تستضيف العاصمة الأمريكيةواشنطن يومي 23 و24 فبراير الجاري جولة جديدة من المفاوضات حول ملف الصحراء المغربية، في إطار تحرك دبلوماسي تقوده إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكسر الجمود الذي طبع هذا النزاع لسنوات.
وتأتي هذه الجولة، الثالثة خلال شهر واحد، بعد لقاءات سابقة في واشنطن ومدريد، ما يعكس زخما أمريكيا متصاعدا في التعاطي مع الملف.
ويقود المبادرة مسعد بولس، المبعوث الأمريكي الخاص إلى إفريقيا، وسط مشاركة وفود رفيعة من المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، إلى جانب مسؤولين أمميين وأمريكيين، فيما تتركز النقاشات على نسخة محدثة من مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب، مدعوما بقرار مجلس الأمن 2797 الذي وصف المبادرة بأنها "الأكثر واقعية ومصداقية".
ويطرح هذا الحراك المكثف تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت واشنطن بصدد إحداث منعطف سياسي حاسم في مسار النزاع، أم أنها تعيد تحريك عجلة التفاوض داخل السقف الأممي القائم دون تغيير جذري في موازين الحل؟
كما يفتح الباب أمام اختبار مدى قدرة هذه الجولة غير المعلنة على تقريب وجهات نظر الأطراف الأربعة، في ظل تباين المقاربات وسقف الانتظارات، وبين دينامية دبلوماسية متجددة ورهانات إقليمية معقدة تجعل من أي اختراق محتمل رهينا بإرادة سياسية تتجاوز منطق إدارة الأزمة إلى منطق تسويتها؟
أجرأة وليس تفاوضا
في هذا السياق، قال محمد أشلواح، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن الحديث عن "استئناف المفاوضات" حول الصحراء المغربية ينبغي ضبطه بدقة، لأن المغرب، من وجهة نظره، لا يتفاوض حول سيادته، وإنما يعمل على أجرأة الجوانب التقنية المرتبطة بتنزيل مضامين مبادرة الحكم الذاتي التي حظيت بدعم مجلس الأمن، وآخرها القرار 2797.
وأوضح أشلواح في حديث ل"الأيام24″ أن النقاش الدائر اليوم يتعلق أساسا بكيفية تفعيل تصور سياسي سبق أن تم تثمينه أمميا باعتباره جديا وذا مصداقية، مضيفا أن ما يهم في الظرفية الحالية هو "الجدية التي عبرت عنها الولاياتالمتحدةالأمريكية في التعاطي مع الملف"، باعتبارها المشرف المباشر على محاولة إيجاد مخرج نهائي للنزاع، في سياق دولي يتسم بإعادة ترتيب موازين القوى.
واعتبر المتحدث أن واشنطن لا ترغب في ترك فراغ يسمح لقوى دولية أخرى بالدخول على الخط، وهو ما يفسر اندفاعها لتسريع المشاورات قبل موعد عرض الملف على مجلس الأمن في أكتوبر المقبل، مع الإبقاء على الإطار الأممي، وهو ما يجسده حضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا.
وسجل المتحدث أن من أبرز المستجدات إدماج الجزائر بشكل صريح في العملية التفاوضية، معتبرا أن ذلك تم بدفع أمريكي واضح لوضع النظام الجزائري أمام مسؤولياته السياسية في التعاطي مع مبادرة الحكم الذاتي، مشيرا إلى أن واشنطن تحاول تدبير عدد من الملفات الدولية العالقة وفق مقاربة جديدة، من خلال آليات تستند إلى مقتضيات المادة 29 من ميثاق الأممالمتحدة، بما يسمح بإحداث صيغ اشتغال مرنة تخدم رؤيتها ومصالحها الاستراتيجية في ظل تراجع منافسين دوليين.
وختم أشلواح بالتأكيد على أن المغرب مطالب باليقظة الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بالخطوط الحمراء التي أرستها مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007، وفي مقدمتها مسألة السيادة، مشددا على أن تنزيل الحكم الذاتي يظل شأنا مغربيا داخليا لا مجال لإشراك قوى أخرى فيه بما قد يمس جوهر الاختصاصات السيادية.
ولم يستبعد أستاذ العلاقات الدولية في حال عدم تجاوب الجزائر مع التوجه الذي تدفع به واشنطن، أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى خيارات ضغط إضافية، من بينها تشديد العقوبات أو إعادة تصنيف بعض الأطراف، في إطار سعيها لفرض تسوية تنسجم مع تصورها لإنهاء النزاع.
تعميق المسار
من جهته، قال رشيد لزرق، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن "التحركات الأمريكية الحالية لا يمكن اعتبارها منعطفا حاسما بقدر ما هي تعميق لمسار استراتيجي بدأ مع اعتراف إدارة دونالد ترامب بسيادة المغرب سنة 2020"، مشددا على أن هذا الاعتراف "منح زخما سياسيا قويا للموقف المغربي ورسخ أولوية مقترح الحكم الذاتي باعتباره حلا واقعيا".
وأضاف لزرق في تصريح ل"الأيام 24″ أن "طبيعة النزاع تظل مؤطرة أمميا تحت إشراف الأممالمتحدة وقرارات مجلس الأمن"، معتبرا أن الدور الأمريكي، رغم ثقله الجيوسياسي، "يظل محكوما بحدود الشرعية الدولية وبمنطق إدارة التوازنات الإقليمية، خصوصا في ظل تعقيدات البيئة المغاربية والساحل".
اختبار الإرادة
وبخصوص فرص نجاح الجولة غير المعلنة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الأربعة، يرى المتحدث أن الأمر "يرتبط بمدى استعداد الجزائر للانخراط الصريح في منطق الحل السياسي التوافقي، وبقدرة الوساطة الأمريكية على توفير ضمانات متبادلة تعيد بناء الثقة"، مبرزا أن المغرب "يتحرك من موقع قوة دبلوماسية متصاعدة، مدعوما باعترافات دولية متزايدة ودعم واضح لمبادرة الحكم الذاتي".
وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن هذه الجولة قد تسهم في خلق دينامية تفاوضية جديدة وتخفيف حدة الجمود، لكنها "لن تتحول إلى تسوية نهائية ما لم تتوافر إرادة سياسية إقليمية صريحة تتجاوز منطق إدارة النزاع إلى منطق حله".