سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    إنهيار جليدي بكاليفورنيا.. العثور على ثمانية متزلجين متوفين من بين التسعة المفقودين    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    نجم المنتخب المغربي ينافس على جائزة خاصة في "الليغا"    بمشاركة المغرب.. أول اجتماع ل "مجلس السلام" وهذا ما سيناقشه    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    عملية الإحصاء الخاصة بالخدمة العسكرية تبدأ من 2 مارس إلى 30 أبريل 2026    انطلاق عملية جرد خسائر المساكن والمحلات التجارية لفائدة المتضررين من الفيضانات    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    أخنوش يترأس المجلس الإداري للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي    عضو نافذ بالكاف يطلق تصريحات قوية بعد أحداث نهائي "الكان"    "ويفا" يفتح تحقيقا في مزاعم سلوك تمييزي ضد فينسيوس    "البام" ينتصر لوهبي في "معركة المحامين" ويهاجم أخنوش    شخص موضوع بحث قضائي يقفز من الطابق العلوي لمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية ويُصاب بجروح خطيرة    الأمن يوقف متورطين في سرقة وكالة لتحويل الأموال    ما الدول التي أعلنت غداً أول أيام رمضان وأيها الخميس؟    طقس أول أيام رمضان بالمغرب    طنجة: استثمار يفوق 30 مليون درهم    بيع بطاقة "بوكيمون" نادرة مقابل أكثر من 16 مليون دولار    هل ستبقى السماء زرقاء إلى الأبد؟    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    جديد النظر في "مقتل بدر" بالبيضاء    انطلاق جرد خسائر المساكن والمحلات لفائدة المتضررين من الفيضانات بالقصر الكبير    برقية تهنئة للملك من رئيس فلسطين    نقابة الاتحاد المغربي للشغل تسجل بارتياح استجابة كتابة الدولة لمطالبها    إحصاء "الخدمة العسكرية" في مارس‬    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    الأستاذ باعقيلي يكتب : "مقدمات" ابراهيم الخديري على مائدة "كاتب وما كتب"    الحسيمة تُفعّل الرقم الأخضر 5757 لمحاربة الغش في الأسعار خلال رمضان    أشرف حكيمي يصنع التاريخ الأوروبي ويقود المغاربة إلى صدارة هدافي دوري الأبطال    "الأحمر" يلون تداولات بورصة البيضاء    كاتبان مغربيان في القائمة القصيرة ل"جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها العشرين    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    أخبار الساحة    باريس.. المغرب يشارك في الاجتماع الوزاري 2026 للوكالة الدولية للطاقة    الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ترفض "الإصلاح البارامتري" وتدعو إلى سحب مرسوم 2021 ومراجعة شاملة لأنظمة التقاعد    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    ارتفاع بنسبة %29 ..مجازر الدار البيضاء تسجل إنتاجاً قياسياً في 2025    تضارب إعلان رمضان يخلق استياء واسعا داخل الجالية المغربية بفرنسا        باستوني مدافع إنتر يكشف عن تلقيه تهديدات بالقتل بعد مباراة يوفنتوس    إنذار بوجود قنبلة في مقر "فرنسا الأبية"    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    إحداث أول وحدة جهوية لدعم البحث العلمي والتقني في جنوب المغرب    الريال يثأر وغلطة سراي يقسو وسان جرمان يقلب الطاولة ودورتموند يتفوق في ليلة درامية    تقرير دولي: هشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية على رأس المخاطر التي تواجه المغرب    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما أبرز تعاليم الديانة البوذية؟
نشر في الأيام 24 يوم 16 - 02 - 2026

Getty Imagesبوذا يجلس تحت شجرة بودهي ويحيط به الرهبان والأمراء والبوديساتفات، واللوحة نقش بارز من الحجارة يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد في المتحف الهندي بسارناث
يحيي أتباع مدرسة الماهايانا البوذية في عدد من بلدان شرق آسيا في فبراير/شباط ذكرى البارانيرفانا، وهي المناسبة التي يقولون إنها تُخلِّد وفاة بوذا الجسدية ودخوله مرحلة التحرر النهائي من دورة الولادة والموت (سامسارا)، بعد أن كان قد بلغ النيرفانا (التنوّر) في حياته.
