شهد ملف القضية القبائلية تحولًا لافتًا مع انتقاله من نطاقه الداخلي إلى ساحة الدبلوماسية الدولية، في خطوة غير مسبوقة أقدم عليها ما يُعرف ب"الحكومة القبائلية في المنفى" (أنفاد)، عبر لجوئها الرسمي إلى "مجلس السلام" الأمريكي لطلب التحكيم. هذه الخطوة تعكس، وفق مراقبين، سعيًا واضحًا إلى إعادة تأطير النزاع ضمن منطق القانون الدولي، بعد سنوات من الجمود والصدام غير المباشر مع السلطة المركزية في الجزائر. ويراهن فرحات مهني، رئيس الحكومة القبائلية في المنفى، على استراتيجية تقوم على كسب الشرعية الدولية، مستندًا إلى إعلان الاستقلال الصادر في دجنبر 2025، وإلى آراء قانونية صادرة عن خبراء بريطانيين تعتبر أن للشعب القبائلي حقًا أصيلًا في تقرير مصيره. الهدف المعلن من هذه المبادرة هو كسر منطق المواجهة الثنائية العقيمة، والدفع نحو وساطة دولية تشرف عليها قوى وازنة، بما قد يفتح أفقًا جديدًا لمعالجة الملف خارج المقاربات الأمنية التقليدية. تأتي هذه الخطوة في ظرف دقيق بالنسبة للسلطات الجزائرية، التي تجد نفسها أمام معادلة معقدة: فرفض أي مسعى للتحكيم الدولي قد يُفسَّر على أنه انغلاق إضافي وعزلة عن المجتمع الدولي، في حين أن القبول به قد يُعد إقرارًا ضمنيًا بوجود نزاع ذي طابع سياسي أو وطني، وهو ما تحرص الجزائر تاريخيًا على نفيه. في المقابل، يؤكد القائمون على المبادرة أن تحركهم لا يستهدف التصعيد، بل يطرح خيار الانتقال السلمي وضمان استقرار منطقة تعيش أصلًا على وقع توترات متراكمة. داخل دوائر القرار في الجزائر، أثارت هذه التطورات حالة من القلق الواضح، خصوصًا في الأوساط العسكرية التي اعتادت إدارة هذا الملف بمنطق أمني صارم. فإدخال هيئة دولية يُفترض أن تقوم على مبادئ الشفافية وحقوق الشعوب يحدّ من هامش التحكم التقليدي في السردية الإعلامية والدبلوماسية، ويُضعف سياسة التعتيم التي أحاطت بالقضية القبائلية لعقود. ويزداد هذا القلق حدةً بفعل البعد الإقليمي للتحرك، خاصة مع كون المغرب من بين الأعضاء المؤسسين والداعمين داخل هياكل "مجلس السلام". بالنسبة للجزائر، فإن احتمال حضور غير مباشر للرباط، المعروفة بنشاطها الدبلوماسي وقدرتها على التأثير في المحافل الدولية، يُعد مصدر إزعاج استراتيجي. كما أن تخوفًا يتنامى من أن يُستحضر النموذج المغربي في إدارة قضايا السيادة والحكم الذاتي ضمن أي نقاش دولي محتمل، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للتحدي الذي تواجهه الجزائر في هذا الملف. يبدو أن تدويل القضية القبائلية وضع الجزائر أمام اختبار دبلوماسي حقيقي، قد تتجاوز تداعياته الإطار الداخلي لتطال توازنات إقليمية وحسابات دولية أكثر تعقيدًا، في وقت تتسم فيه المنطقة أصلًا بحساسية سياسية متزايدة.