يشهد ملف الصحراء تحوّلاً لافتاً في مساره الدبلوماسي، مع انتقال مركز الثقل من رعاية الأممالمتحدة إلى قيادة أمريكية مباشرة للمفاوضات، في أعقاب قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي دعا إلى مفاوضات مباشرة بين أطراف النزاع على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب. فبعد سنوات من الجمود، جاء القرار 2797، الصادر في نهاية أكتوبر الماضي، ليكرّس توجهاً دولياً متنامياً يعتبر المبادرة المغربية الإطار الأكثر "جدية وواقعية" للتوصل إلى حل سياسي نهائي، وهو ما انعكس سريعاً على طبيعة الوساطة، التي باتت تقودها واشنطن بشكل صريح.
وفي هذا السياق، كشفت وسائل إعلام إسبانية عن احتضان العاصمة مدريد، الأحد، جولة جديدة من المفاوضات غير المعلنة حول مستقبل الصحراء، تجمع المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، داخل مقر السفارة الأمريكية، وتحت إشراف مباشر من مستشار ومبعوث الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، إلى جانب السفير الأمريكي لدى الأممالمتحدة مايكل والتز. وتُعد هذه الجولة الثانية من نوعها، بعد اجتماع أولي استمر نحو 48 ساعة عُقد قبل أسبوعين في واشنطن، في سرية تامة، على أن تُعقد جولة ثالثة في الولاياتالمتحدة قبل نهاية الشهر الجاري، بحسب المصادر نفسها. ويُلاحظ أن هذا المسار التفاوضي الجديد يجري عملياً خارج القنوات الأممية التقليدية، رغم مشاركة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، ما يعكس تراجعاً واضحاً لدور الأممالمتحدة لصالح دبلوماسية أمريكية نشطة، في وقت لا تُخفي فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب نظرتها المتحفظة، بل المتشككة، تجاه فعالية المنظمة الدولية. ويعزز هذا التوجه ما ينتظر أن يكون محطة مفصلية أخرى نهاية أبريل المقبل، حيث يعقد مجلس الأمن جلسة جديدة يُقدم خلالها دي ميستورا إحاطة حول ما تحقق منذ آخر اجتماع للمجلس، وسط تساؤلات حول هامش تحركه في ظل قيادة أمريكية مباشرة للملف. وبحسب التسريبات الإعلامية، يصل المغرب إلى هذه المفاوضات بمقترح محدث للحكم الذاتي يتكون من 40 صفحة، مقارنة بثلاث صفحات فقط في نسخة 2007، ويتضمن تفاصيل مؤسساتية وإدارية أوسع. وقد أُعدّ هذا المقترح، وفق المصادر، بإشراف مستشارين ملكيين ومسؤولين أمنيين وحكوميين بارزين، في استجابة واضحة للضغوط الأمريكية والدولية الداعية إلى إضفاء مزيد من المصداقية والعمق على المبادرة. غير أن التقييم الأولي للدبلوماسية الأمريكية يعتبر، بحسب المصادر نفسها، أن المقترح المغربي لا يزال "محدوداً نسبياً"، إذ قد يتطلب، في حال المضي قدماً، تعديلات دستورية وإعادة هيكلة في التنظيم الترابي للمملكة لضمان حكم ذاتي فعلي. في المقابل، تشير التقارير إلى أن الجزائر وجبهة البوليساريو، ورغم الضغوط الأمريكية المتزايدة، لا تزالان متمسكتين، في المرحلة الراهنة، بمبدأ تقرير المصير، الذي جرى الاتفاق عليه قبل أكثر من ثلاثة عقود، ما ينذر بصعوبة المفاوضات وتعقيد مخرجاتها. وتؤكد واشنطن أن تسوية نزاع الصحراء باتت "أولوية مطلقة" في سياستها تجاه شمال أفريقيا، انطلاقاً من اعتبارات الاستقرار الإقليمي والأمني، وهو ما يفسر تسريع وتيرة الاجتماعات، واحتضانها في مقرات دبلوماسية أمريكية، بعيداً عن الأطر الأممية التقليدية. وبين ضغط أمريكي متصاعد، وتراجع نسبي لدور الأممالمتحدة، وتمسك الأطراف بمواقفها الجوهرية، تبدو مفاوضات مدريد حلقة ضمن مسار جديد تسعى واشنطن من خلاله إلى كسر الجمود التاريخي للنزاع، وفرض مقاربة تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كقاعدة تفاوضية وحيدة، مع ما يحمله ذلك من رهانات سياسية ودبلوماسية في الأسابيع المقبلة.