وتُعد البارانيرفانا محطة مركزية في التقليد البوذي، ولا سيما في شرق آسيا، حيث يُنظر إليها باعتبارها مناسبة للتأمل الروحي والصمت، أكثر من كونها احتفالاً طقوسياً صاخباً.
وتحمل البارانيرفانا دلالة فلسفية عميقة، إذ لا تُفهم على أنها موت بالمعنى المأساوي، بل بوصفها تحرراً كاملاً من المعاناة والرغبات والتعلّق بالعالم المادي، ويستعيد البوذيون في هذه الذكرى تعاليم بوذا مؤكدين أن كل ما هو زائل لا ينبغي التشبث به، وأن الحكمة تكمن في إدراك طبيعة الفناء والسعي إلى الصفاء الداخلي.
وتتسم طقوس هذه المناسبة بالهدوء والبساطة، حيث يشارك المؤمنون في جلسات تأمل، وقراءة نصوص مقدسة، كما تنتشر صور وتماثيل بوذا في وضعية الاستلقاء، رمزاً لدخوله البارانيرفانا، في مشهد يعكس الفهم البوذي للموت بوصفه انتقالاً نحو السلام المطلق، واكتمالاً للطريق الروحي.
وتقول دائرة المعارف البريطانية إن البوذية هي ديانة وفلسفة نشأت من تعاليم بوذا (بالسنسكريتية: "المستيقظ")، الذي عاش في شمال الهند، وقد انتشرت من الهند إلى وسط وجنوب شرق آسيا، والصين، وكوريا، واليابان، ولعبت دوراً محورياً في الحياة الروحية والثقافية والاجتماعية في آسيا، ثم بدأت منذ القرن العشرين بالانتشار في الغرب.
* الكشف عن أقدم "مقام مقدس" لبوذا في موقع ولادته بنيبال
* راهبة بوذية تتحدى التقاليد
ولا يوجد في البوذية إله خالق كما في أديان أخرى، وإنما الآلهة هي كائنات روحية ذات قدرات محدودة، أما الطريق إلى الاستنارة فيقع على عاتق كل إنسان، لأن على كل كائن أن يسلك طريقه بنفسه، فتعاليم بوذا ترشد، ولكن الرحلة تقع على البشر.
فالبوذية تركز على التطور الروحي الشخصي وتحقيق فهم عميق للطبيعة الحقيقية للحياة، ويبلغ عدد أتباعها حول العالم نحو 500 مليون شخص، وتعتبر رابع أكبر ديانة عالمياً.
وتاريخ البوذية عبارة عن قصة رحلة روحية لرجل واحد نحو الاستنارة، وما يرتبط بها من تعاليم وطرق العيش التي تطورت خلال هذه الرحلة.
سيدهارتا غوتاما (بوذا)
Getty Imagesصورة تعود لعام 1900 لتمثال بوذا في يوكوهاما
تفيد الروايات التاريخية أن سيدهارتا غوتاما "بوذا"، ولد في أسرة ملكية في قرية لُبيني في نيبال الحالية، وتختلف الآراء حول تاريخ حياته، إذ وضعه المؤرخون بين عامي نحو 566 و486 قبل الميلاد، بينما تشير أبحاث أحدث إلى أنه عاش في الفترة بين نحو 490 و410 قبل الميلاد.
وتفيد التقاليد الدينية البوذية أن والدته، الملكة مايا، رأت حلماً يتنبأ بميلاده حيث حلمت بأن فيلاً دخل رحمها، وبعد 10 أشهر قمرية، وأثناء تجوالها في حديقة لومبيني، خرج ابنها من تحت ذراعها اليمنى، وخلال الولادة لم تشعر بأي ألم، ويُقال إنه كان قادراً على المشي والكلام فوراً، وهذا أمر استثنائي يشجع البوذيين على اتباع تعاليمه كشخصية استثنائية.
