تتواصل جلسات محاكمة الوزير السابق محمد مبديع ومن معه، على خلفية الاختلالات المالية والتسييرية التي شهدتها مدينة الفقيه بنصالح خلال فترة توليه رئاسة الجماعة، وسط سجال قانوني حاد بين هيئة الدفاع والجهات المتابعة، خصوصا بشأن تحديد المسؤوليات داخل مساطر تدبير الصفقات العمومية.
وفي مستجد لافت خلال جلسة اليوم الجمعة 3 أبريل الجاري، تخلف النقيب محمد حيسي الذي كان من المرتقب أن يتولى المرافعة عن مبديع، بعد إدلائه بشهادة طبية، ما فسح المجال لباقي أعضاء هيئة الدفاع لتولي مهمة بسط الدفوعات القانونية وتفصيل معطيات الملف.
وفي هذا السياق، شددت المحامية أمينة الطالبي، عضو هيئة دفاع المتهم رشيد لمرزق، على وجود "اختلالات مسطرية" شابت مرحلة التحقيق، معتبرة أن "قاضي التحقيق لم يلتزم بإجراء البحث الاجتماعي المنصوص عليه في المادة 87″، وهو ما اعتبرته "خرقا" لإجراء جوهري من شأنه التأثير على مسار القضية.
وأبرزت المحامية أن موكلها، الذي التحق بالجماعة كموظف عادي إلى ان بلغ درجة إطار مهندس "سلم 11″، لا تتوفر في حقه أية قرينة مادية تدينه، مشيرة إلى أن مساره المهني يعود إلى سنة 1992، حيث شغل مهام مهندس ثم رئيس مصلحة، دون أن يسجل عليه أي تجاوز، مضيفة أنه لا يملك سوى منزل وسيارة، ما ينفي بحسب تعبيرها، أي شبهة اغتناء غير مشروع.
وأكدت الطالبي أن لمرزق لم يكن عضوا في لجنة الصفقات أو لجنة طلب العروض، ما يجعله خارج دائرة اتخاذ القرار، موضحة أن مهامه كانت تندرج في إطار الشؤون الإدارية، دون امتلاك خبرة تقنية في مجال الصفقات العمومية.
وانتقل الدفاع إلى تفصيل الإطار القانوني المنظم لعمل لجان فتح الأظرفة، مشيرة إلى أن المقتضيات القانونية، خاصة المواد من 35 إلى 44 من مرسوم الصفقات العمومية، تضبط بشكل دقيق كيفية تحرير محاضر الجلسات وتوقيعها، معتبرة أن هذه المحاضر "عنوان الحقيقة" لكونها وثائق رسمية موقعة وفق الضوابط القانونية.
وأوضحت أمينة أن كل اجتماع للجنة يتم توثيقه بمحضر مستقل، سواء تعلق الأمر بفتح الأظرفة أو فحص العروض، وفق ما ينص عليه المرسوم المنظم للصفقات، مضيفة أن التوقيع على هذه المحاضر يقتصر على الأعضاء الرسميين للجنة، وهو ما يطرح بحسبها، إشكال مساءلة أشخاص خارج هذه الصفة.
وفي معرض حديثها عن مسؤولية رئيس الجماعة بصفته "صاحب المشروع"، أكدت المحامية أن هذا الأخير يتولى استخراج صفقات المتنافسين التي تم إيداعها بمصلحة الصفقات او تودع في منصة الصفقات ويقوم هذا الأخير بتسجيلها بحسب ترتيبها زمنيا حسب تاريخ التوصل في سجل، ليتم بعد ذلك استدعاء لجنة فتح الأظرفة وتحديد تاريخ انعقادها.
وقدمت الطالبي، نماذج من مراسلات التبليغ والاستدعاء الموجهة لأعضاء اللجنة، لإثبات حسب قولها، أن المساطر كانت تتم بشكل قانوني، وأن اللجنة كانت تتوصل بملف طلب العروض كاملا، بما في ذلك نظام الاستشارة والوثائق التقنية، قبل سبعة أيام على الأقل من تاريخ فتح الأظرفة، كما يفرضه القانون، مشددة على أن المشرع يتيح لصاحب المشروع إمكانية استدعاء خبراء أو مستشارين تقنيين لحضور أشغال اللجنة عند الضرورة.
وفي ردها على ما وصفته ب"محاولات التنصل من المسؤولية"، تساءلت المحامية عن كيفية ادعاء بعض أعضاء اللجنة عدم الإلمام بمساطر الصفقات، رغم مشاركتهم في عشرات الاجتماعات، معتبرة أن هذا الطرح "لا يستقيم مع المنطق ولا مع القانون"، لكون اللجنة تضم أعضاء على دراية بنظام الاستشارة والإطار القانوني المؤطر للصفقات العمومية.
وبخصوص دور رشيد لمرزق، أوضح الدفاع أنه كان يقتصر على مهام إدارية، من قبيل استقبال الملفات وتوجيه المراسلات، إضافة إلى تحرير محاضر الجلسات، دون أن تكون له سلطة اتخاذ القرار، مؤكدة أنه "لا يُحاكم كشخص بقدر ما يُحاكم من خلال وظيفته".
