه من ظلال الماضي إلى قاعدة صلبة لبناء مستقبل مشترك؟ أم أن التاريخ، بكل ما يحمله من ندوب، سيظل حاضراً في كل محاولة لإعادة تعريف هذه العلاقة؟.