وكانت حياته المرفهة تحميه من معاناة الحياة مثل المرض والشيخوخة والموت، وتزوج في سن ال 16 وأنجب طفلاً، وفي السن ال 29 قرر مغادرة القصر حيث رأى للمرة الأولى شيخاً طاعناً في السن ورجلاً مريضاً وجثة إنسان، فاضطرب كثيراً وأدرك أن المرض والشيخوخة والموت هي المصير المحتوم لكل البشر، ورأى أيضاً راهباً فاعتبر ذلك إشارة إلى ضرورة ترك حياته المُترفة ليعيش كراهب بلا مأوى.
* سيتا مانوكيان: حكاية الفنانة التي صارت راهبة بوذية
وهنا تحكي المشاهد الأربعة التي مر بها سيدهارتا حكايات جاتاكا، التي تصف اللقاءات الأولى له مع المرض، والشيخوخة، والموت، ورجل صالح، وتساعد المشاهد الأربعة البوذيين على فهم تعاليم وعقائد البوذية وذلك من خلال إدراك حياة بوذا المتميزة والمشاهد التي رآها، ويصبح البوذي قادراً على قبول حقائق الحياة، وتوفر حكايات جاتاكا فهماً لعلامات الوجود الثلاث (الشيخوخة والمرض والموت) وأهميتها في العقيدة البوذية.
وبعد تركه الحياة الأرستقراطية، اتبع سيدهارتا حياة الزهد الصارم لمدة 6 سنوات، ولكنه لم يحقق من خلالها التحرر من عالم المعاناة، ثم تخلى عن نمط الزهد الشديد دون أن يعود إلى حياة الرفاهية، واتبع طريق الوسط الذي يقوم على الاعتدال بعيداً عن الترف والفقر.
وفي أحد الأيام كان جالساً تحت شجرة بودهي، شجرة اليقظة (وكانت شجرة تين) فانغمس في تأمل عميق وتأمل في خبرته في الحياة، مصمماً على كشف حقيقتها حتى بلغ التنوير وأصبح بوذا، بحسب المعتقدات البوذية.
وفي سن الثمانين، أصيب بمرض خطير، فاجتمع مع تلاميذه للمرة الأخيرة لنقل تعليماته النهائية، ثم انتقل إلى النيرفانا، وبعد ذلك تم حرق جسده، وتم توزيع رفاته وتخليدها في ستوبات (نُصب جنائزية تحتوي عادةً على الرفات)، حيث يتم تقديسها.
الحقائق الأربع النبيلة
Getty Imagesصورة مقربة لوجه تمثال بوذا في معبد بوذا السعيد في مدينة تشانغشو قرب سوتشو في الصين
تُعدّ الحقائق الأربع النبيلة جوهر تعاليم بوذا، الذي قال قبل نحو 2500 عام إن ما يعلّمه هو المعاناة وأصلها وانتهاؤها والطريق المؤدي إلى هذا الانتهاء، مؤكداً أن ذلك هو لبّ رسالته. وقد كانت هذه المبادئ الأربع ثمرة ما توصل إليه خلال تأمله تحت شجرة بودهي.
وتتمثل الحقيقة الأولى في حقيقة المعاناة، المسماة "دوكها"، ومفادها أن المعاناة تتخذ أشكالاً متعددة. وترتبط صورها الواضحة بالمشاهد الأولى التي رآها بوذا عندما خرج من قصره للمرة الأولى، وهي الشيخوخة والمرض والموت. غير أن بوذا يوضح أن المشكلة أعمق من تلك المشاهد، فالحياة غالباً لا ترقى إلى توقعات الإنسان، والبشر خاضعون للرغبات والاحتياجات، وحتى عندما يُشبِعون هذه الرغبات فإن إشباعها لا يدوم طويلاً.
