لا شيء في الطفولة التي قضتها حفيظة واهيا جنوب المغرب كان يوحي بالمسار الذي ستصنعه لنفسها يوما ما، وهو أن تصبح باحثة تتولى إدارة مختبر في جامعة صينية. ولدت حفيظة واهيا سنة 1990، ونشأت بين أزرو وآيت ملول قبل أن تتابع دراستها بالمدرسة العليا للتكنولوجيا بأكادير ثم بكلية العلوم والتقنيات بفاس، حيث تخصصت في الصناعات الزراعية والغذائية. بعد ذلك بدأت مسارها المهني كمسؤولة عن النظافة الصحية ومراقبة الجودة بشركة للصناعات الغذائية بجهة سوس ماسة، كما أشرفت كمهندسة مستشارة بأكادير على عدة مشاريع تتعلق بالممارسات الفلاحية الجيدة وأنظمة إدارة الجودة. وجاء التحول الفعلي في مسارها حين تم اختيارها من بين عشرين مرشحا مغربيا للاستفادة من منحة دراسية من مجلس المنح الدراسية الصيني، وهو هيئة عامة تابعة لوزارة التعليم الصينية. وفي حديث مع وكالة المغرب العربي للأنباء، أوضحت حفيظة واهيا أن اختيارها الالتحاق بالصين يتجلى في الأهمية التي توليها هذه القوة الآسيوية للبحث التطبيقي، فضلا عن جودة بنيتها التحتية التجريبية. ولم تخلُ بداياتها في جامعة جيانغسو بمدينة تشنجيانغ من صعوبات، حيث أشارت إلى حاجز اللغة والوحدة في الأشهر الأولى، واختلاف المرجعية الثقافية التي تظل عصية على الفهم لأي شخص يصل حاملا لقناعاته المتوسطية أو الأطلسية. وقالت حفيظة واهيا إن "الصينيين مرتبطون بشكل عميق بلغتهم ويقدرون كثيرا كل من يبذل جهدا لتعلمها". ومع اعتزازها بهويتها المغربية والأمازيغية، اختارت حفيظة واهيا أن تدع جودة أعمالها العلمية تتحدث نيابة عنها. وقد أثمرت هذه المقاربة، إذ تمكنت حفيظة من نيل جائزة أفضل أطروحة بجامعة جيانغسو سنة 2021، وهو اعتراف ترى فيه دليلا على أن "باحثة مغربية قادرة تماما على إثبات حضورها والتألق داخل بيئة علمية شديدة التنافسية". وأضافت أن "الوصول إلى الصين كطالبة أجنبية والحصول على هذا التقدير يبرهن أن العمل والانضباط والمثابرة يمكن أن يتجاوز الحدود واللغة". وفي منصبها الحالي كأستاذة مساعدة، تتولى حفيظة واهيا إدارة فرق البحث، وتواكب طلبة الدكتوراه في إنجاز أعمالهم، وتنشر في مجلات علمية دولية مرموقة. وتركز أبحاثها على تحسين جودة وسلامة المنتجات الغذائية، لا سيما العصائر، باستخدام تقنيات صاعدة مثل المعالجة بالأشعة فوق البنفسجية والمعالجة الحرارية بالموجات فوق الصوتية. وتتيح التقنية الأولى تعقيم العصائر دون اللجوء إلى الحرارة، مما يحافظ على قيمتها الغذائية، بينما تجمع التقنية الثانية بين الموجات فوق الصوتية والحرارة المعتدلة لتقليل الحمل الميكروبي وإطالة مدة حفظ المنتجات. وبنشرها أكثر من ثلاثين مقالة في مجلات علمية دولية مرموقة، وحصولها على تمويلات بحثية على المستويين الإقليمي والوطني في الصين، وتقدمها إلى رتبة أستاذة مساعدة، يُشكل مسار حفيظة واهيا رصيدا علميا قويا. ومع ذلك، فهي تحرص على تقديم صورة واقعية لمسيرتها بعيدا عن المثالية. تقول حفيظة في هذا الإطار إن "مساري المهني كان مليئا بالضغوط والتقييمات المستمرة وإعادة النظر الدائمة. في كل مرحلة، كان علينا إنتاج نتائج ملموسة: منشورات، إشراف دقيق، مشاريع ممولة". وترى، وهي التي تؤمن بدور القدوات النسائية في التشجيع على الاهتمام بالعلوم، أن "رؤية الفتيات الصغيرات لنساء يسيرن مختبرات وينشرن في مجلات مرموقة يجعل من العلم بالنسبة لهن أفقا متاحا، لا استثناء". ومن أجل ذلك، تولي حفيظة واهيا أهمية خاصة لليوم العالمي لحقوق المرأة، باعتباره تذكيرا بالحاجة إلى تمثيل أكبر للنساء في مجال البحث العلمي. وبفضل قدرتها على التكيف مع بُعد العائلة وإثبات كفاءتها ضمن إطار لغوي وثقافي جديد، تحث حفيظة واهيا الشابات المغربيات الطموحات للعمل في البحث العلمي الدولي على اتخاذ الخطوة الأولى، وذلك عبر "الإيمان بقدراتهن، وترك أفكارهن تحمل أصواتهن".