بعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية، تتابعت الأحداث بشكل يعكس انتقال الملف من دائرة الدبلوماسية المغلقة إلى فضاء المفاوضات بشأن تنفيذ القرار الأممي عبر إطلاق محادثات مدريد مع المغرب و"جبهة البوليساريو" والجزائر وموريتانيا، في انتظار ما ستسفر عنه الجولات المرتقبة من مشاورات رفيعة المستوى، بما في ذلك لقاء محتمل في واشنطن خلال الأشهر المقبلة. وفي قراءته لمدى نجاح الولاياتالمتحدةالأمريكية في تحريك مسار المفاوضات بشأن ملف الصحراء المغربية، قال خالد الشيات أستاذ العلاقات الدولية، إن تدخل الولاياتالمتحدة في قضية الصحراء يأتي بغطاء الشرعية الدولية، أي في إطار القرار رقم 2797، الذي تجد فيه سندها القانوني والشرعي.
وأضاف الشيات، أن القرار السابق يضع الحل في إطار الحكم الذاتي وبالضبط المقترح المغربي للحكم الذاتي، وهو يحدد أطراف النزاع وهؤلاء الأطراف استجابوا للقاء مدريد، مما يعني أن هناك نجاحا أوليا في المسارات التي تقودها الولاياتالمتحدةالأمريكية.
وأوضح الشيات، في تصريح ل"الأيام 24″، أن الولاياتالمتحدة هي الأساس الذي يُحرك المفاوضات، معتبرا أن الأممالمتحدة بقيت عقودا وهي تُخرج القرارات والتوصيات التي لا تدفع نحو حل واقعي.
وأكد الشيات، أن وجود إرادة قوية للسلام لدى الإدارة الأمريكية يعد أمرا مهما لإنهاء النزاع في صيغة توافقية "لا غالب ولا مغلوب" كما قال الملك محمد السادس، مبرزا أن أي عمل تقوم به الولاياتالمتحدةالأمريكية هو في سبيل الوصول إلى حل سلمي وهو ما يتحقق من خلال الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب.
وسجل الشيات، أنه ليس هناك إمكانية لرفض مبادرة الحكم الذاتي لأن إطلاق هذه المحادثات تم تغليفه مسبقا بالقرار الصادر عن مجلس الأمن الذي يحدد المآلات النهائية لحل قضية الصحراء المغربية، مبرزا أن هذا المآل هو أحادي وفريد ولن يكون إلا في إطار الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب.
وتابع أن ما حدث في هذه المفاوضات هو أن المغرب أخذ معه مشروعا مفصلا لمقترح الحكم الذاتي من أجل الدخول في مفاوضات حوله، مشددا على أنه ليس هناك إمكانية للحديث عن قبول أو رفض مقترح الحكم الذاتي.
وخلص الشيات، إلى أن هناك شرعية دولية يؤطرها القرار الصادر عن مجلس الأمن 2797، إضافة إلى عمل دؤوب لدولة عظمى لإيجاد كافة الحلول، وبالتالي فكل الشروط متوفرة، مستدركا: إلا الشروط الداخلية للجزائر التي دفعت في اتجاه تأزيم الوضع في علاقتها مع المغرب إلى أقصى الحدود، وتجد صعوبة في التراجع عن هذا الأمر.
وزاد الشيات، أن "هذه الدولة حاولت بلقنة المنطقة والدخول في نسق جديد، لكن الأمر لم ينجح، لأن هناك حل وحيد وفريد هو الحكم الذاتي وغير ذلك ليس هناك أي إمكانية للوصول إلى حل نهائي".
يذكر أن تقارير إعلامية دولية، كشفت أن وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة عرض خلال اجتماع مدريد نسخة موسعة من المقترح، في صيغة قانونية مفصلة تقع في نحو أربعين صفحة، أعدت بتنسيق بين المستشارين الملكيين الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان وفؤاد عالي الهمة، بتكليف من الملك محمد السادس.
الوثيقة الجديدة، بحسب ما تم نشره، تعيد هيكلة مبادرة 2007 عبر تحويلها من تصور سياسي عام إلى نظام مؤسساتي ذي صياغة معيارية دقيقة، يتضمن تعريفات قانونية واضحة، وقواعد تفسير، وأحكاما انتقالية، وآليات إدماج دستوري ورقابة.
ويقوم المشروع على توزيع مزدوج للاختصاصات بين الدولة والجهة، بحيث تحتفظ السلطة المركزية بالاختصاصات السيادية، وفي مقدمتها الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والجنسية ورموز السيادة والقضاء الأعلى، فيما تمنح الجهة صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط الاقتصادي والتنمية الصناعية والسياحية وتدبير الصيد البحري والسياسات الاجتماعية والصحة والتعليم والبيئة والبنيات التحتية.
ويُكرس النص مبدأ الولاء الدستوري، مع التنصيص على إمكانية تعليق بعض الصلاحيات الجهوية مؤقتا في حال المساس بالنظام الدستوري أو الوحدة الترابية. كما يقترح إنشاء برلمان جهوي منتخب بنظام نسبي، مع تمثيلية للقبائل الصحراوية المعترف بها واعتماد حصص للنساء، إلى جانب مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي بصفة استشارية. أما على المستوى التنفيذي، فينص المشروع على تعيين رئيس حكومة جهوي من طرف الملك وفق آلية مؤطرة، مع تمتيعه بسلطة تنظيمية كاملة داخل مجالات اختصاصه وإمكانية مساءلته عبر ملتمس رقابة بناء.
ويتضمن النظام المقترح تنظيما قضائيا جهويا بمحاكم ابتدائية واستئنافية، ومحكمة عليا جهوية تخضع للرقابة الدستورية الوطنية، إضافة إلى آلية لحل نزاعات الاختصاص قبل اللجوء إلى المحكمة الدستورية.
وفي الجانب المالي، ينص المشروع على موارد ذاتية للجهة تشمل ضرائب ورسوم استغلال الموارد الطبيعية ونسبة من العائدات الوطنية، مع إحداث صندوق تضامن وطني يخضع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
كما يتناول النص مسألة المصالحة وعودة السكان، من خلال آليات للتحقق من الهوية وتنظيم العودة ونزع السلاح وإعادة الإدماج، مع التنصيص على عفو منظم يستثني الجرائم الدولية. ويقترح المشروع عرض النظام على استفتاء وطني شامل، وإدماجه في الدستور ضمن باب خاص، بحيث لا يمكن تعديله إلا بأغلبية معززة.
وتستلهم الوثيقة، وفق ما نشر، تجارب دولية في الحكم الذاتي، خاصة النموذج الإسباني وبعض الصيغ الأوروبية، مع تكييفها مع الإطار الدستوري المغربي القائم على وحدة الدولة. غير أن النص لا يزال، بحسب المصادر ذاتها، في طور الصياغة النهائية، وبعض مقتضياته خاضعة لتحكيم سياسي وتقني.