* كيف سيُعاد ترميم تماثيل بوذا الشهيرة؟
فالمتعة لا تبقى على حالها، وحتى من دون ضغوط خارجية يشعر الإنسان بعدم الرضا، مما يجعل المعاناة جزءاً من الوجود. ويعتقد البعض أن هذا الطرح يحمل نظرة تشاؤمية، لكن البوذيين يرونه واقعياً، لا متشائماً ولا متفائلاً، لأن التعاليم لا تتوقف عند تشخيص المعاناة، بل تتجاوز ذلك إلى بيان كيفية إنهائها.
أما الحقيقة الثانية فهي أصل المعاناة، المسمّى "سامودايا"، حيث يوضح بوذا أن أسباب الهموم اليومية قد تبدو بسيطة، مثل العطش أو الألم أو الحزن، غير أن جذور المعاناة أعمق من ذلك بكثير.
ويبيّن أن أصل كل معاناة هو الرغبة، المسماة "تانها"، وهي رغبة غير منضبطة. وتتخذ هذه الرغبة ثلاث صور تُعرف ب"جذور الشر الثلاثة"، أو "النيران الثلاث"، أو "السموم الثلاث"، وتتمثل في الجشع أو الرغبة (ويمثلها الديك)، والجهل أو الوهم (ويمثله الخنزير)، والكراهية أو النزعات الهدامة (ويمثلها الثعبان).
ويوضح البوذيون وجود رغبات إيجابية، مثل الرغبة في الاستنارة، ويسمونها "شاندا" تمييزاً لها عن "تانها". وقد شرح بوذا هذا المفهوم في "موعظة النار" التي ألقاها أمام ألف راهب، مبيناً أن العين وكل ما يتعلق بها يحترق بنار الرغبة والكراهية والوهم، وأن هذا الاحتراق يمتد إلى بقية الحواس والعقل، مما يجعل التعلق بالأحاسيس والمشاعر، سواء كانت إيجابية أم سلبية أم محايدة، سبباً للمعاناة.
وتتمثل الحقيقة الثالثة في إمكان إنهاء المعاناة، أو "نيرودها"، وهو ما يتحقق عبر التحرر من التعلق والرغبات. ويعلّم بوذا أن الطريق إلى إطفاء الرغبة هو التحرر الداخلي، وكان هو نفسه مثالاً على أن هذا التحرر ممكن في الحياة. ويشرح أن الإنسان عندما يرى الأشياء والرغبات كما هي، من دون انخداع أو انجذاب، يفقد تعلقه بها؛ ومع فقدان التعلق يختفي الشغف، وعندما يختفي الشغف يتحقق التحرر.
Getty Imagesصورة تعود لعام 1986 لراهبين بوذيين في معبد هوايتينغ بمدينة كونمينغ في إقليم يونان في الصين
وتسمى حالة التحرر هذه "نيرفانا"، وتعني الانطفاء. ولا تشير نيرفانا إلى مكان أو عالم آخر، بل إلى حالة ذهنية يبلغ فيها الإنسان فرحاً روحياً خالياً من الخوف والغضب والمشاعر السلبية.
ومن يصل إلى الاستنارة يمتلئ رحمةً تجاه جميع الكائنات. وبعد الموت يتحرر المستنير من دورة الميلاد المتكرر، غير أن التعاليم البوذية لا تقدم جواباً حاسماً عما يحدث بعد ذلك.
وقد أكد بوذا أن الإكثار من الأسئلة حول نيرفانا لا جدوى منه، إذ يشبه ذلك مجادلة الطبيب بينما يحاول إنقاذ حياتك، وأن التركيز ينبغي أن ينصبّ على التحرر من المعاناة.
وتتعلق الحقيقة الرابعة بالطريق المؤدي إلى إنهاء المعاناة، ويسمى "ماغا". ويصف بوذا هذا الطريق بطريق الوسط، لأنه يتجنب الإفراط في الترف كما يتجنب الإفراط في الزهد، إذ إن هذين النهجين لم ينفعاه في رحلته نحو الاستنارة.
