تحت شعار: "الإعلام والثقافة والرياضة في خدمة اللغة والثقافة الأمازيغيتين: تثمين مسار المرحوم الحسين برحو"، احتضنت قاعة الاجتماعات بجماعة خنيفرة، مساء السبت 14 فبراير 2026، مراسيم تخليد أربعينية الإعلامي والفاعل المدني والرياضي المرحوم الحسين برحو، في حفل رسمي بمبادرة مشتركة بين "جمعية نادي إسمون نعاري للرياضات الجبلية والتنمية" و"مؤسسة روح أجدير الأطلس"، وبحضور أفراد عائلة الفقيد وأقاربه، إلى جانب فعاليات جمعوية وإعلامية وثقافية وفنية ومهتمين برياضات الجبل وثقافة الطبيعة والبيئة. واستهل الحفل بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، قبل أن يتناول الكلمة مسير اللقاء، حوسى جبور، الذي وضع الحضور في سياق الدلالة الرمزية لهذا الموعد، معتبرا أن تخليد الذكرى لا يمثل مجرد استحضار لسيرة شخصية، بل هو "وفاء لرسالة جسدها الراحل قولا وفعلا"، مبرزا أن الحسين برحو كان "قريبا من الناس، عميق الأثر، يستمع أكثر مما يتكلم، وفيا لأصدقائه ومخلصا لمدينته، ومعتزا بهويته ولغته"، بينما زاد جبور فأكد أن جوهر اللقاء يكمن في "تجديد الالتزام بالقيم التي دافع عنها الفقيد في مساره الإعلامي والجمعوي والرياضي". رجل متعدد الروافد ومن جهته، أكد المصطفى تودي، رئيس "جمعية نادي أسمون نعاري"، أن الراحل "كان يعتبر الكلمة أمانة والإعلام مسؤولية أخلاقية ومهنية"، و"قد ظل مدافعا عن الهوية الوطنية بكل روافدها، وعن الأمازيغية باعتبارها ثقافة وهوية متجذرة، في مرحلة كانت تختزل أحيانا في لهجة وفولكلور"، وأبرز مساهمته في جمع وتسجيل رصيد مهم من الأغاني الأمازيغية التي تحتفظ بها إذاعة تمازيغت"، إلى جانب دوره في إحداث المعهد الوطني للفنون الشعبية المغربية، وإسهامه في تأسيس مهرجان مراكش للفنون الشعبية. وبعد إشارته إلى "وفاء الفقيد برحو لقناعاته المهنية والإنسانية إلى حين إحالته على التقاعد"، استحضر تودي الدور التأسيسي للراحل داخل "جمعية نادي إسمون نعاري"، باعتباره من مؤسسيها ومن الداعمين لتقوية دعائمها، ومساهمته في تأطير أنشطتها السنوية، ومنها الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة تحت مسمى "خطوات نسائية"، اعتزازا بدور المرأة في الفضاء الجبلي والمجتمعي، فضلا عن إسهامه في تثبيت دعائم الرياضات الجبلية بالأطلس المتوسط برؤية تأطيرية وتنموية واضحة. من جانبه، اعتبر محمد ياسين، رئيس "مؤسسة روح أجدير الأطلس"، أن تخليد ذكرى الفقيد "يشكل لحظة اعتراف جماعي بمسار حافل بالعطاء"، مستعيدا أول لقاء جمعه بهذا الرجل سنة 2010 خلال إحدى الجولات الجبلية، حيث لمس فيه "شخصية موسوعية في مجالات الطبيعة والإعلام والشأن العام"، و"إنسانا ملتزما بالقيم النبيلة ومدافعا عن الثقافة الأمازيغية والتأطير الفني"، كما ذكر بقرار المؤسسة سنة 2019 تكريم الراحل تقديرا لعطائه، معربا عن الأمل في "أن تتحول هذه الذكرى إلى منطلق لإصدار عمل توثيقي خاص بمساره وتجربته". وتضمنت فقرات الحفل كلمة مقتضبة باسم العائلة ألقاها كمال برحو، نجل الفقيد، عبر فيها عن امتنان الأسرة لهذه الالتفاتة الوفية، مؤكدا امتداد أثر الفقيد إلى محيطه الأسري والإنساني، كما شهد البرنامج عرض شريط توثيقي، بالصورة والصوت، استعرض أبرز محطات المسار الإعلامي والثقافي والرياضي للحسين برحو، مسلطا الضوء على إسهاماته في التعريف بالفن الأطلسي والثقافة الأمازيغية بالأطلس المتوسط، وعلى حضوره الفاعل في المشهد الإعلامي والمدني والرياضي. داخل الإعلام والفن وتميز الحفل كذلك بمشاركة الإعلامية بالقناة الأمازيغية، فاطمة وشرع، التي ألقت كلمة مؤثرة استحضرت فيها فضل الراحل على مسارها المهني، وأوضحت أن تعارفها على الحسين برحو يعود إلى سنة 2000، خلال لقاء جمعهما على هامش ندوة حول