واستندت المحامية إلى مقتضيات المادة 36، التي تخول لرئيس الجلسة صلاحية فتح الأظرفة والإشراف على العملية، بما في ذلك دعوة المتنافسين وتمكين من لم يستكملوا وثائقهم من إتمامها وفق الضوابط القانونية خلال جلسة عمومية.
وأشار الدفاع إلى أن دور لمرزق في هذه المرحلة يظل تقنيا وإجرائيا، يتمثل في تحرير المحاضر وضمان حفظ الأظرفة في ظروف آمنة ومغلقة، إلى حين استكمال باقي مراحل المسطرة، بما فيها الجلسة العمومية الموالية.
وفي سياق استكمال دفوعاتها، أكد الدفاع أن المنظومة القانونية المؤطرة للصفقات العمومية تتيح مجموعة من الإمكانيات والآليات التي يمكن اللجوء إليها دون التنصل من المسؤولية، مبرزة أن مبدأ "لا يُعذر أحد بجهله للقانون" يظل قائماً وملزماً لجميع المتدخلين في هذه المساطر.
وأوضحت المتحدثة نفسها، أن رئيس الجماعة، بصفته صاحب المشروع، يتمتع بصلاحيات واسعة تخول له تعيين خبراء مختصين لفحص ودراسة الملفات، والتأكد من سلامتها من الجوانب التقنية والمالية والإدارية، مشيرة إلى أن تقييم العروض يتم خلال جلسات مغلقة، مع إمكانية الاستعانة بخبير أو تقني لإبداء الرأي بشأن نقاط محددة، بل ويمكن أيضاً إحداث لجنة فرعية تتولى تقييم الحلول المقترحة وفق معايير دقيقة.
ومن جهة أخرى، شددت الطالبي على عنصر حسن النية في سلوك المتهم رشيد لمرزق، معتبرة أن مساره يعكس "الضمير المهني ونظافة اليد"، دون وجود أي قصد جنائي أو نية لتحقيق منفعة شخصية، مبرزة في هذا الإطار أنه ظل بعيداً عن كل مظاهر الثراء غير المشروع، مكتفياً بالكفاف، ومعروفاً بخدماته وتفانيه في أداء مهامه.
ولفتت إلى أن لمرزق بادر، بعد مرور خمس سنوات، إلى تقديم كافة الوثائق والملفات المطلوبة للمفتشية، وأجاب عن جميع التساؤلات المطروحة بكل شفافية ومصداقية، في وقت كان بإمكانه بحسبها التخلص منها أو التذرع بانتهاء مدة الاحتفاظ بها، وهو ما اعتبرته دليلاً إضافياً على غياب أي نية مبيتة أو سلوك تدليسي، وعلى تعاونه الكامل مع جهات التفتيش.
وفي محور مرتبط بآليات المراقبة، أبرز دفاع لمرزق أن جميع الصفقات العمومية تخضع لمساطر المصادقة والمراقبة القبلية والبعدية، مؤكدة تقديم نماذج لشكايات سبق أن وُضعت من طرف مقاولات ومؤسسات، خاصة في حالات الإقصاء، حيث يتم فحص أسباب استبعاد بعض الشركات، بما فيها شركات كبرى لا تتردد في الطعن والمطالبة بالتعويض إذا تبين أن الإقصاء تم بشكل غير قانوني.
وأوضحت المحامية أن التشريع يمنح للسلطات المختصة إمكانية إلغاء طلبات العروض في حالات محددة، لاسيما عند اكتشاف عيب في المسطرة أو بناءً على شكاية مؤسسة على أسس صحيحة تقدم بها أحد المنافسين داخل الآجال القانونية، وهو ما يعكس، دقة الإطار القانوني وحرصه على ضمان شفافية ونزاهة الصفقات العمومية وحماية المال العام بحسبها.
وشدد الدفاع على أن هذه الصفقات لا تمر خارج منظومة رقابية صارمة ومتعددة المستويات، متسائلة عن مدى منطقية تحميل منتخب محلي مسؤولية خارج هذا الإطار، في ظل وجود رقابة مؤسساتية، خاصة من طرف وزارة الداخلية، التي لا يمكن بحسب تعبيرها ، أن تفرج عن الأموال العمومية دون تتبع ومراقبة دقيقة، مؤكدة في ختام مرافعتها أن جميع الصفقات موضوع الملف حظيت بالمصادقة وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
وختم الدفاع مرافعته بالتأكيد على أن تحميل موكلها رشيد لمرزق مسؤولية اختلالات والمشاركة في اختلاسات أموال عمومية محتملة في تدبير الصفقات "يفتقد للأساس القانوني"، في ظل غياب صفة العضوية داخل اللجان المختصة، وغياب أي دليل مادي يثبت تورطه في أفعال مخالفة للقانون.