* رهبان أطفال في جبال الهيمالايا
عوالم البوذية
Getty Imagesسياح غربيون في الصين يلتقطون صورا لتمثال لبوذا مصنوع من اليشم وهو من الأحجار الكريمة
الوجود، من منظور البوذية، مأساوي لأنه لا نهائي وفي الوقت نفسه خاضع للزوال والمعاناة وعدم اليقين. وتعرف هذه الحالات الثلاث باسم "تيلكانا" أو علامات الوجود الثلاثة.
فالوجود لا نهائي، لأن البوذية ترى أن الأفراد يُعاد تجسيدهم مراراً وتكراراً، ويختبرون المعاناة عبر العديد من الحيوات. وهو زائل، لأن أي حالة، سواء كانت جيدة أو سيئة، لا تدوم إلى الأبد، ويُعد اعتقادنا الخاطئ بأن الأشياء يمكن أن تدوم سبباً رئيسياً للمعاناة. كما أنه غير مؤكد، لأنه عند فحص تجربتنا لا يمكن تحديد أي جوهر دائم.
وبحسب البوذية، فإن الكون ليس من خلق إله خالق كما في بعض الديانات الأخرى، بل يُنظر إليه كنتيجة للكارما، أي مجموع الأفعال ونتائجها. بمعنى آخر، كل حدث وكل وجود في الكون يحدث نتيجة أسباب سابقة، وكل كائن يخلق مصيره من خلال أفعاله وأفكاره.
* ما قصة الطفل "المختفي" في الصين مع أسرته منذ ربع قرن؟
ويقدّم النص البوذي المقدس "سوتا أغانّنا" وصفاً لكيفية عودة العالم بعد فنائه، حيث تبدأ الكائنات في الظهور كأرواح مضيئة بلا شكل، ثم تتحول أجسادها وتختلف صفاتها مع ظهور الرغبة والجشع فيها.
فالبوذية ترى الكون كدورة مستمرة من الولادة والموت وإعادة الولادة (السامسارا)، حيث تولد الكائنات مراراً وتكراراً في 6 عوالم وهي الآلهة، وأشباه الآلهة، والبشر، والحيوانات، والأشباح، وكائنات الجحيم، وكل حسب الكارما الخاصة بها، فالكون بهذا المعنى، ليس ثابتاً أو مخلوقا من الخارج، بل يتشكل ويتغير دائماً وفقاً للأسباب والنتائج.
وعند البوذيين نجد أن هذه العوالم تختلف من حيث السعادة والفرص، فالآلهة يعيشون في الجنة، وعالم البشر يتيح الفرص الروحية، والعوالم الثلاثة التالية، وهي عالم أشباه الآلهة، وعالم الأشباح وعالم الحيوانات، فبها عيوب مثل الغضب والجشع والجهل، بينما يُعد عالم كائنات الجحيم أسوأها، حيث يُعاني الموجودون فيه من العقاب إلى أن تنتهي كارماتهم السيئة.
ورغم أن هذه العوالم تبدو منفصلة، فهي مترابطة وفق الفلسفة البوذية التي ترى أن العقل والواقع مرتبطان، فالبشر والحيوانات يعيشون في نفس العالم، لكن الولادة كبشر أو كحيوانات لها دلالات مختلفة، ويمكن للإنسان أن يشعر بلمحات من الجنة عند سعادته، أو بعوالم دنيا عند شعوره بالحقد أو الجشع أو الجهل، والمتأمل الماهر قد يصل تدريجياً إلى مستويات عليا من الجنة.
العربتان الصغرى والكبرى
Getty Imagesراهب بوذي أمام جرس نحاسي ضخم مزخرف بشكل معقد في معبد جوخانغ، أقدس موقع في التبت
في القرون التي تلت وفاة المؤسس، تطورت البوذية في اتجاهين تمثلهما مجموعتان مختلفتان، أُطلق على إحداهما اسم الهينايانا (بالسنسكريتية: "العربة الصغرى")، وهو مصطلح أطلقه عليها خصومها من البوذيين وهي تعرف حاليا باسم ثيرڤادا (بلغة بالي: "طريق الشيوخ")، وأما المجموعة الكبرى الأخرى، فتسمّي نفسها الماهايانا (بالسنسكريتية: "العربة الكبرى").