السياحة الجبلية بأحد فنادق خنيفرة، حيث اقترح عليها آنذاك خوض تجربة العمل بالإذاعة الأمازيغية، وضرب لها موعدا مع مديرها العام في تلك الفترة، والذي استقبلها لتبدأ مسارا إعلاميا في وقت لم تكن فيه فتاة تنحدر من المغرب العميق تتصور لنفسها مستقبلا في المجال الإعلامي. وأكدت المتدخلة وشرع أن الراحل لم يكن فقط داعما لمسارها الشخصي، بل كان قيمة مهنية وأخلاقية، عرف بأناقته ووفائه لأمازيغيته، وبإسهاماته الراسخة التي يشهد عليها أرشيف الإذاعة، كما أبرزت أنه منذ سبعينيات القرن الماضي كان من الأصوات الحاملة لهم إدماج الأمازيغية في الإعلام العمومي، وساهم في ترسيخ حقوق المؤلف والفنان، وفي إرساء دعائم اللغة الإعلامية الأمازيغية وتطويرها، بما عزز حضورها المهني والمؤسساتي داخل المشهد السمعي البصري الوطني. أما الباحث في الفن الأمازيغي، المكي أكنوز، فقد استحضر بدوره عمق العلاقة التي جمعته بالراحل، مذكرا ب "الدعم الذي وجده لديه في تحقيق حلم توثيق العديد من القطع الفنية الأمازيغية، وفتح أبواب الإذاعة والتلفزيون والحفلات الوطنية أمامه للتعريف بالفن الأمازيغي ورواده"، وأكد أن الراحل كان من أوائل من ساهموا في تعزيز أرشيف الإذاعة بفنون المنطقة، كما عمل على إدخال الفنانين الأمازيغيين إلى استوديوهات التسجيل، الأمر الذي لفت أنظار الشركة الوطنية للإذاعة والمنتجين إلى غنى هذه الربوع بالمواهب والإبداع. وأشار أكنوز إلى أن الراحل اضطلع كذلك ب "ترجمة بعض خطب الملك الراحل الحسن الثاني إلى الأمازيغية، وهي مبادرات لقيت تقديرا رسميا"، مذكرا بأول مراسلة إذاعية بالأمازيغية خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الملك الحسن الثاني إلى تونس، وبالمسار الإداري المبكر للراحل حين عين سنة 1964 مندوبا جهويا لوزارة الأنباء ومديرا جهويا لإذاعة أكادير، وختم أكنوز شهادته بالتأكيد على أن الحسين برحو، بعد أن جاب ربوع الوطن، عاد ليكمل ما تبقى من حياته ببلدته "أروكو" بضواحي خنيفرة، وفيا لأرضه وهويته حتى آخر المطاف. حب المكان والذاكرة وفي محور مسيرته الرياضية، تناول الكلمة المشاء والرحالة، الحسين الأيوبي، مستحضرا المكانة الخاصة التي كان يحتلها الراحل الحسين برحو في مسار الرياضات الجبلية، والذكريات التي جمعتهما خلال محطات متعددة من العمل الميداني، وأبرز مساهمته الأساسية في تأسيس نادي إسمون نعاري سنة 2005، وزاد صاحب عبارة "لنتقاسم ما هو جميل"، الحسين الأيوبي، فأكد أن الراحل كان "يعبر المسالك بأخلاق عالية"، و"يجمع القلوب حول قيم التضامن والانضباط، "ويعلمنا حب المكان والذاكرة والجبل والهوية والجمال فيما حولنا ونتقاسمه". وسجل فضاء الحفل كذلك لحظات إنسانية مؤثرة من خلال شهادات كل من الفنان بوعزة العربي، وأصدقاء الراحل لحسن تاديغي (مولاي)، محمد قنطيش، علي أمحزون ومحمد بلغزواني، الذين استعادوا ملامح شخصيته وخصاله، مؤكدين أنه كان لطيفًا، بشوشا ومضيافا، قريبا من الناس إلى درجة أن بعض أقاربه كانوا ينادونه ب "بابا حوسى" تقديرا لمكانته الأبوية ورمزيته داخل محيطه، كما أبرز المتدخلون إسهامات الراحل في دعم الفنانين وتحفيزهم ومواكبتهم في المهرجانات الوطنية. وتوقف "الشهود" بالتالي عند دور الراحل في ترسيخ ثقافة العمل الجماعي وروح المبادرة في نشر رياضة المشي وتوسيع قاعدتها، ولم تغب عن الشهادات الإشارة إلى مكانته كذاكرة سياسية حية، وعشقه لرياضة القنص والرماية، وولعه بفن "تاماوايت" باعتباره أحد التعبيرات الفنية العميقة لثقافة الأطلس، ليختتم الحفل بتقديم درع تذكاري وشهادة وفاء لأبناء الراحل، وتوزيع شهادات شكر على المتدخلين والمشاركين، قبل أن ترفع أكف الدعاء الجماعي للفقيد بالرحمة والمغفرة، في أجواء امتزج فيها الأسى بالاعتراف والوفاء.