وكانت ثيرافادا التقليد الذي انتشر على يد الملك أشوكا الذي عاش في الهند بعد وفاة بوذا بمئة عام، وتُعرف النصوص المُقدسة لدى هذه المجموعة باسم التيبيتاكا، وتعني "السلال الثلاث"، ويعود السبب في ذلك إلى أن الكتابات الأصلية كانت تُكتب على أوراق النخيل وتُخزن في سلال، وتحتوي التيبيتاكا على تعاليم بوذا، وتعليقات على تلك التعاليم، بالإضافة إلى قواعد للرهبان، وهي مكتوبة بلغة هندية قديمة تسمى بالي.
وتنص بوذية ثيرافادا على أن كل شخص عليه أن يجد استنارته الخاصة (الحقيقة عن معنى الحياة التي بلغها بوذا) من خلال التأمل ومساعدة الرهبان الحكماء، ويحتفلون بميلاد واستنارة ووفاة بوذا خلال مهرجان ويساك، وهي تتركز في دول جنوب وجنوب شرق آسيا مثل سريلانكا، وتايلاند، وميانمار، والنموذج الأعلى عند أصحاب هذا التقليد هو الأرهات (الشخص الذي يحقق الاستنارة بنفسه ويُطفئ نيران الرغبة والبغض والوهم).
* من هو بن لادن البوذي؟
وأما ماهايانا فتنقسم إلى التقاليد الشمالية (توجد في التبت ونيبال)، والتقاليد الشرقية (توجد في الصين واليابان)، والنصوص المقدسة الأساسية لدى هذه المجموعة تُعرف باسم سوترات المهايانا، وهي مكتوبة بلغة هندية قديمة أخرى تسمى السنسكريتية، وتُعبّر عن التعاليم التي تزعم تقاليد الماهايانا أن بوذا قدّمها لتلاميذه النجباء ثم ظلت مخفية لقرون قبل أن تُدوَّن، وتُقدّم هذه السوترات رؤية أوسع وأكثر رحابة للخلاص، حيث لا يهدف المتدين فقط إلى خلاص نفسه (كما في بوذية الثيرافادا)، بل يسعى ليصبح بوديساتفا يساعد جميع الكائنات على الاستنارة.
كما يؤمنون في بوذية ماهايانا بأن هناك العديد من بوذا في عوالم متعددة، وأن هؤلاء يمكنهم مساعدة الكائنات من خلال الرحمة والتأمل، وخلال مهرجان ويساك يحتفلون فقط بميلاد بوذا.
وفي البلدان البوذية توجد العديد من المعابد حيث يجلب الناس الزهور والبخور للمزار والطعام للرهبان، وعند دخول المعبد، يخلع البوذيون أحذيتهم، ويضعون أيديهم معاً وينحنون لصورة بوذا أو تمثاله، وقد يستخدمون أيضاً سبحات الصلاة المسماة مالاس، وقد يمتلك بعض البوذيين مزاراً داخل منازلهم أيضاً.
ويعد التأمل مهماً في جميع فروع البوذية، ويمكن أن يساعد على صفاء العقل، بحيث يتم استبدال الأفكار السلبية من غضب أو كراهية بأفكار إيجابية من المحبة واللطف والسلام، ومن خلال التأمل المتكرر، يأمل البوذيون في تطوير البصيرة والحكمة، مما يساعدهم على رؤية الطبيعة الحقيقية للأشياء.
وهناك العديد من أشكال التأمل وأهدافه المختلفة، وأبرزها التقليدين الرئيسيين ويُعرفان باسم ساماثا وفيباسانا.
* ذكرى ولادة بوذا: من هو وكيف عاش؟
* راهب بوذي يكشف أسرار السعادة في مملكة بوتان
* من هو دالاي لاما؟ وكيف يعمل مبدأ التناسخ في البوذية التبتية؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.